هاتف من الشارقة يقدم لنا في (البيان) سيدة ألمانية, ويقترح عمل حوار معها, فهي تحمل ذكريات وصوراً من هذا البلد . كان ذلك قبل عامين, وكان بداية التعارف بالسيدة بيترا .. في حديثها لا تحمل بيترا ذكريات عميقة عن هذه الأرض, لكنها تحرص على ابداء حبها الخالص لها, فوالدها يرقد هنا منذ أكثر من ثلاثين عاما, وانها وجدت في هذا البلد شعبا طيبا مضيافا يفرض حبه على الغير, وان معاملة الناس هنا لها حببتها في الإسلام وهي المسيحية المتمسكة بديانتها, أرسلت لي مرة مقالة كتبها شخص متعصب في صحيفة ألمانية يهاجم فيها الاسلام والمسلمين, وأرفقت ردها عليه, مكذبة افتراءاته, وحقده على هذا الدين. رد بيترا, كأن كاتبه مسلم غيور, حرص ان يرد, وان يجادل بالتي هي أحسن. فاتحتها بعد الحوار الذي أجريناه معها, في ان نقدم عملا لهذا الوطن الذي يشغلها هي ايضا, وتحرص ان تزوره مرات عدة في العام الواحد, يتمثل هذا العمل في تقديم ألبوم مطبوع يحمل الصور التاريخية التي التقطها والدها آنذاك, والتي تحتفظ بها. رحبت بالفكرة, وأبدت سعادة بالغة, ان تقدم شيئًا لهذا الوطن ولذكرى والدها, الا ان الصور التي تحتفظ بها على كثرتها متشابهة, والتقطت في مناطق محددة من مدينة الشارقة .. أوضحت لها ضرورة البحث عن لقطات أخرى في أماكن ومدن أكثر, ليخرج الألبوم متنوعاً وأكثر شمولية. حماسها للمشروع دفعها الى التفكير في اصدقاء والدها الذين عايشوه, وعاشوا معه في هذه المنطقة أو ورثتهم. كنت أتلقى منها بمعدل رسالة كل أسبوعين, تبعثها من مناطق مختلفة في أوروبا, مرة من لندن, ومرة من فيينا, ومرات من ألمانيا, وفي كل رسالة كانت تبشرني بأنها حصلت على مجموعة من الصور أو سمعت عن صديق لوالدها يحتفظ بمجموعة, وانها في الطريق له, وهكذا للعام الثاني على التوالي, لا يمر الشهر الا وأجد طرداً بريدياً يحمل صوراً بالأبيض والأسود, أو سلايدات أو بطاقة تهنئة نادرة, أو طوابع بريد قديمة, واعرف انها من بيترا دون أن أفتحها, مجرد ان أقلب المظروف أجد عليه ملصقاً يحمل علم دولة الامارات وتحته عبارة (أنا أحب الشارقة). وعلى غير الصورة التي نرسمها للأوروبي, فان السيدة بيترا لم تتحدث عن حجم مكسبها المادي من مشروع الألبوم المطبوع, الحاحها كان في ضرورة أن ينشر بالكتاب صورة والدها ووالدتها وهي معهما. هذا التعب والبحث المتواصل والمتابعة المستمرة من أجل والدها وتعبيراً عن حبها لهذا الوطن, كلمتني أكثر من مرة عن والدها, ومدى تعلقه بهذه الارض التي مات عليها ودفن فيها, الا انه من غير المتوقع أن يكون حديث ابنة تحب والدها غير ذلك, مهما بالغت في وصفه, فلانها تحبه, ولأنه أكبر من الوصف عندها. ذات مرة زودتني بعدد قديم من مجلة (العربي) وأشارت ان اقرأ استطلاعاً عن الشارقة, ووضعت سهما على صورة سيدة كبيرة بجانبها فتاة, تقفان على شاهد قبر, يقول شرح الصورة: نورما وبيترا بجوار قبر الزوج والأب, انه المهندس الألماني برنار الذي عشق الشارقة وأهلها, فأوصى ان يدفن في ثراها, ويكفن بعلمها, ان قبره لا يخلو ابدا من زهور يضعها فوقه الأهالي تمجيداً لرجل عمل في تشييد مينائهم وعشق ارضهم الطيبة. وفي الفقرة التي تخص مشروع بناء ميناء الشارقة, كتب سليم زبال المحرر الذي أجرى الاستطلاع: بينما كان العمل يسير بحماس زائد في بناء الرصيف أصيب المهندس الألماني برنار, وهو المسؤول عن الميناء بأزمة قلبية حادة فهمس لزوجته: اريد أن أدفن في الشارقة وليكن كفني زي عربي وعلم الشارقة مع علم بلادي, ويوم الجنازة أقفلت جميع متاجر الشارقة, وسار الناس خلف جثمانه على الأقدام وفي السيارات في موكب طويل, امتد من المطار حتى المقابر) .