كنت سعيداً وأنا اركب الطائرة متجها الى الكويت, فها هو مهرجان مسرحي, وأنا ــ مثل الكثيرين من اصدقائي ــ اعتبر المسرح ظاهرة حضارية هامة, وبالطبع هو ايضا ظاهرة ثقافية . وكان من زملائي في لجنة التحكيم السيدة نضال الأشقر (لبنان) التي اعرفها منذ اكثر من عشرين عاما, واتابع نشاطها في المسرح والتلفزيون, ولقد اتيحت لي الفرصة لاشاهد مسرحها في بيروت والذي اسمته (مسرح المدينة) وهو تجربة فريدة في عصرنا, ان يمتلك فنان المسرح مسرحا, كان يحدث هذا في زمن يوسف وهبي, اما الآن فالمسرح مؤسسة كبيرة التكاليف, لا يطيق امتلاكها فنان مهما بلغ ثراؤه. وكان زميلي الثاني المخرج الكبير المنصف السويس ( تونس ). وكنت قد تعرفت عليه في عام 1976 وكنت أحضر مهرجان دمشق لأول مرة, وكان ذلك بمسرحية (حفلة على الخازوق) التي اخرجها صقر الرشود. وهكذا ترى انني اعرف زميلي منذ وقت طويل. ومع ذلك فأنا اصارحك أنني لم اعرفهما الا في هذه الأيام المسرحية التي قضيناها في الكويت. فلقد اكتشفت جانبا آخر من نضال الأشقر هو حبها المدهش للمسرح, قد تجامل احيانا, وقد تسمح بآراء ما لاتوافق عليها, اما اذا اتى ذكر المسرح فهي وتر حاد يعزف ويهاجم ويدافع, وتصف نفسها دائما بانها (امرأة مسرح) وهو المقابل (لرجل المسرح) وهو ما تقصد به هؤلاء الذين انشأوا المسارح منذ شكسبير وموليير الى جورج ابيض ونجيب الريحاني. واكتشفت في المنصف السويس انه لايعيش على خشبة المسرح بعض الوقت او معظمه, بل يعيش عليه حياته كلها, ليس من منطلق شغفه بالمسرح فقط واهتمامه به, بل ايضا لتصوره انه الآن على خشبة المسرح. فأنت وأنا قد نمزح في موقع ما. اما هو فيرى ان هذا الموقف لايحتمل الا جدية المسرح. وأنت وأنا قد نرى هذا اللون جميلا: او قبيحا وان هذا الثوب لائق او غير لائق وان هذه الاضاءة خلابة او باهتة, اما هو فلايرى من كل ذلك وغيره الا مايناسب المسرح او ما لايناسبه. كنا نحن الثلاثة الذين اتينا من خارج الكويت للمشاركة في لجنة التحكيم, وكان معنا شيخة سنان وهي مهندسة ديكور واستاذة هذا الفن في معهد الفنون المسرحية, ووكيلة المعهد وكانت معظم الوقت صامتة, لكنها في مواقف الجد كانت قاطعة. الأمر الذي يثير دهشتك. اما زميلنا الاخير رئيس لجنة التحكيم فكان عبد العزيز السريع زميل صقر الرشود في رحلة مسرح الخليج العربي, واحد ابرز الوجوه الثقافية في العالم العربي اليوم لدوره الريادي في المسرح من ناحية, ولدوره الهام في رعاية الشعر المعاصر من ناحية اخرى. وانا اعرف الحركة المسرحية في الكويت جيدا, فلقد تابعتها منذ اواسط السبعينات حتى اليوم, وتوقعت ان ارى تراجعا عن المسرح الذي عرفته واحببته فالحركة المسرحية في الخليج, وايضا في الوطن العربي ــ تراجعت تراجعا ملحوظا, ولا احد يدعي ان الفترة التي نعيشها الآن هي فترة ذهبية في المسرح, بل ولابرونزية! ولكن مارأيته كان اكبر من تشاؤمي. اصابني اكتئاب شديد لأنني احب المسرح اكثر مما احب اي شيء آخر, احبه ساخنا ناجحا متألقا ولسوء حظي لم يكن ما رأيته ــ الا ماندر ــ عكس ذلك تماما. ولقد جعلني هذا مطاردا باسئلة تجول في عقلي ليل نهار, واجد عليها اجابات احيانا ولا اجد احيانا اكثر. تساءلت هل النجاحات السابقة للمسرح اصابته بالتعالي وربما الغرور, ألاحظ هذا حتى في النصوص فالكاتب يتناول عدة قضايا الواحدة تستغرق مئات المسرحيات, كما لو كانت المسرحية التي يكتبها هي آخر مسرحية تكتب, وعليه ان يعالج فيها كل القضايا وهذا بالطبع على حساب البناء الدرامي. تساءلت هل بدأ المسرح ونما وعبّر عن نفسه ثم ترهل كما يحدث للبشرة. بعض المسرحيات تحوي نجوما من الذين ستجد صورهم في غرف أبنائك, ومع ذلك فهؤلاء النجوم يتحركون بصعوبة وبلا مرونة, ويمثلون كأنهم مضطرون للتمثيل, كأنهم يحتمون بنجاحهم