الحرية شرط اساسي للابداع فالاديب لايكون منتجا في مناخ القهر والتسليط والاستبداد وقد كفل الاسلام الحق في الحرية لكل انسان, الحرية في التعبير والكلام والحرية في النقد وابداء الرأي لكن الحرية في الاسلام مقيدة بعدم الخروج عن تعاليم الدين او الدعوة الى الانحلال والاباحية وكشف العورات او التمرد على القيم والتقاليد التي يؤمن بها الناس . واذا كانت هناك تيارات تسمي نفسها تيارات ادبية تقوم على الالحاد ورفض التراث والتمرد على الحاضر وعلى القيم والتقاليد مثل الحداثة واذا كانب بعض الادباء يستخدمون بعض الجمل والعبارات الفاضحة والتي تخدش الحياء بحجة ان اهدافهم نبيلة فإن الاسلام يرفض ذلك كله لان هناك قواعد ومبادىء يجب ان يلتزم بها الاديب المسلم وينبغي توافرها حتى يكون الادب او الفن جميلا. التحقيق التالي يناقش مع العلماء والادباء والنقّاد قضية حرية الابداع من منظور اسلامي. يؤكد الدكتور زكي محمد ابو سريع, الاستاذ بكلية الدراسات الاسلامية والعربية بجامعة الازهر ان الحرية كلمة مطاطة يفسرها كل فريق وفق هواه ورؤيته موضحا ان الحرية الحقيقية ينبغي ان تكون في حدود الاطار الاسلامي. ويرى ان الذين يتطاولون على الدين من منطلق الحرية لايمارسون الحرية وانما يريدون فرض الهمجية والتحلل الاخلاقي على الناس مشيرا الى ان الاسلام لايجبر احدا على الدخول فيه وكون الانسان اختار الاسلام دينا سواء كان ذلك بالاقتناع او بالوراثة فإنه مطالب بالالتزام بآدابه وحدوده وما يشتمل عليه من حقوق وواجبات لكن المؤسف ان بعض الناس يأخذون شعار الحرية ويسيئون الى الدين والى الاخرين والى انفسهم. مدارس فكرية ويشير الى انه كانت هناك آراء ومدارس فكرية متعددة انتشرت في العالم الاسلامي كله وكان منها مايمس العقيدة الاسلامية وكان منها ايضا مايخالف الحقائق الاسلامية ومع ذلك فلم تكن هناك سلطة دينية او سياسية تحظر هذه الآراء او تحكم على اصحابها بالاعدام او الحرق, بل كان علماء الشريعة يتصدون للرد عليها وبيان زيفها وبطلانها بالحجة والبرهان. ويضيف: ان ميدان النقاش كان في الكتب والحلقات والمجالس العلمية فحسب ولم يكن بالسيف او السجن ولم يحدث ان تدخلت الدولة ضد الآراء التي تهاجم الاسلام والتي تخالف تعاليمه الا عندما ترى الدولة ان من وراء هذه الاراء مآرب سياسية تعرض كيانها للخطر. ويوضح ان الاسلام كفل حرية النقد الاجتماعي لكل من تؤهله كفاءته وعلمه للنقد في اطار ما يسمي بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فالحكم الشرعي ان من رأى منكرا فعليه ان ينكره بيده او بلسانه او بقلبه بشرط الا يؤدي ذلك الى منكر اشد. ويؤكد ان للادباء والمبدعين الحرية في التعبير عن افكارهم لكن ليس معنى ذلك ان يتحرر هؤلاء من كل القيود الاخلاقية لان هذه ليست حرية وانما فوضى مشيرا الى ضرورة وجود من يدافع عن الدين ضد المتطاولين حتى لايكون الدين كلا مستباحا يناله من يحسن القول ومن لايحسنه ومن المأثورات عن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (ان الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن) اي ان الحزم الديني والتصدي للباطل والمبطلين سوف يضع حدا فاصلا بين من يريد التنعم بآثار الحرية الحقيقية وبين من يهيمون على وجوههم بلا عقل ولارشد في التفكر, وقد صدق القرآن الكريم حيث ققال عن امثالهم: (ان هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل) . حدود الابداع ويرى الدكتور زكي ابو سريع ان للابداع حدودا وضوابط ينبغي ان يلتزم بها الاديب او المبدع المسلم واهم هذه الضوابط تتمثل في ان تكون عقيدته بالله صحيحة فالعقيدة الصحيحة تحول بين صاحبها وبين الوقوع فيما لاينبغي الوقوع فيه. الا يبالغ في الخيال حتى لاتصبح الحقائق في نظر الكثيرين اوهاما. مراعاة حرمات