(عبيد بن كنيش الهاملي) .. مثال للمواطن الاماراتي العصامي المكافح منذ الصغر ووصولا الى درجة كبار رجال الأعمال, مثال للذكاء والالمعية وحدة الذهن, رغم انه لم يتعلم في المدارس, فمنذ التاسعة من عمره تقلب في العناء وكارات العمل متدرجا من عامل صغير السن حتى صار واحدا ممن يشار اليهم بالبنان في منطقة الخليج . عبيد بن كنيش الهاملي واحد من أشهر الدلالين والعارفين بطرق ومسالك الصحراء من مسقط الى تبوك, انسان منحه الله من الذكاء وحدة الذهن والذاكرة درجة تجعله يتذكر تفاصيل أي مكان مشى فيه مرة واحدة بعد ثلاثين سنة سواء في الليل أو النهار, وهذه الملكة العجيبة فيه هي التي منحته هذه الدرجة والمكانة التي هو فيها الآن بين رجال الأعمال في الامارات. كان الانجليز أول من اكتشفوا فيه هذه الملكة الخارقة التي فتحت عليه باب الرزق الواسع. هنا يروي لنا عبيد بن كنيش الهاملي قصة كفاحه من ألفها الى يائها ومن بابها الى محرابها.. بداية نقول ان عبيد بن كنيش الهاملي من مواليد ليوا سنة ,1943 يروي لنا عن أيام طفولته في ليوا التي يعشقها عشقا جما ولا يمارس سياحته الصيفية الا فيها, ويعرف مساكلها ودروبها كما يعرف يده. يقول عبيد بن كنيش: لم تكن ليوا في ذلك الوقت سوى صحراء وصحراء وصحراء, وكان الرجال كثيرا ما يرحلون منها ليمارسوا مهنة الغوص في أبوظبي وجزيرة دلما التي كانت عاصمة الغوص في أبوظبي آنذاك, وأذكر انني عندما كان سني تسع سنوات ان والدي أخذني معه مبكرا لأتعلم مهنة الغوص, فقد كان الآباء آنذاك يعلّمون أولادهم هبة الريح, ولا يجعلونهم كسالى, أو يرقدون. وأذكر عندما ذهبت مع الغواويص كنت أجهز لهم الشاي والقهوة, مرة واحدة ذهبت فيها, وبعد ذلك ذهبت لأعمل في الصدر عاملا في احدى الشركات, ثم كان أمامي ان أعمل صباغا في طريف التي كانت آنذاك آخر حدود العمار والتي كان يعيش بها أهلنا من العربان, لكنني لم أعشق هذه المهنة فتركتها واشتغلت عاملا في شركة الـ (ايه.دي.بي.سي) , كنت اشتغل مع شخص انجليزي, وكنت أعرف طرق الصحراء معرفة جيدة, وفي مرة من المرات ضاع أحد الاشخاص, فركبت مع هذا الانجليزي وظللت أدله في الطرق الصحراوية الى ان عثرنا على الشخص الضائع, فامتدحني الانجليز ي هذا أمام المدير, فلما أصبح الصبح وذهبت للعمل طلب مني المدير ان ارجع, فظننت انه سينهي خدماتي, فجمعت حاجياتي واستعديت للرحيل, في ذلك الوقت جاء المدير واخبرني انني لن أعمل عاملا بعد اليوم, وإنما عليّ ان أتعلم قيادة السيارات, فدربني أحد الانجليز على قيادة سيارة جيب كانت صغيرة وتشبه سيارة السوزوكي في ايامنا هذه, وبالفعل تعلمت قيادة السيارات في خمسة ايام واتقنتها فارتفع راتبي من 75 روبية هي راتب العامل انذاك في شركة التنقيب عن البترول هذه الى 105 دراهم, وظللت اشتغل معهم ونجوب الصحراء في ابوظبي للتنقيب عن البترول طوال تسع سنوات من عام 1951 وحتى 1960, وعملت لهذه الشركة الانجليزية سائقا ودليلا في الصحراء المترامية, ثم انني كنت اخرج لهم السيارات التي تغرز في الرمال بنعمة من الله وبفكرة هداني الله اليها ولم يهتد اليها الانجليز. * كيف.. لابد ان في الامر سالفة طريفة لابد؟ ــ مرة من المرات اخذت السيارة الجيب وقلت ازور جماعة اصدقاء لي, واشرب معهم القهوة, ولما وصلت اليهم غرزت سيارتي الجيب في الرمل, قلت مشكلة, سيأتي الانجليز الآن ويقولون لي تركت العمل وتتسامر مع اصدقائك, وربما يستغنون عنى او على الاقل يخصمون من راتبي, فقلت اجعل السيارة تبنشر افضل, فبدأت بتفريغ الهواء من اطارات السيارة, فإذا بها تخرج من الرمال وتعلو, فاكتشفت بهذا سر ما نسميه نحن بـ (التنسيخ) وصار الانجليز كلما غرزت لهم سيارة في الرمال طلبوني لاخرجها, فاطلب منهم ان يبتعدوا ويتركوني مع السيارة وحدى, فافرغ قليلا من هواء اطاراتها فتخرج من الرمل, ولم ابح السر لاحد ابدا من الانجليز او غيرهم, وهكذا صار الانجليز لايستطيعون الاستغناء عني, اولا لانني دليل ممتاز لهم في الصحراء, ثانيا لانني اول سائق اماراتي في ابوظبي, وثالثا لانني خبير اخراج السيارات الغارزه في الرمال, الى ان كان يوم اصر احد هؤلاء الانجليز على ان يبقى معي ويعرف كيف اخرج السيارة من الرمل, فعرف السر وبدأ الانجليز بهذا الشكل يخرجون سياراتهم من الرمال. * ماهي حدود معارفك كدليل متميز في الصحراء العربية؟ ــ انا دليل يعرف كثيرا الربع الخالي, واي مكان تطأه قدمى مرة لا يمكن ان انساه, واستدل على الاماكن في اي وقت, في المساء او الليل. يؤكد لي ابنه ومدير اعماله بطي بن عبيد الهاملي انهما كانا في الطريق الى السعودية, عندما وقف والده ــ بالسيارة وطلب منه ان يمشي مسافة معينة على قدميه, فسيجد عزبة مندثرة وآثار علب معلبات عتيقة رآها عندما مر من هذا المكان منذ ثلاثين سنة, ففعل, وبالفعل شاهد ما وصفه له والده بالتفصيل). ويؤكد لي (عبيد الهاملي) : لو قلعت شجرة من مكان مررت به من عشرات السنين فإن هذا لايفوت علي) . ويحكي لنا حادثة طائرة نجا منها فيقول: في عام 1954 حضرت مع بعض خبراء هذه الشركة الانجليزية الى مدينة زايد التي لم تكن قد انشئت بعد, وكانت كلها صحراء, كنا آتين من ليوا بالطائرة الى طريف وكنا نشرب قهوتنا, وسنرحل الى طريف بالطائرة فاحترقت بنا الطائرة على الارض لحسن الحظ, قفزت من الطائرة مصابا في وجهي ورأسي, واصيب من كانوا معي بالطائرة انجليز ومواطنون, ومع ذلك نقلت مصابين بالسيارة من ليوا الى طريف فلم تكن هناك اي وسائل اتصال بين المكانين انذاك, فقد كانت الشركة الانجليزية تنقب عن البترول في الصحراء, وكنا نقيم في خيام حيث لا ماء ولا اي شيء في هذه المدينة التي عمرها زايد اطال الله عمره. وعندما وصلنا الى طريف نقل الانجليز الى لندن, اما انا فنقلت ومعي البعض للعلاج في البحرين حيث ظللت اعالج هناك ثلاثة أشهر كاملة. ويكمل (عبيد الهاملي) في عام 1960 ذهبت مع خبير امريكي في البترول لشراء سيارات من عند عبدالرحمن الزياني في أبوظبي, دار حوار بين الزياني والخبير الامريكي قال فيه هذا الاخير ان الامريكان والانجليز بدوني لا يعرفون شيئاً في البر وبأنني سائق ودليل ممتاز, فعرض علي عبدالرحمن الزياني ان اشتري منه سيارة, كان ثمن السيارة آنذاك عشرة آلاف روبية, ولم يكن معي سوى اربعة آلاف روبية, فاشتريت منه السيارة وسقتها لحسابي بدون ارقام او ليسن ــ رخصة سوق ــ وسرت بها من أبوظبي الى طريف, وكان هناك جماعة آتين من قطر ويريدون الذهاب الى ليوا فوصلتهم وفتحت الخط بسيارتي الجيب هذه من طريف الى ليوا, وبدأت انقل الناس الى الاماكن المختلفة نظير 15 روبية للشخص الواحد, او نظير 250 روبية للاسرة كاملة, وهكذا استطعت ان اسدد الستة آلاف روبية التي كانت دينا علي لعبدالرحمن الزياني في خمسة اشهر والحمد لله, وبدأت اشتري المزيد من السيارات, وبدأ اسطول نقلياتي من هذا الوقت يتكون بحمد الله, واذكر انني في اواسط الستينات حصلت على اول رخصة قيادة في تاريخ الامارات ــ ليسن ــ والآن والحمد لله عندي حوالي 45 سيارة كنور امريكية, هذه التي يصل ثمن الواحدة منها الى حوالي مليوني, كان ثمنها في الستينات عندما اشتريت اول واحدة منها حوالي 60 او 70 الف روبية, اشتغلت بسياراتي مع شركات البترول وفي شركات الدخان, وشاركت في المشروعات الحكومية وبدأت اعمالي بفضل الله تزيد وتتوسع, والحمد لله الآن معظم اعمالي في أبوظبي والمنطقة الغربية وبعضها في السعودية. * بصفتك اول شخص حصل على رخصة قيادة سيارات ــ ليسن ــ في الامارات بماذا تنصح الشباب فيما يختص بقيادة السيارات؟ ــ بالفعل اول ما صدر ليسن في الامارات صدر لي في أبوظبي في الستينات, وركبت جميع أنواع السيارات من الصغيرة الى الكبيرة جداً, وطوال حياتي في السياقة لم يحدث لي سوى حادث واحد, اذكر اننا كنا خارجين بالسيارة من ليوا, فاشعلنا ضوءها فدهمتنا ناقة كادت ان تحدث لنا كارثة, من يوم ان قدت سيارة وحتى الآن لم اقود سيارة على سرعة اكثر من 120 كيلومتار لذا انصح الشباب بالتريث وعدم التهور في قيادة السيارات. * هل تخرج بسيارتك للسياحة في الخليج. ــ زرت البحرين وعمان والسعودية, وغير هذه البلاد لم اذهب للسياحة في اي مكان, امارس السياحة في بلادي الامارات, خاصة في ليوا ودبي, حتى في الحر الشديد اذهب الى ليوا, وعلى فكرة انا لم انم (نومة القايلة) في حياتي ابداً, فالحمد لله انا رجل دائم النشاط, اصحو في الرابعة والنصف فجراً وانام في الحادية عشرة مساء, ولا اشاهد سوى الاخبار من برامج التلفزيون. وعن تأمين احتياجاتهم ومستلزماتهم الحياتية يقول انهم كانوا يقومون بتأمينها لمدة ستة أشهر ويجلبونها من أبوظبي أو جزيرة دلما وهي الأماكن التي كانت معروفة لديهم في ذلك الوقت والذائعة الصيت وأضاف بأن جزيرة دلما كانت تعد قديما مركزا لتجارة اللؤلؤ وتجمعا للغواصين والقوافل البحرية التجارية بين الهند ودول الخليج. وأضاف بأن موادهم التموينية كانت تتركز في العيش والتمر. وعن طرق ووسائل العلاج التي كانت سائدة في تلك الفترة يؤكد الوالد عبيد انه لم تكن هناك مستشفيات أو عيادات كما هو الحال حاليا بفضل الله, ويضيف بأننا لم