لو انك دخلت مكانا ما, فندقا مثلا, ورأيت لوحة فنية معلقة لم تعجبك, واحسست انك لا تطيق الحياة مع هذه اللوحة, فأسرعت الى أحد المحلات في هذا الفندق واشتريت منه سكينا صغيرة جميلة.. وذهبت الى اللوحة, فمزقتها ارباً, سيأتي رجال الأمن ثم الشرطة, وتتهم بانك اعتديت على املاك الغير, وقد تكون صادقا اذا قلت انك تجهل ان هذه تهمة . ولكن احدا لن يسمع لك, ربما سمع لك القاضي لو قلت ان اعصابك لم تحتمل الوان هذه اللوحة. وربما سمع لك لو قلت انك تحب المدرسة التعبيرية مثلا او التكعيبية ولكن هذه اللوحة تنتمي الى مدرسة اخرى, ولذلك جن جنونك ومزقتها, لكن القاضي لن يسمع لك اذا قلت انك كنت تجهل القانون, وهناك قاعدة قانونية تقول ان القانون لا يحمي المغفلين! ولا شك ان السياسة مثلها مثل القانون لا تعترف بالجهل, ولقد مرت سنوات عندما رأيت بعض المجلات العربية تحتفي بالسفن التي تحمل المهاجرين اليهود الى فلسطين, وكان هؤلاء اليهود هم الذين اقاموا اسرائيل لتشق العالم العربي وتدمر وجوده خلال نصف قرن وأكثر. واذا قلنا ان الجهل في السياسة لا يعفي اصحابه فسنعود الى كل المؤامرات التي ابتلعها معاصروها مثل سايكس ـ بيكو والى الآن. ولقد اثار كل هذه الافكار كتاب قديم اشتريته رخيصا وفجر داخلي اشياء كثيرة, حتى لقد عشت معه اياما متتالية, والكتاب من تأليف محمود حسني العرابي. ولم يكن الاسم مجهولا لي بالطبع. فلقد كان واحدا من اربعة بينهم سلامة موسى والمؤرخ الكبير محمد عبدالله عنان اعلنوا تكوين أول حزب شيوعي في مصر في عام 1921. وما اثار تساؤلي حقا هو ان الفترة كانت تحمل نفحات ثورة 1919 ولكن لم تكن مصر ولا أي بلد عربي آخر ارضية صالحة لتكوين مثل هذا الحزب. وكان من رأي كارل ماركس ان الثورة الشيوعية لابد ان تقوم في مجتمع صناعي متقدم مثل بريطانيا او المانيا او الولايات المتحدة, لكنها قامت في روسيا التي كانت آنئذ (1917) دولة كبرى متخلفة. ولو ان كارل ماركس الذي كان قد مات بالطبع, عرف ان حزبا شيوعيا يقام في مصر ربما اصابه الذهول. ولقد رجع محمود حسني العرابي عن افكاره الثورية, وقال ان المرحلة لا تحتمل هذه الافكار, وان الطريق الصحيح هو طريق الاصلاح. والذي قرأوا بعض الشيء في هذا المجال يعرفون ان الثوريين يعتبرون ان الاصلاحيين في صف الاعداء. ولا شك ان زملاء العرابي القدامى اتهموه بخيانة افكارهم. وفتحت الصحف ابوابها امام محمود حسني العرابي ليكتب فيها بمباركة السلطة على ما اشار اليه الدكتور رفعت السعيد. لكنه يبدو انها كانت خطة من السلطة فبعد ان (حرقته) بالمصطلح السياسي, ضيقت عليه الخناق, ومنعته من الكتابة تقريبا. ولا شك ان العرابي كان بين المطرقة والسندان, فاصدقاؤه القدامى اتهموه بخيانتهم, ولم يكتسب نفوذا جديدا بين اخرين. وفي النهاية قرر محمود حسني العرابي في عام 1931 ان يهاجر من مصر, فقضى في المانيا ثمانية اعوام, قفز خلالها الحزب النازي الى السلطة, وكتب العرابي عن هذه الفترة هذا الكتاب الجميل (89 شهرا في المنفى) والذي يدفعك اذا ما قرأته لكتابة تعليقات عنه تفوق حجم الكتاب نفسه. فالكتاب يروي تجربة شاب فقير, قليل التعليم, عديم العلاقات, يحمل كثيرا من القيم من بينها قيمة العمل فهو لا يسمح لأحد بأن يتصدق عليه. يقضي ثمانية اعوام في بلد غريب هو المانيا. ولا شك انه كان نحساً! لانه قضى هذه الاعوام في شظف العيش, وكلما تسلل اليه ضوء خافت من الامل, سارعت الظلمة باغراقه, حتى انك لا تعرف هل تتعاطف مع هذا البائس سيء الحظ, او