ما كدت ادخل الى غرفة استراحة الاساتذة حتى وجدت صديقي عاشق الشعر يتطلع الى الباب كأنه ينتظر حضوري, وقام واقفاً يصافحني في لهفة, ويحييني في كلمات مقتضبة, سرعان ما انتقل منها الى تذكيري بما كنا نتحدث فيه آخر مرة , وقال لي: أحسب انه قد آن الاوان لان توضح لي صفات القبح التي تصدر بها حكمك بالرداءة, خصوصاً في حالة ما تحدثنا عنه من الشعر الذي ليس كالشعر وقد حذرتك من مخادعتي بمقولات النظريات الملتبسة التي تزيدنا غرقاً في اوحال القبح بدل ان تساعدنا على الخروج منه ودعنا من حكاية التجريب, فأنا مثلك أؤمن بالتجريب, ولكن الايمان به لا يصادر علينا في الحكم بالقبح على نتاجه الرديء ولا تخيفني بالحديث عن حرية الشباب في ان يكتبوا ما يشاءون وتنسى حريتنا نحن في رفض الرديء والاحتجاج عليه, وأهم من ذلك عدم نشره لو كنا مسؤولين عن بعض ما ينشر من هذا الغثاء. لم اترك صاحبي يسترسل في تحذيراته التي استفزتني, فقاطعته قائلاً: حنانيك يا رجل, ماذا بك اليوم؟ لا داعي لكل هذه التحذيرات وألوان المصادرة على المطلوب, ودعنا نتناقش في روية كما تعودنا ونضع كل شيء موضع المساءلة لا نخشى في ذلك من شيء, او نصادر على انفسنا بشيء, ما دمنا نحترم عقولنا ونحب الشعر الذي وصفه صديقنا أمل دنقل بأنه (الفرح المختلس) هدأت حدة صديقي وقال: لا بأس, ولنعد الى سؤالي عن القبح الذي هو قرين الرداءة والذي كان موجوداً في النماذج التي قرأتها عليك, وفي نماذج اخرى كثيرة حملتها لك معي اليوم, على سبيل الاحتياط والاحتجاج معاً. قلت لصديقي وأنا احاول معه صبراً: لسنا في حاجة الى ذلك اولا لأن الموضوع اكبر من مقاطع يقل عددها او يكثر, وثانياً لأنه يرتبط بمعنى حاسم من معاني القيمة الجمالية التي نخلط في فهمها, قال صاحبي دون ان تفارقه نبرة الاسترابة, وكيف ذلك؟ قلت لا: اظنك تجادلني كثيراً في ان هناك فارقاً كبيراً بين القبح من حيث هو موضوع في الفن والقبح من حيث هو قيمة سلبية او قيمة جمالية منفية, القبح الاول يتصل بمادة المبدع او موضوعاته, او حتى معطيات الحياة التي يتوجه اليها بفنه الذي يصدر عنها في التحليل الاخير ومادة المبدع او موضوعاته, او حتى معطيات الحياة بوجه عام, فيها ما اتفقنا على وصفه بالجمال وما اتفقنا على وصفه بالقبح عرفياً على الأقل, فنحن نرتاح الى الزهور ونرى فيها موضوعا جميلاً, وكذلك مشهد البحر ساعة الغروب, او الانهار التي تحيط بها الخضرة احاطة المعصم بالسوار, او امتداد الحقول الخضراء على السهوب المتدرجة التي تقطعها تجمعات الاشجار واضف الى ذلك ما يشبهه من جنسه, حتى في دائرة المعنويات التي تبعث فينا البهجة مثل فرحة النجاح او المكسب او انتصار الحق على الباطل او التحرر من القيد او الخلاص من الظلم كل ذلك وما يشبهه يمكن ان يتصف بالجمال من حيث هو موضوع او معطى من معطيات الحياة, ولكن الحياة ليست قاصرة على هذه الدائرة وحدها والا كانت جنة, فكما تتصارع فيها عوامل الخير والشر, العدل والظلم العقل والنقل, الحرية والقيد, التقدم والتخلف, التسامح والتعصب, تتجاور فيها مظاهر الجمال والقبح, النظافة والقذارة, الحياة والموت.. الى آخر هذه الثنائيات التي نراها صباح مساء في كل مكان حولنا. قال صديقي: لا اختلف معك في ذلك.. واتفق في ان هذه المتناقضات او المتعارضات ــ كما تحب ان تقول عادة ــ تملأ الحياة حولنا, وانها جزء اساسي من وجودنا, بل ازيد على ذلك فأقول ان وجودنا نفسه ينطوي عليها, كما ان مكوناتنا النفسية لا تخلو من الوان التناقض والتعارض سواء على مستوى الوعي او اللاوعي ولكن ماذا عن القيمة الجمالية؟ قلت هذه القيمة شيء آخر غير الموضوع الجميل والعلاقة بين الصفة الجمالية في الفن والموضوع الجميل ليست علاقة تطابق او تماثل او تشابه وانما هي علاقة مغايرة, لان الصفة الجمالية يمكن ان تقع على معالجة الموضوع الجميل وغير الجميل بالقدر نفسه في الفن. القيمة الجمالية غير الموضوع المتصف بالجمال او عدم الجمال, والعمل الفني يتصف بها حين يحقق غايته من حيث هو عمل فني اي من حيث قدرته على ان يفتح للشعور افقاً جديداً من الادراك والمعرفة والكشف, وعلى ان يمتع العقل والوجدان بما يرتقي بإنسانية الانسان ويسهم في الانتقال به من مستوى الضرورة الى مستوى الحرية في حياته التي يحياها. قال صديقي: هل يعني ذلك ان العمل الفني يعالج القبيح كما يعالج الجميل, وانه لا تفرقة بين معالجته الاول والثاني, الامر الذي لا يعني انه لا افضلية للموضوع الجميل على القبيح, قلت: نعم, ولا افضلية او تراتب او تمييز, الا اذا كنا من انصار مذهب (الشعر الخالص) ومن هؤلاء الكاتب الايرلندي جورج مور الذي رأى ان (الشعر الخالص) او (الشعر الصافي) والمصطلحات ترجمة لأصل اجنبي واحد هو الذي الذي لم يشوهه قالب الفكر الشاحب, وانه القصائد التي لا تقبل جميع المعاني, فبعض المعاني دون غيرها مقبولة ومسموح بها في الشعر, وبعضها الآخر غير مقبول ولا مسموح به, فالشعر الصافي لا يقبل ولا يسمح الا بمعان معينة, وموضوعات بذاتها وان شاءت الكلمات ان تجد طريقها من حيث هي معان فحسب الى الشعر الصافي فإنها تفعل ذلك بالاشارة الى ما يقع على محيط الدائرة وليس مركزها الذي يحتله جوهر الشعر الصافي وحده, واحسب ان انصار الشعر الصافي قد تناقص عددهم مع الزمن, وليس لهم وجود فاعل في ثقافتنا العربية التي ظلت حريصة على تأكيد الدور الاجتماعي للشعر حرصها على اسهامه في تغيير الحياة الى الافضل بواسطة اللغة. قال صديقي: افهم من كلامك انه لا توجد مؤاخذة نقدية على الشاعر لو وصف القبح في الواقع؟ قلت: من حق الشاعر ان يكتب عن اي شيء في واقعه, مهما صغر هذا الشيء او كبر, ومهما كان موضوعه الذي يختاره تافها او جليلاً في اعين البعض, بل مهما كان قبيحا او حتى مقززا في الذوق, فالمعول هو المعالجة الفنية التي تحقق قيمة جمالية اذا نجحت ولا تغادر درجة القبح الفني اذا فشلت وما ينطبق على الشاعر ينطبق على كل الفنون, ومنها الرسم الذي يمكن ان نرى في لوحات (الطبيعة الصامتة) فيه مشاهد نتقزز منها في الواقع الفعلي, كما في اكثر من لوحة شهيرة تتصدرها قطع لحم مذبوح, او جزء من فخذة ذبيحة تقطر دماً, وهذا يا صديقي العزيز ما قصد اليه ارسطو عندما حدثنا في القرن الرابع قبل الميلاد, عن جمال (المحاكاة الفنية والالتذاذ بها, وكيف ان لذة المحاكاة تقوم على التخييل الذي يقلب قبح الواقع الى جمال, يمكننا من الاستمتاع الفني حتى بالموضوع القبيح, واستجمع في ذهنك لوحات الرسم التي يمكن ان تسترجعها بعيني مخيلتك تجد ان المبدأ الارسطي عن لذة المحاكاة الفنية التي هي لذة الفن بوجه عام ماثل في الكثير من اللوحات. قال صديقي: ولكنك بعدت عن الشعر, واستشهدت بالرسم الذي مهما تشابه مع الشعر في معنى التصوير فإنه غيره من حيث الوسيط النوعي الذي يستخدمه, ولم املك ازاء هذا التعليق سوى الاندفاع الى مقاطعة صديقي قائلاً: كلا يا سيدي, ان انواع الفن وأجناسه لا اختلاف بينها في المبادىء التي تتقوم بها القيمة الجمالية, والتي تتحقق في حالتنا لا على اساس الموضوع وانما على اساس المعالجة الفنية, مهما كان الوسيط النوعي او الاداة او الوسيلة التي يستخدمها المبدع, لغة او نغما او حجرا او لونا, وانت لو استرجعت قصائد الشعر التي نعرفها على امتداد عصوره واختلاف لغاته, وجدت ان القول باقتصار الشعر على الموضوع والموضوعات الجميلة وحدها انما هو احد الاوهام التي تطاول بها العهد فأنزلها الناس منزلة المسلمات نتيجة اعتيادهم على تكرارها لا اكثر ولا اقل ولماذا لا تتذكر سخريتنا, ونحن في مرحلة الدرس الجامعي, من الذين سخروا من العقاد, ووصفوه بالشاعر المراحيضي لأنه وصف طفلاً في احدى قصائده بأن (مرحاضه افخر من اثوابنا) ؟ ألا تذكر ان العقاد نفسه تحدث في مقدمة ديوانه (عابر سبيل) بأن موضوعات الشعر موجودة في كل مكان, حتى على أرفف محلات البقالة في يوم العطلة؟ واذا كنا قبلنا ذلك من العقاد فلماذا لا نمضي في القياس, ونقول ان الشعر يمكن ان يتخذ من القبح موضوعا له ما ظل شعراً, وما ظل قادراً على اثارة التعجيب والدهشة, وما ظل حاملاً لنوع جديد من الكشف الذي يدفعنا الى رؤية الواقع من منظور جديد. قال صاحبي: ولكن العقاد كان يتحدث عن موضوعات بسيطة, يحسبها عابر السبيل تافهة فلا يقف عندها, وتلتقطها عينا الشاعر لتكشف فيها عن معنى ومغزى لا تكشفه سوى القصيدة بعلاقات كلماتها التي ليست كالكلمات, ولكن ان يغدو موضوع الشعر هو الصراصير التي تؤذن في السحر, الوطاويط التي تنطلق من الأنف, فاسمح لي بأن اقول لك ان هذا هو اللغو بعينه وانعدام القيمة الجمالية والاخلاقية على السواء. قلت لصديقي وانا اتمالك نفسي حتى لا انفعل مثله: كلا, يا عزيزي, بل من حق الشاعر ان يكتب في اي موضوع بعينه حتى لو كان الصراصير والوطاويط تماما كما كان من حق العقاد ان يتحدث عن (المرحاض) فالقضية ليست قضية الموضوع وانما قضية المعالجة الفنية, اما الموضوع في ذاته فهو كالمعاني التي قال الجاحظ قديما انها ملقاة في الطريق يعرفها العربي والعجمي, البدوي والحضري, وانما الشأن في الصياغة والسبك, الآن الشعر صناعة وجنس من التصوير كما قال الجاحظ قديماً, وقيمة ابداعه مشروطة بصنعته وليس بالمادة المعالجة في فعل الابداع. وهذا ما ادركه الشعراء في كل زمان ومكان كما ادركه الفنانون في كل عصر واتجاه وقد يحدث في عصر بعينه, او مدرسة بعينها, ولأسباب معلومة غير مجهولة يمكن رصدها وتمييزها, ان ينجذب الشاعر ــ او المبدع بشكل عام ــ الى موضوعات القبح اكثر من غيرها, فيلح عليها كما لو كان لا يرى غيرها في الحياة والحاحه ذلك لا يغادر دائرة الفن ما ظل في دائرة المعالجة التي تتحقق بها فيها القيمة الجمالية, والقيمة الجمالية تتحقق حين لا يكون الهدف هو مجرد الاستفزاز, او التعبير عن ضعف الاداء اللغوي, او محاولة جذب الانظار لا غير ولذلك فإنه اذا اقترن الموضوع القبيح ــ مهما كان مستفزاً او مقززاً ــ بغاية جمالية ومعالجة فنية فإن قبحه من حيث هو موضوع مقزز يختفي على الفور, ويحل محله التعجيب الذي هو مقدمة متعة جمالية لا تفارق لذة التعرف, ويمكن لك, يا صديقي, ان تسترجع من الشعر الفرنسي قصائد شارل بودلير (1821 ــ 1867) على سبيل المثال, خصوصاً في ديوانه (ازهار الشر) الذي اقام الدنيا ولم يقعدها في عصره, وانا لم انس قصيدته (جيفة) التي اذكر منها قوله: كان الذباب يدوم فوق هذا البطن المتفسخ من حيث كانت تخرج افواه سود من الدود, وتنساب كسائل كثيف في محاذاة هذه الاسمال الحية قد تقول انه لا جمال في هذا المقطع لانه يعالج موضوعاً قبيحاً, دميماً, وهل هناك اكثر بشاعة من تصوير شعري لجيفة؟ ولكن الجمال قائم في المعالجة في علاقة المقطع ببقية القصيدة التي تفتح اعيننا حتى على الرغم منا, على ما لم نتعود ان نراه في العالم او نتوقف عنده, فتلفتنا الى الوجه الآخر من الحياة, الى القبح النقيض الذي يصارعه الجمال في كل مجال وعلى كل مستوى, يصدمنا الشاعر؟ نعم يستفز وعينا وشعورنا؟ لا شك ولكن يظل في دائرة القيمة الجمالية, ما ظل في دائرة الهدف الاصلي من الشعر وهو ان يدفع بنا الى معاودة النظر في كل شيء, واعادة التحديق في كل مشهد, كي نغدو مزودين بوعي اعمق ورؤية اكثر شمولاً حتى في تفصيلها لعالمنا الذي لا نرى اكثره في اغلب الاحيان.. اليس كذلك؟