الاخرين فلاينال الاديب من انسان تحت مسمى الحرية ان يكون عالما بالحلال والحرام حتى لايخرج نتاجه الادبي عن اطار الاسلام. ان يراعي ان كلمته سوف تنتشر في الآفاق فإما ان تصلح الامة بما كتب واما ان تتردى الى هوة عميقة لايعلم مداها الا الله وكما يحب الاديب ان يكون ابناؤه اسوياء فعليه ان يراعي ابناء الاخرين والا يكون سببا في افسادهم من قريب او بعيد. الحسبة ويؤكد الدكتور احمد عبدالرحمن استاذ الفلسفة الاسلامية ان الابداع له حدود ينبغي ان يقف عندها مشيرا الي ان كل المجتمعات لها قيم تقدسها وتحترمها ولاتبيح لأحد المساس بها. ويضيف في انجلترا لايجوز اهانة المسيحية او اليهودية وفي باريس عندما عرض فيلم في احدى دور السينما يهاجم المسيح قام بعض المسيحيين بتحطيم السينما. ويرى ان مايقال ضد الاسلام ليس من الابداع لأن من اراد الابداع فليبدع في الهندسة والطب والعلوم والصناعات اما التطاول على القرآن والسنة النبوية فليس من الابداع مشيرا الى ان الادب الذي يدعو الى التحرر من القيم ويزين الفواحش والرذائل امام الشباب لايعد ابداعا وانما هو تحطيم للاخلاق وانتهاك للاعراض وقذف للمؤمنين والمؤمنات. ويتساءل هل اشاعة الفاحشة وترويج المخدرات يحقق لنا ما نصبو اليه من تقدم وتنمية؟ ويستطرد اننا في ذلك مقلدون للغرب وافكاره, ويؤكد ان المجتمع الاسلامي اوجد مايعرف بالحسبة لمقاومة الانحرافات والافكار والهدامة, مشيرا الى ضرورة استخدامها لقمع كل خارج عن قيم الدين وتعاليمه. الالتزام وتؤكد الشاعرة الاسلامية علية الجعار ان عددا كبيرا من الادباء للأسف يخرجون عن الالتزام الديني وينتهكون المعايير والمفاهيم الدينية وهؤلاء يجدون لهم انصارا وتدعمهم بالاموال جهات عديدة. وتشير الى ان مسلسل الاعتداء والهجوم على الاسلام لايؤديه مؤدون من الخارج وانما هؤلاء موجودون في داخل بلادنا وهم معرفون لنا جيدا والعجيب انهم يتضايقون حينما تصادر اعمالهم. وترى ان الالتزام بتعاليم الدين وبقيم وتقاليد المجتع ليس معناه تقييد الحرية او الوقوف في مواجهة الابداع اوالتجديد والابتكار مشيرة الى ان هذا الالتزام يجب ان يكون نابعا من داخل الاديب من ناحية وان تكون هناك معايير ورقابة يخضع لها الجميع من ناحية اخرى. وتؤكد ان وجود رقابة على الاعمال الادبية والفكرية مسألة ضرورية لان الوسائل وعلى المستويات الثقافية والاعلامية والسياسية وحتى اللغة العربية لغة القرآن الكريم تحارب بشراسة وتشوه حتى ينقطع المسلمون عن جذورهم وحتى لاتستطيع الاجيال الجديدة قراءة القرآن والكتب الاسلامية. وتشير الى ان الحرية ليست شرطا للابداع وان كل انسان يعيش في هذا العالم لابد ان يكون مقيدا ببعض القيود المجتمعية والدينية والفكرية فعلى سبيل المثال لايستطيع المسلم ان يصلي كيف يشاء وانما هناك طريقة محددة يجب ان يلتزم بها وكذلك في الملابس وفي الطعام وغير ذلك من العادات. وتضيف ان لكل مجتمع قواعد وقيم وتقاليد يلتزم بها وبالطبع هذه تمثل قيدا على الانسان وهذا امر طبيعي لانه لاتوجد حرية مطلقة موضحة ان هذه القيود هي حماية لنا من انفسنا حتى لانشذ. وترى ان الابداع يجب ان يكون في اطار ما فرضه الدين فعلى الاديب ان يحترم مبادىء الاسلام ثم ليبدع بعد ذلك كما يشاء, وتتساءل: هل الإبداع يكون في التهجم على الاسلام وانتهاك حدوده وخدش حياء النساء وتتبع العورات وكشف ما أمر الله بستره؟ وتجيب: بالتأكيد مثل هذه الأعمال التي تفعل ذلك ليست من الادب وانما تدخل في نطاق ما يسمى: (قلة الأدب) . وتضيف إذا كان هدف الأديب نبيلاً فلابد أن يكون التناول نبيلاً ايضاً فهناك أدب راق وأدب مسف, وإذا كنا نتحدث عن قيم الخير والحق والجمال فهذه معان سامية يجب أن يدافع عنها الأديب في عمل راق مهذب وإلا فما الذي نستفيده حينما نقرأ قصيدة تستهزىء بالله ــ سبحانه وتعالى ــ أو برسوله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أو تحقر القيم والدين. وتقول انني أصاب بالتقزز والإشمئزاز حينما أقرأ مثل هذه الاعمال وللأسف هناك دواوين كاملة تدور حول هذا المعنى. المناقشة والحوار ويشير الدكتور علي صبح استاذ الادب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الى أن الحرية شرط للإبداع دون شك موضحاً ضرورة توافر مناخ من الحرية حتى يستطيع الأديب أن يعبر عن مشاعره شعراً أو نثراً. ويؤكد انه يعارض فرض رقابة على الأعمال الأدبية أو على الأدباء مشيرا الى ضرورة مواجهة الفكر بالفكر وإخضاع كل ما يخالف الدين والقيم للمناقشة والحوار وفي النهاية لن يبقى إلا الصحيح مصداقا لقول الله تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) . ويضيف أن هناك تيارات أدبية يجب محاربتها والوقوف في وجهها مثل الحداثة لأن الحداثة تنادي بأفكار ومبادىء لا يقبلها أي مجتمع عربي أو اسلامي ومن أهم هذه المبادىء القطيعة المعرفية الكاملة مع تراث الماضي والتمرد على الحاضر بكل أشكاله ليس فقط في النواحي الأدبية بل في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية أيضا, هذا بالاضافة الى الإلحاد الكامل وعدم الاعتراف بوجود إله غير الإنسان وعدم الخضوع للمنطق بأية صورة من الصور والاعتماد على الخواطر الباطنية للإنسان في التعبير عن رؤيته بجانب عدم وجود قاعدة أو مبدأ لتيار الحداثة وإنما هو يقوم على الغموض وعدم الوضوح ويرى أن الحداثة تدعو الى الفوضى وعدم العقلانية والانعزال الكامل بين المبدع والمتلقي ولذلك حوربت وهوجمت في أوروبا ووصفها النقّاد بأنها حركة هدّامة تقوم على الفوضى والجنون وأكدوا انها حركة شيطانية ويؤكد أن مثل هذا التيار واجب على كل إنسان محاربته بكل الوسائل لانه تيار دخيل على الأدب يهدف الى تقويض المجتمع وهدم القيم وتعاليم الدين. ويقول الدكتور خلف محمد مدير قسم البحوث بأوقاف دبي: أن الشريعة الاسلامية حثّت على التسابق والمسارعة في كل ما يفيد الأمة ويقويها ويجعلها في مقدمة ركب الأمم وللأدب مكانة مرموقة في ديننا الحنيف يبين ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ان من البيان لسحراً وان من الشعر لحكمة, وكان حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم له مكانته وعندما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابداع كعب بن زهير في قصيدته الرائعة خلع عليه بردته. اذن فالأدب مرآة المجتمع وصورته الحية والابداع ومخاطبة أبناء العصر بلغة العصر أمر محمود ما دام ضمن اطار الاسلام غير خارج على الآداب الاسلامية والأخلاق العامة فهو كما قيل عن الشعر (حسنه حسن وقبيحه قبيح) . ويقع على عاتق أدبائنا سواء الشعراء وكتّاب القصة والمسرح مسؤولية كبرى في محض مضامين أعمالهم عرضا رفيع المستوى يعالج القضايا المهمة في واقعنا المعاصر ويترافع عن سفاسف الأمور والانحطاط. ونحن في عصر الاعلام الذي يفتح المجال واسعا للابداع الأدبي علينا أن نكون على مستوى الأهداف والغايات لمجتمعنا العربي والاسلامي, وفي عصرنا نماذج حية أعطت صورة طيبة عن الادب الاسلامي عرضا وابداعا مثل ابداعات الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي ولذا ندعو الأدباء الى استعمال موهبتهم الاستخدام الأمثل لأن بعضهم يظنون ان الابداع هو الخروج عن المألوف أو التقليد الأعمى أو ما يسمى بالأدب المكشوف أو الأدب المعاصر لذا فإننا نرى أدبا خارجا عن المبادىء الاسلامية والأخلاق الفاضلة والأفلام الخليعة. وهناك دعوة لأدبائنا للالتزام بضوابط الاسلام والكتابة في اطار اظهار القيم الفاضلة وعدم تشويه التاريخ الاسلامي والشخصيات الاسلامية والتنفير من التقليد الأعمى. القاهرة ــ مكتب البيان