لهم الله, الاخوة الشعراء والعشاق ومن لف لفهم من الحالمين والرومانسيين... كم تغزلوا في جمال القمر ولم يقصروا ــ والحق يقال ــ في بث ــ القمر وضوئه والقمر ونوره الفضي المتألق ــ لواعج قلوبهم ونجوى صبابتهم باعتباره الكوكب الاجمل والموئل الاروع ... ثم إذا باحلامهم تتداعى وينقض بنيانها وتسقط عبر المسافة الفاصلة بين السماء والارض... على جذور رقبتها كما يقولون بعد ان عرفوا ان القمر مجرد صقع لا يسر عدوا ولا يسعد حبيبا وربما يسر الاعداء اكثر وانه ــ حتى تاريخه على الاقل ــ مجرد قاع صفصف ارضه يباب وهضابه صخور ومسالكه ركام... لا روضة تونع ولا غصنا يورق ولا جدولا يترقرق, ولا حول ولا قوة الا بالله. نفس الاحباط وخيبات الأمل باتت تراود أجيالاً من بعد أجيال ممن ظلوا يقرأون التراث الشعبي العربي الذي ظل شعراء الفلكلور يتغنون به عبر الأزمان والأمصار في وطن اللغة العربية وفي موئل الوجدان الشعبي العربي.. كم سعدت أجيال وحلمت أجيال باجمل حكايات ألف ليلة وفي مقدمتها حكاية (ست الحسن والشاطر حسن) وكم حلقت أجيال على أجنحة خيال جامح وطيوف حلم رائق جميل, الى حيث تخيلت الشاطر حسن فارسا يافعا صبوح الوجه مثل القمر المنير (طبعا قبل اكتشاف حقيقة القمر ـ راجع مستهل هذا الحديث) والزند مفتول والأنف أشم والشارب يقف على أديمه الصقر والهمة عالية والفروسية لا يشق لها غبار. ثم ها نحن نكتشف ان لقب الشاطر ليس من الحذق ولا اجادة فن الحرب ولا في ذكاء الابداع.. بل الشطارة من التشطر.. وشطر الرجل على أهله ــ كما يقول القاموس ــ معناها ترك موافقتهم واعياهم ــ أعزك الله ــ خبثا ولؤما ومن ثم فالشاطر, يضيف القاموس هو الذي عصى القوم وعاش في الخلاعة بعيداً عنهم.. ويقال الشطار (بضم الشين) ومفردهم مرة اخرى هو الشاطر أي المتصف بالدهاء والخباثة. وبناء عليه, فالشاطر حسن يعني ان السيد حسن لم يكن فارسا ولا حاجة وحتى لو كان المذكور كذلك فهو فارس غير محترم, بل هو مجرد حرامي, بواج (بالواو المشددة) كما يقول اخوتنا في العراق الجريح.. أو هو حيال (بالياء المشددة بدورها) يعني محتال.. فلاتي كما يقول المصريون وهي كلمة عامية ربما تكون تطويرا للفظة عامية اخرى هي الفلْتي التي يعرفها قاموس (المنجد في اللغة) بأنها تدل على الشخص الذي لا يعف نفسه عن ارتكاب الموبقات وكل هذه المعاني مستقاة بداهة من معاني الانفلات أو الفلتان. ومن الطريف ان يعمد الشاعر المصري الساخر حسين شفيق المصري الى استخدام الكلمة (فلاتي) بمعنى المحتال النصّاب في معارضة كتبها لقصيدة شهيرة قيلت في رثاء أحد الخارجين على الدولة في مصر الفاطمية أو الايوبية ــ وعذرا لوهن الذاكرة ــ وكان هذا الثائر أو المتمرد قد حوكم وأمروا بشنقه ورفعه مصلوبا على باب زويلة في القاهرة القديمة, ويومها رثاه واحد من أتباعه (هل هو الشاعر عمارة اليمني؟) بقصيدة مؤثرة بدأها بمدح بليغ يقول: علوّ في الحياة وفي الممات لحقٌ انت احدى المعجزات تناول حسين شفيق هذه القافية وأرسل معارضة حلمنتيشية ساخرة تجدها في كتاب طريف ضم قصائد حسين شفيق وعنوانه (ابو نواس الجديد) وقال فيها بنفس الوزن والقافية تنام على السطوح وانت حي وتشنق بعد موتك.. يا فلاتي المهم ان الشاطر حسن لم يكن كما يقول متن اللغة فارسا مغوارا ولا عاشقا رومانسيا كما صورته اساطير التراث وحكايا الغرام الملتهب المشبوب التي حفل بها تراثنا العربي