تبكي على حاله. واحاول ان اهرب من تأثير هذا الكتاب الساحر, لأصل الى النقطة التي اريد ان احدثك عنها في هذا اليوم وهي (المسألة اليهودية) في الاعوام التي كتب عنها العرابي وهي 1931 ــ 1938. وفي البداية أشير الى ان هذا الحزب الشيوعي الذي كان العرابي احد مؤسسيه كان وراءه احد اهم شخصين في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية وهو روزنتال اليهودي الذي كان وراء تأسيس عدد من المنظمات. اما الثاني فكان اليهودي ـ ايضا ـ هنري كورييل. وكان روزنتال قد تستر وراء الرواد الاربعة لكي لا يقال ان الحركة اجنبية وانها بايعاز من اليهود. ولم يكن هذا الامر يخفى على المخابرات الالمانية, خاصة بعد ان وصل النازي الى السلطة. والنازيون كانوا يضعون اليهود في قائمة اعدائهم واعداء المانيا بل واعداء البشرية. ويشير العرابي في كتابه الى ان السلطات الالمانية قد سألته في هذا الموضوع, فلم ينكر انه كان له اتصالات باليهود في مصر, ومن المعروف انهم كانوا يمثلون نسبة من السكان, جعلت الحكومات تختار من بينهم وزيرا بين فترة واخرى. فماذا حدث عندما اعترف العرابي دون تردد بأنه كان يعرف الكثيرين من يهود الاسكندرية. هل طلب الجستابو معلومات عن هؤلاء اليهود. وهل حاولوا ان يدخلوا العرابي الى المخابرات خاصة وان النظام الالماني لم يسئ الى العرابي ولا مرة واحدة. وفي ذات مرة احس بالظلم عندما فصل من عمله, فكتب شكوى الى هتلر, ورد عليه هتلر برسالة, وكانت هذه الرسالة جواز مروره ليصل الى احد الوزراء فيعرض مظلمته. حقا ان الوزير على ما قال العرابي لم يحل مشكلته. ولكن هل ينفي هذا قيام علاقة بين الجستابو والعرابي. انا لا اتهم محمود حسني العرابي بالعمالة للنازي, فما يقلقني اكثر هو امر آخر, قد يكون ضد هذا تماما. فعندما بدأ النازي يسيطر على المانيا احس اليهود بالخطر, فبدأوا يهاجرون وبالذات الى فلسطين. ولسبب ما كان لابد لهم من معرفة اللغة العربية. يقول العرابي ان ذلك لان السلطة في فلسطين لم تكن تسمح لهم بالاقامة فيها دون معرفتهم باللغة العربية. والسلطة التي كانت موجودة آنئذ في فلسطين كانت الحماية البريطانية. وكانت تدعي انها تحافظ على التناسب السكاني حتى ينتهي حكمها للبلاد وهو مالم يحدث الا في عام 1948. وربما كانت السلطات البريطانية فعلا لا تسمح بالاقامة الا لمن يتكلمون العربية. ولكنني استبعد هذا, حتى يأتيني دليل قوي عليه. فلقد كانت السلطات البريطانية منحازة الى اليهود منذ وعد بلفور. واستمرت منحازة حتى اللحظة التي تقرأ فيها هذه السطور! الاحتمال الثاني لتكالب اليهود على تعلم اللغة العربية, هو انهم كانوا يريدون معرفة عدوهم قبل سفرهم, وكان عدوهم غافلا عن المخاطر. وهاهو محمود حسني العرابي السياسي المحنك يتحول الى مدرس لغة عربية لليهود, فتصبح الفترة الذهبية في منفاه. بعد ان عاش حياة الفقر الشديد. ويصل تعلقه بالمهنة التي يمارسها, انه عندما يفصل من التدريس في احدى مدارس اليهود, يشكو الى هتلر نفسه! وبعدها يمارس اعطاء الدروس الخصوصية لليهود. لماذا لم يسأل محمود حسني العرابي نفسه عما يفعل. وهو الشخص المستريب في كل شيء حوله, حتى انه كان يستريب في دعوة صديقه على الغداء! لم يكن محمود حسني العرابي ساذجا ابدا. فهل فهم الكثير مما يحدث في عصره. وجهل (المسألة اليهودية) حتى شارك ولو بطريقة غير مباشرة في تكوين دولة اسرائيل! ام ان هذا الاتهام اكبر من ان نوجهه الى رجل اعطى حياته لوطنه.. اصاب احيانا.. واخطأ احيانا!