الجمعة ــ سيد درويش: اتممت تجميع عدة مصادر عن الموسيقار سيد درويش, اضعها متجاورة فوق مكتبي. سيد درويش للدكتور محمود الحفني, أبي سيد درويش لابنه حسن, سيد درويش حياة ونغم لمحمد علي حماد, فنان الشعب صادر عن جمعية اصدقاء سيد درويش . الكلمة قبل وبعد سيد درويش للشاعر السكندري كامل حسن, كتاب الموسيقى الشرقية لكامل الخلعي, ثم مذكرات فخري عبدالنور عن ثورة ,1919 أجمل ما قرأت عن تلك الايام المجيدة, والتي تجسد هذه الفترة التي تبدو الآن بؤرة ضوء ملهمة مشعة, خلال القرن العشرين, ومن واحد الى عشرة لمصطفى امين حيث الرؤية من داخل بيت الامة, مقر قيادة الثورة وزعيمها سعد زغلول. الوقت ليلي, وصوت سيد درويش يسري من الزمن البعيد عبر التسجيلات المتاحة, اتهيأ لاستعادة كافة ما يتعلق بالفنان العظيم, العبقري لأمر أوثر الآن ان ابقيه طي الكتمان. السبت: بطاقة مكتبي في دار اخبار اليوم. العديد من رسائل الفاكس, والرسائل الواردة عبر الانترنت. ودعوات لافتتاح معارض, ومناسبات قومية لدول صديقة, انه الوارد اليومي. ألمح بطاقة صغيرة عتيقة (كارت) تحمل اسم: حسن السيد درويش البحر. مطبوع رقم الهاتف, ستة ارقام, وعنوان المنزل بجزيرة بدران. شبرا مصر, اقلب البطاقة, واعود الى قراءة الحروف, بالتأكيد هو ابن الموسيقار الكبير. لماذا الآن؟ انني لم أخبر أحداً بما أفكر فيه, هل علم بطريقة ما؟ لكن.. كيف؟ أدرت الارقام الستة, جاءني صوته عبر الهاتف, هادئا, قويا. قلت انني بادرت على الفور الى الاتصال بعد تسلمي البطاقة, قال انه يريد ان يراني, اقترحت عليه موعدا ظهر الاحد, أبديت استعدادي للتوجه الى أي مكان يحدده, قال انه يفضل الحضور الى اخبار اليوم. الاحد ... اللقاء ابن سيد درويش.. الرجل الممتلىء قليلا في غير بدانة, قوي البنية مع تقدم العمر, هيكله يذكر بالصور الملتقطة لوالده, يقترب من الثمانين, مولود عام عشرين, تركه ابوه ابن ثلاثة أعوام أو أقل, تذكرني ملامحه وهيئته بأولئك الصالحين, معتادي التردد على مسجد مولانا الحسين. صحت مرحبا: (أهلا عم حسن..) . بصحبته شاب, قدم اليّ نفسه, شقيق الشهيد احمد حجي الذي استشهد أثناء حرب الاستنزاف, وكتب واحدا من أهم المؤلفات المبكرة عن الحرب, صدر منذ سنوات, وهما شقيقان للفنان محمد حجي الصديق القديم.. أعود الى تأمل ملامح (عم حسن) , أرى عناصر الشبه بالوالد العبقري, للوراثة مظاهر عجيبة. في الصوت, الحركة, التركيب الجسدي, اذن.. هذا الماثل أمامي هو ابن سيد درويش, انه الحافظ لتراثه ايضا, الأقدر كما قال المتخصصون على أداء أدوار وأغاني والده بالاسلوب العلمي العميق, يعيش في البيت نفسه الذي تركه له والده, البيت الذي أقام فيه بعد انتقاله من الاسكندرية الى القاهرة عام 1917. سألت عما اذا كان لديه علم باهتمامي البادىء, قال انه لا يعرف, في هذه اللحظة يدخل الساعي محمد دياب, زميلي في العمل, ليخبرني انه لم يجد الكتاب الذي أرسلته ليحضره عن سيد درويش, يحملق زميلي محمود الورداني دهشا من المصادفة, كنت أطلعته على الأمر. يطلعني عم حسن على مخطوطات نادرة للراحل الكريم عبدالفتاح البارودي الذي كان من حراس تراث سيد درويش ومن كبار متذوقيه. يقول عم حسن انه جاء في طلب مقدمة أكتبها لهذه المقالات, وان أقدمها الى أحد