وخفقت بأوارها ولهيبها افئدة العشاق وقلوب العاشقات الولهانات من جيل الى جيل.. بل استمد الشاطر اسمه ــ كما اسلفنا ــ من كونه لصا او محتالاً او قاطعاً للطريق ولعل الامر يسري بنفس المقياس على الآنسة الاسطورية, بطلة حكايات الف ليلة التي تحمل لقب (ست الحسن) فاذا كان (الشاطر) مجرد محترف للسرقة من عباد الله, الا يجوز ان (الست) لم تكن لا آية في الجمال ولا كانت (بدر الدجى) ولا كانت فلقة القمر.. وربما حملت اسم (ست الحسن) هذا من باب التزييف في الفكر او الافتراء على واقع الحال, ان لم يخلعوا عليها الاسم الجميل من باب تسمية الاضداد او فلنقل من باب التفاؤل ليس الا.. فيما كانت تستحق بمقياس الحقيقة لقب (أمنا الغولة) بوصفها امرأة نصف نصف او سيدة من سقط المتاع اكل عليها الدهر كثيراً وشرب مريرا.. وان المسألة كانت مجرد تسميات, والاسماء ــ كما لا يخفى على معرفتك ــ ببلاش وليس عليها لا جمرك ولا ضرائب.. وان التسميات كانت من صنع خيال القصاصين والحكائيين ينسجون الحكايات حول فارس يصول ويجول وفاتنة تبهر الناظرين بفائق الجمال.. ومن ثم فالمغامرات شغالة والاشواق مشتعلة والمستمعون يحبسون الانفاس وهم يتابعون ما يدور والقارئون تؤرقهم اللهفة وهم يتابعون السطور وما بين السطور. ولسنا نذهب بعيداً... ألم تر الى حديث الدون كيشوت بطل قصة الاديب الاسباني الاشهر ميجيل دي سيرفانتس (1547 ــ 1616) وهي تدور حول حديث الفروسية وتمجيد البطولة ولكن بعد انقضاء ايام الفروسية وغروب شمائل الفرسان وانتقال المجتمع الاوروبي وقتها من تكريس البطولة والشهامة والنجدات الى حيث ينطبق عليه المثل المصري الراهن الذي يقول: يا اخوانا كل واحد يشوف مصلحته. هنالك عمد سيرفانتس الى شخصية الدون كيشوت يرثي بها زمن الفروسية الجميل الذي راح وراحت ايامه, وجاء رثائه على شكل سخرية مريرة.. تضحك والقلب يبكي.. تبتسم وفي النفس علقم وفي الحلق غصّة.. ذلك لون من ارقى الوان الفن العالي.. يصور الدنيا من كافة جوانبها.. الجمال والقبح.. الظلمة والنور.. الضحك والبكاء.. هكذا نتابع دون كيشوت يتصور نفسه فارسا وكان عصر الفروسية قد انقضى, يمتشق حساما علاه الصدأ لا يصلح لمقاتلة قطة تعيسة.. ويركب جوادا ربما شهد ــ لفرط عجزه وتهالكه ــ ايام طوفان نوح عليه السلام.. وعندما يصل الى هذا المنعطف او ذاك, من ارض اسبانيا.. يدخل معارك.. ويخوض غمرات ضد.. طواحين الهواء وقد صورها له خياله المهترىء في اهاب فرسان شجعان.. وعندما يلمح وجه امرأة تطل من نافذة.. يقف تحت الشباك يلقي ترانيم الشعر تمدحا في المادونا ــ ست القصر الرائعة الحسن المبجلة السيرة, الكلية الاحترام اما نحن.. القارئين فنعرف عن يقين ان صاحبتنا لم تكن لا مادونا ولا ست الحسن.. بل هي خادمة غلبانة.. تطل من شباك مطبخ تعيس وان اناملها ليست رقيقة ولا تجرحها ــ كما يقول الدون كيشوت هبات النسيم.. بل هي انامل غليظة تفوح منها روائح البصل لزوم الطبيخ وان الذي يزينها ليست اساور الذهب الابريز.. بل هي تمسك سكينا عنيفة لزوم التقشير.. انت اذن تقرأ دون كيشوت ــ وتضحك ولكن في مرارة.. وتضحك وانت تأسى على فوات العمر الجميل, انت ترسل الضحك كالبكاء كما قال المتنبي يوما.. او انت تجهش بالبكاء, كما عبر يوما ــ في بلاغة ــ صديقنا الكاتب الكبير كامل زهيري. ترى.. هل انتهينا من حكايات الشطار والعيارين في الزمن العربي القديم؟ لا نظن؟