سقطت في يدي ورقة قديمة تعود للعام 1986 كنت قد احتفظت بها وخبأتها وسط أوراق وملفات قديمة, إلا ان الصدفة وحدها أظهرتها في توقيت حمل لديّ أسئلة وأثار أخرى, فقد تعودت أن أقوم بترتيب أشيائي وأوراقي الخاصة بين فترة وأخرى حتى لا تتراكم فلا أعرف كيفية الحصول على ما أريد, ورغم ذلك كانت هناك مفقودات دائمة . قد تتساءلون عن سر تلك الورقة وعن الأسئلة التي توالدت بعد حصولي عليها, فأشير إلى ان الورقة كانت عبارة عن مسودة ليوم مشهود من أيام حياتي ما زال محفورا في ذاكرتي, والصدفة وحدها هي التي جعلت علامات الاستفهام تتزاحم عليّ من حيث لا أدري, فقد طالعتنا وكالات الأنباء في السابع والعشرين من شهر ابريل الماضي بخبر عن ركاب طائرة الخطوط الجوية البريطانية الذين عايشوا الموت جوا لمدة خمس عشرة دقيقة, عندما انطلق عن طريق الخطأ تحذير أمني مسجل ليعلن لهم بعد ثلاث ساعات من الطيران ان الطائرة على وشك ان تتحطم في مياه المحيط. هذا الموقف الصعب والمثير الذي عصف بثلاثمائة وواحد وتسعين راكبا وجعلهم في حالة هيستيرية يصعب وصفها, كان هو نفس الموقف الذي تعرضت له وغيري من ركاب احدى الطائرات الأوروبية والتي كانت وجهتها الأراضي الجزائرية وذلك قبل ما يربو على ثلاثة عشر عاما, والمثير ان الصدفة أظهرت تلك المسودة الورقية في نفس يوم قراءتي لخبر الطائرة البريطانية, ولا أدري حتى الآن سر عثوري على تلك الورقة في هذا اليوم بالذات! وحتى لا تزدحم في وجهي علامات الاستفهام والتعجب أتركها جانبا وأبدأ بحكايتي مع ذاك اليوم المحفور في أعماق الذاكرة. كان الحدث هو اجتماع اتحاد الكتاب الفلسطينيين في العاصمة الجزائرية العام 1986, وكنت واثنان من الزملاء من بين المدعوين لحضور ذاك الاجتماع كمراقبين, حيث أعلن ان الاجتماع المشار إليه ستحضره كافة النخب الثقافية والسياسية, لذلك كان الحدث يستحق المعاينة والمشاهدة والحضور. بدأت الرحلة من دبي إلى العاصمة الفرنسية باريس, ولتستكمل من هناك إلى الجزائر , وقد بدت محطة باريس مثيرة إذ التقينا بأغلب الشخصيات في قاعة الانتظار بمطار شارل ديجول فقد ألتم الشامي على المغربي وهو عكس ما يشير إليه المثل الدارج. بعد ساعات من الانتظار في المطار أعلن المذيع الداخلي للمسافرين بضرورة التوجه للبوابة الخامسة عشرة, ومنها ودعنا مطار شارل ديجول متوجهين إلى الطائرة, ومن ثم إلى وجهتنا الحقيقية ألا وهي الجزائر. كانت الطائرة الايرباص تضج بالمسافرين الذين توافدوا لحضور ذاك الحدث المهم, والذي يعتبر من مفاصل التغيير في اتحاد الكتاب الفلسطينيين حيث من المقرر ان تحضره كل الفصائل على اختلافها, وهذا ما حدث فعلا. كان الجو في الطائرة عبارة عن أصبوحة شعرية متواترة ومتجاذبة, أول لنقل بشكل أكثر قربا عبارة عن حوارية شارك فيها أغلب المسافرين الذين يمثلون طبقة الشعراء والأدباء والمثقفين, فهناك في مقدمة كراسي الدرجة السياحية تحلقت مجموعة تتجاذب أطراف الحديث, وفي الوسط وقف أحد كبار الشخصيات ينثر اطراءً رقيقا على فتاة في سن بناته, بينما تواصل الهمس هنا وهناك, الكل أصبح مشغولا بالحوار الجانبي الذي يصل أحيانا إلى طريق مسدود, إلا ان أحدا لم يتصور ان تصل تلك الحوارات إلى حدوث أزمة حقيقية في تلك الطائرة الآمنة في حد تصوري. على الكرسي الذي يسبقنا مباشرة جلست احدى الأديبات المرموقات على مستوى الخليج وجلس إلى جانبها بالاضافة إلى زوجها أحد المسافرين المدعوين إلى حضور الاجتماع, كان الحوار هامسا وهادئا عندما انسل الزوج تاركا ذاك الحوار المتبادل بين زوجته والمسافر الجالس معهما, إلا ان ذلك الحوار الهادئ ما لبث ان أصبح بركانا زلزل ركاب الطائرة جميعا, فقد ارتفع صوت الأديبة الزوجة والمسافر الذي كانت تتجاذب معه أطراف الحديث, وتطور الأمر بشكل سريع ومثير, بعد ان هدد ذاك المسافر الهادئ الذي تواصل صراخه وأصبح وحشا مهووسا, هدد بنسف الطائرة ومن فيها مشيرا إلى انه يحمل قنبلة. هنا صرخ الجميع بهيستيرية ونحن معهم على ايقاف هذا الجنون الذي يكاد يعصف بنا, وما هي إلا ثوان حتى رأينا صاحبنا محاصرا برجال أمن الطائرة, فهدأت العاصفة وسكنت الطمأنينة القلوب بعد ان شل الفزع أغلب المسافرين. المهم ان مثل تلك المواقف المثيرة تظل محفورة في الذاكرة وكامنة ولا تستثار إلا بوقوع حادثة ما لطائرة, رغم تأكيدات الخبراء ان الطائرة لا تزال هي الأكثر أمانا في وسائل المواصلات. ولأن لكل شيء بداية حتى الكوارث المحزنة, فإن أول فاجعة للطيران حدثت منذ أكثر من مائة وستين عاما, أي في 15 يونيو من عام 1784 وكان ضحيتها أول رجلين في الطيران الفرنسي بيلاتز ورومان, وكانا يستعدان لعبور المانش في بالون طائر. المثير في حكاية الطيران ان نصيب ضحايا الطيران من الصحفيين كما أشارت الاحصائيات يأتي في المقدمة, ثم يأتي بعد ذلك نجوم السينما, ويبدو ان الحظ يريد ان يتخلى عن ابناء المهنة في كل شيء, فبينما يرث الناس المحظوظون ملايين, بل مليارات الدراهم يرث الصحفي البلاء والفقر والأمراض المزمنة كالقلب والضغط والسكري, ولم يرد الحظ التعس ان يتخلى عنه فأعطاه المقدمة في كوارث الطائرات, وكأنه لم يجد شيئا له أفضل من ذلك, فالمنحوس منحوس ولو علقوا في رقبته فانوس!