الناشرين لحفظها من الاندثار. تطلعت اليه منبهرا بشخصه الكريم, مستعيدا عبير الراحلين الكبار, متأثرا, دهشا للترتيب الذي يستعصي على ادراكي! هذا بالضبط ما حدث. شاعر العام عام واحد لأبي العلاء لا يكفي, لذلك أمد صحبته عاما آخر, منذ حوالي أربعين عاما, منذ ان بدأت أمنهج قراءاتي, اعتدت ان أخصص كل عام لشاعر كبير من شعراء العربية, لا يعني ذلك أنني أقصر قراءاتي الشعرية عليه, لكنه يكون شاعري الأول, به افتتح جلسات عملي, اقرأ ما كتبه وأفضل الدراسات التي تناولته وخلال العام أدون ما أخذته من شعره, وأحاول النفاذ إلى عالمه وادراك أسرار شخصه, لقد قرأت أشعار أبي العلاء منذ سنوات طويلة, لكنني قررت استعادته العام الماضي, مع تقدم الانسان في العمر تستقر علاقاته بالآثار الباقية من كتابات الأقدمين كما تستقر صلاته بالأشخاص, وخلال استعادة مؤلفات شاعر أو روائي تبدو وكأنها القراءة الأولى, بل يعجب المرء أحيانا, كيف غاب عني هذا من قبل؟ ليتني أقدر على حفظ قاموس لسان العرب لابن منظور كاملا, ليتني أجد الوقت لأقرأ دستويفسكي كاملا, لتيني أحفظ أشعار المتنبي وأبي نواس وابن خفاجة الأندلسي وكتاب الأغاني للأصبهاني والفتوحات المكية لمولانا محيي الدين. أريد ان أقرأ موبي ديك وثلاثية محفوظ وكل ما كتبه تشيخوف ودينو بوتزاني وكافكا ويحىى حقي, لكن الوقت قصير, جد قصير, العام الماضي لأبي العلاء, انه شاعر كوني, كاد يلامس الحقائق الأزلية من خلال نفاذ بصيرته الداخلية, هو الأعمى, فوق مكتبي (تعريف القدماء بأبي العلاء) قدم له الدكتور طه حسين, طبع عام أربعة وأربعين, أثناء الحرب العالمية الثانية تمهيدا لاحتفال مصر بألفية ابي العلاء, مجلد يقع في سبعمائة صفحة يضم ما أورده القدماء عن الشاعر, تبدو النصوص بجوار بعضها كعمل فني, انه مدخل جميل وضروري للدخول إلى عالم أبي العلاء, أمامي أيضا (سقط الزند) , وهو ديوان نادر للمراثي, ليس فيه مرثية حاكم أو ذي سلطان, كما يضم قصائد شبابه, أمامي أيضا (اللزوميات), عدة طبعات, في اللزوميات تبلورت شاعريته وقد بلغت ذراها, كذلك فلسفته ورؤاه في الحياة والموت, للأسف انتهى العام, ولم أفرغ منها بعد, كذلك نثره ومنه رسائله وأشهرها رسالة الغفران التي قرأتها من قبل منفردة. كان تأهبي للعام الجديد من أجل الشعراء الهامشيين, المجهولين, الشاردين, الذين لم تتصدر أخبارهم كتب التراجم والأخبار, لكنني ما زلت في حاجة إلى أبي العلاء, تتوهج رغبتي في القراءة, وما دامت بهذا الوهج فانني راض, مطمئن. غروب الاثنين صوصوة انها العصافير! مع اقتراب الغروب ترتفع صوصواتها التي أكتشف في تلك اللحيظات أنني افتقدها منذ سنوات بعد أن اصبحت القاهرة مزدحمة, فضاءاتها ملوثة, طاردة للطيور, أحيانا ألمح في الطريق وسط السيارات وتكدس البشر عصفوراً وحيداً, لابد انه ضل طريقه, العصافير الحقة تلك التي تتحرك في أسراب, تتضام وتتقارب, وبذلك تصبح هذه الكائنات الهشة, الرقيقة, المخلوقة من منشور الضوء وأحاسيس السكون قوية, نافذة, تعبر المحيطات والأراضي الشاسعة وفقاً لقانون خفي نظمته الحاجة والطبيعة وما لم نحط به علماً. بالقرب من الموضع الذي أمضي فيه ليلة واحدة أشجار عدة في ساحة أحد البيوت القديمة, تنفذ العصافير عبر الاغصان المتشابكة, تدور, تلف, تعلو, تنزل, تبلغ حركتها الذروة قبل اكتمال الليل. أصغي مسحوراً, لا اتقلب في رقادي داخل غرفتي, كأنني أخشى ازعاجها فوق الأغصان, أفتقد أزمنة الخضرة والصوصوة الجميلة, حقاً.. انه الربيع. نوافذ: أقف في الحجرة التي تفوح منها رائحة المحاليل, والمطهرات, أتطلع عبر النافذة المستطيلة, محكمة الاغلاق, يبدو النيل, الفرع الأصغر, زاوية أخرى أرى النهر من خلالها, تطلعت اليه من نقاط مختلفة في العاصمة, لكل مرة ظرف وخلفية ومضمون, النظر عبر النوافذ غير المواجهة بدون اطار, النافذة مؤطرة, مرة مستطيلة, ومرة مربعة, مرة بعرض الجدار مثل نافذة مكتبي الضيق مساحة ولكن النافذة تفتحه على الأفق, ربما تكون النافذة دائرية, مجرد كوة في غواصة, أو سفينة, أو غرفة زائدة عن الحاجة, النافذة تحدد المشهد وتحتوي اللحظة المرئية ايضا, كانت النافذة في غرفتنا المطلة على القاهرة من درب الطبلاوي, كانت أمي تطل منها عند العصاري, تتغنى بالحنين الى جهينة, موضع نشأتها الأولى ومسقط رأسها ورأسي ورأس اخوتي, كانت تقول انها تحب النظر من النافذة لترى الناس, فقط لترى الناس, تأتنس بمرآهم, هي التي عاشت وحيدة في المدينة الكبيرة, ترعانا, وتنقل الينا موروثها الذي لا يمكن أن نجده في أي كتاب, حكمة الدهور, وحكايات الأزمنة المندثرة, المولية, آه لو تم تدوين ما تحكيه كل أم في ريفنا الصعيدي أو في بحري لأطفالهما, أي ثروة كان يمكن أن تصلنا. ها أنذا أقف في مواجهة الإطار, أطل على النهر العتيق, أنساني الحضور, لكنني لا أنظر لكي أشوف الناس, انما لأبتعد عنهم لحظات حتى أستوعب وأفهم فينجلي بصري وينفذ, أليست العينان نافذتين على الخارج, هل أقف داخلهما, أم خلفهما, أم انهما تحتوياني كما تحتوي كل نافذة من يقف خلفها أو أمامها, تؤطره وتحدد له ما ينبغي أن يراه ويتوجه اليه. الخميس: ماس قال لصاحبته وهو يحاورها: (هل يمكن تقليد الياقوت او الماس او الزمرد بحيث لا يمكن التمييز بين الحقيقي والزائف بالنظر؟) قالت: (نعم) قال: (إذن ما الفرق عندما ترتدي هذه مجوهرات حقيقية, وترتدي الاخرى مجوهرات مصنوعة تبث عين البريق؟ تطلعت اليه مستنكرة (الفرق طبعا في الجوهر.. في القيمة) سامقة مازلت اذكرها كأنها ماثلة امامي رغم انقضاء سنوات عديدة, انتقتها ذاكرتي من بين العديدات اللواتي وقع بصري عليهن وانطبعت ملامح بعضهن ثم ادركها المحو. المكان الذي احتواها قاعة في منتدى ادبي, منضدة اصطف حولها عدد قليل التواجد لمناقشة كتاب جديد صدر لي, اثناء المناقشة دخلت بهدوء, جلست, اخرجت كراسة, وبدأت تدون بعض الملاحظات, لم تتطلع تجاهي, لم تبد اي اهتمام بالنظر ناحيتي, كانت مطرقة واثقة, ينبوع من الجمال المحفز, وكان بثها شديدا, مستفيضا وسرعان مابدأت ردود فعلي, اذ عدلت من وضعي, وغيرت من نطقي وصرت اكثر أناة, متمهلا, متحسبا لكل ما يصدر عني, تذكرت ما قاله الامام ابن حزم في كتابه (طوق الحمامة) انه ما من انثى تدخل الى مكان فيه رجال, الا وتصدر عن كل منهم حركة زائدة, اذكر حيرتي بين حرصي على اظهار اللامبالاة, ورغبتي في النظر, وكان حضورها كما اتمنى تماما, قبل نهاية الندوة بدقائق, اغلقت كراستها, قامت منصرفة وتبعتها متحسرا غابت عن بصري حتى الان, ولا استعيدها الا وانفث اسى وحسرة وكأني عرفتها دهرا.