نكن نسمع عن الأمراض التي نسمع عنها حاليا وكان العلاج قديما يتم عن طريق الطب الشعبي والأعشاب والكي وفي الحالات المرضية الصعبة المستعصية كان يتم ارسال المريض للعلاج سواء للبحرين أو الهند حيث كان الطب متقدما في ذلك الوقت وكان يتم ارسال المريض بواسطة البواخر والسفن التجارية القادمة والمغادرة. وعن وسائل الاعلام وسماع أخبار العالم في ذلك الوقت يضحك الوالد عبيد ويقول بأنه وحتى عام 1945 لم ير أو يسمع أي صوت لمذياع حيث لم يكن أيا من أبناء المنطقة يملك مذياعا في ذلك الوقت, وبأنه شاهد وسمع المذياع لأول مرة في عام 1946 خلال إحدى رحلاته البحرية ويحدد الوالد عبيد المنطقة التي استمع فيها للمذياع لأول مرة بأنها في البحر يطلق عليها (الأصحات) . وعن هواياته يقول الوالد عبيد انه يهوى حياة البر حيث يملك سيارة كبيرة مجهزة بمنزل خشبي (كرافان) كما وانه يهوى القنص بواسطة كلاب السلق والتي لديه منها (4 كلاب سلق) مدربة للقنص يصحبها معه خلال رحلاته ويشير بأنه سافر للقنص إلى باكستان, اليمن والسعودية. وعن سكنه في مدينة زايد يقول انه انتقل للاقامة في مدينة زايد في عام 1971 بعد الانتهاء من انشاء المساكن الشعبية فيها بعد تولي صاحب السمو رئيس الدولة مقاليد الحكم بامارة أبوظبي حيث بدأ العمل في تشييد مساكن شعبية للمواطنين في عام 1968 وانتقل إليها بعد الانتهاء من تشييدها. ويضيف بأن انشاء تلك المساكن جاء حرصا من الوالد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة للعمل على استقرار أبناء البادية وتوفير الحياة الكريمة لهم. ويضيف الوالد عبيد انه في عام 1960 بدأ حياته العملية بسيارة واحدة ووصل الآن بفضل الله ومن ثم دعم واهتمام الوالد صاحب السمو الشيخ زايد لأبنائه المواطنين إلى نحو 70 سيارة ما بين كبيرة وصغيرة بعضها يعمل لدى شركات البترول العاملة بالمنطقة وأخرى في أعمال الدفات والزراعة, كما ويملك من الثروة الحيوانية حاليا نحو 140 ناقة. وعن نصيحته لأبناء جيل اليوم يؤكد الوالد عبيد كنيش بأن بالإيمان بالله وبالعزيمة والاصرار وبالمحبة يستطيع الإنسان أن يحقق طموحه ويصل إلى ما يصبوا إليه بعون الله, كما ويدعو شباب الوطن للتمسك بالعقيدة الإسلامية وتراث الآباء والأجداد واستغلال ما هو مفيد ويتماشى مع تعاليمنا الإسلامية وقيمنا وعاداتنا مما يشهده عالمنا اليوم من تطور حضاري ونبذ كل ما هو دخيل على مجتمعاتنا الإسلامية. كما ويدعو أبناء المواطنين لمواصلة تعليمهم لخدمة وطنهم وأمتهم ورد الجميل لهذا الوطن. وعن جائزة عبيد بن كنيش التربوية التي يبلغ مجمل قميتها 130 ألف درهم والتي تسهم في تعزيز التفوق التعليمي والتربوي يقول عبيد مثلما قام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة بواجبه تجاهنا على أكمل وجه بارك الله في سموه, لابد أن نقوم نحن بواجبنا تجاه أبنائنا حتى نخدم زايد ونرد له جميله الكبير علينا, فرأيت تقديم هذه الجائزة للمتفوقين والمتفوقات سواء من الطلبة أو الطالبات أو المعلمين والمعلمات.