السابق. تساءلت هل تغير الجمهور, فلقد كان المسرح زمان, ــ وأنا من اهل زمان ــ لا يتخلف عنه المسؤولون ورحم الله خالد المسعود الذي لم تكن تفوته مسرحية, ولا انسى عندما كان وزيرا للكهرباء ــ على ما أذكر ــ وكيف اتصل بي تليفونيا ليتحدث معي في احدى المسرحيات وفي البداية لم اصدق انه يحدثني واعتقدت ان صديقا يدبر مقلبا. وخلال اثنتي عشرة مسرحية كان (البيجر) يدق بانتظام في جيوب المشاهدين, وكان التليفون الخلوي يدق ايضا. وكان المشاهدون يتحدثون في (الخلوي) وكأنهم في حديقة, وذلك اثناء العرض المسرحي, والممثلون مستغرقون في التمثيل, ومن ادوات التمثيل الهمس, فكيف يهمس الممثل, والمشاهد يهمس في التليفون, والله اعلم بما يهمس, فربما كان يقترح على زوجته طعام العشاء, وربما كان يبادل حبيبته النجوى, وربما كان يحكي المسرحية لصاحبه الذي تعذر عليه ان يحضر, او امتنع عن الحضور. اين هذا من جمهور زمان, واذكر ان احدهم قام ليذهب الى الحمام اثناء العرض, فنظر اليه المشاهدون جميعا مستاءين! وبعدها حدثت مناقشة طويلة داخل المسرح, انتهت بتعيين شخص يقف عند الباب فاذا تكرر ما حدث, وذهب شخص الى الحمام, يسيطر على الباب فلا يذهب ويجيء فيلفت نظر المشاهدين, هذا مع ملاحظة هامة هي ان الباب كان خلف المشاهدين! وقضيت عشرة ايام اطرح على نفسي هذه الاسئلة واحاول ان اجيب عنها, واصرخ في لا احد ان المسرح هو القشة الأخيرة التي يجب ان نتعلق بها. ليس من الزاوية الثقافية فحسب, بل من الزاوية السياسية أيضا. فالمسرح هو أقرب الاشكال البرلمانية لنا, أما التجربة البرلمانية بشكلها الغربي, فلقد أثبتت فشلا ذريعا في معظم البلاد العربية التي نقلتها, وحتى التجارب التي لا ينطبق عليها وصف الفشل الذريع, لا نستطيع ان نقول انها نجحت. وعندما عدت حدث ان كنت في جلسة تحدث فيها الاصدقاء عن لجان التحكيم وما يحدث فيها من صفقات وتجاوزات. وأعدت النظر فيما فعلنا, فأدهشني ان شيئا من ذلك لم يخطر على بالنا. ولكن لم يدهشني ان أحدا لم يتدخل من قريب أو من بعيد في أعمالنا, سواء قبل الانقلاب المسرحي الذي قمنا به في النتائج, أو بعده. في حين ان المسؤول عن المهرجان هو صديق قديم للجميع, وخالد عبدالطيف رمضان وهو أيضا كاتب مسرحي, وأعرفه منذ كنا نتردد على مسرح الخليج العربي. وكان هو عضوا في مسرح الخليج العربي وما زال. أما أنا فكنت صديقا, وتوّاً وأنا اكتب هذه السطور جاءتني فكرة عضوية مسرح الخليج العربي. وتساءلت عن السبب الذي لم يجلعني عضوا في هذا المسرح. ولو استمر حماسي هذا, سأتقدم بطلب لعضوية هذا المسرح, الذي حققت من خلاله الكتابة للمسرح لأول مرة. وكان المسؤول عن المسرح في المجلس الوطني الفنان الشهير محمد المنصور معنا طوال الوقت, فهو صديق قديم. ومع ذلك لم يتحدث معنا أبدا عما يحدث داخل لجنة التحكيم, ولو من باب الفضول. وبعد انتهاء التحكيم وقبل اعلان النتائج اتصل احد الصحفيين المخضرمين بالمنصف السويس يسأله عن النتائج ليسبق بها زملاءه الصحفيين. وغضب المنصف غضبا هائلا. فلما قابلت الصحفي المخضرم وهو ــ أيضا صديق قديم ــ قلت له ممازحا لأخفف عنه ما حدث: يا رجل كان أولى ان تتصل بي أنا لأخبرك! فنظر اليّ لائما, ولم يعلق. وانتهى المهرجان كما انتهى فيلم (سبارتاكوس) وقد مات البطل ومات رفاقه وفشلت الثورة, وأريقت الدماء, وعلقت الجثث على الصلبان. وفي فيلم (سبارتاكوس) حملت الام الهاربة وليدها ابن (سبارتاكوس) تريه اباه في لحظاته الاخيرة, لتعطينا الامل في ان الحقيقة والخير لا يموتان. وهكذا في النهاية رأينا عرضين مسرحيين لطلبة معهد الفنون المسرحية غاية في الروعة والجمال يذكراننا بالايام الخوالي فقمنا بالانقلاب الذي اشرت اليه منذ لحظات, واعطينا معظم الجوائز للطلبة. انهم امل المستقبل ووالله يستحقون!