هناك فرق بين التراث وبين انتاج وعي عنه, فالتراث واحد لايتغير وهو ما تركه لنا الاسلاف عبر عصور مختلفة من تركة معرفية متنوعة, اما الوعي بالتراث فإنه يختلف من شخص الى آخر, ومن منهج الى آخر ومن عصر الى عصر . وقد تكون الطريقة او الاسلوب او المنهج او الفكر الذي نفضل ان نعيش به في الحاضر هو الذي يجعلنا نهتم بجوانب معينة في التراث لتثبت بها صحة اختياراتنا وتفضيلاتنا وتصوراتنا في الحاضر.. وتراثنا العربي شديد الثراء يمتد افقيا ليشمل ما ورثناه من علوم اللغة والدين والكلام والادب والفلسفة والطب والفلك والحساب والجبر وغيرها, بل انه يشمل ايضا التراث الشفاهي. ويمتد التراث رأسيا ليشمل العصر الجاهلي, والنبوي, والاموى, والعباسي, والفاطمي, وغيرها من العصور التي ازدهرت فيها الحضارة العربية وكذلك عصور الاندثار, والانحطاط, التي اظلمت فيها تلك الحضارة.. ونحن ورثنا التركة كاملة فماذا نفعل ما الذي يمكن ان يساهم في دفع عجلتنا وبعث نهضتنا. هل نأخذ التراث كله دون فرز؟ هل هي مهمة فرد ام مؤسسة؟ القضية حملتها (البيان) الى خمسة من المفكرين المختلفين منهجيا فكانت هذه خلاصة آرائهم. الثعبان الاقرع الناقد المعروف د. صلاح فضل استاذ النقد بجامعة عين شمس يقدر ان للتراث مستويات عديدة يجب ان نميز بينها, فإذا بدأنا بالجوانب الايجابية سنجد ان الحفاظ عليها هو قوام استمرار الشخصية العربية الاسلامية وهناك الابداعات الشعرية والفنية والادبية في تجلياتها عبر العصور المختلفة كرصيد حقيقي للذاكرة الثقافية, من ناحية ثالثة كل ما يتعلق بتاريخ العلوم ويمثل جزءا من الوعي الحضاري بها لابد من دعايته, واعتباره اساسا لاية ثقة في امكانية الاستئناف الخلاق لهذا التاريخ. اما ما ينبغي ان نهمله في هذا التراث فهو افراز العصور القديمة من مظاهر العجز واللجوء الى الخرافات, وغير ذلك مما كان ملائما لعقليات العصور الوسطى ولم يعد مناسبا لحركة الحضارة اليوم, كذلك نجد ان بقايا الصراعات السياسية والطائفية والدينية التي اشتعلت عبر العصور المختلفة وتؤدي للانغلاق وتدين الآخر بل وتدمر العناصر النشطة في الحضارة العربية ذاتها مثل انكار الفنون والآداب والعلوم بمختلف فروعها. من ناحية ثالثة ــ والكلام مازال للدكتور صلاح فضل ــ سنجد ان مالا يخدم الحياة ولا يؤدي الى بناء المستقبل ولا يصب في تيار السعي الدائب لاعمار الكون وتلاقح الثقافات, وما يتذرع بالدين لتحقيق اغراض سياسية, وما يتعارض مع ما انتجته الحضارة الحديثة, واتفق عليه البشر من حقوق الانسان كل ذلك لايمكن ان يمثل عنصرا جوهريا في تراثنا القديم وبالتالي نستطيع ان نغفله حتى لايعوق حركتنا الى النهضة والتقدم, المبدأ البسيط الذي ادعو الى اعماله في هذا الفرز الدقيق لعناصر التراث يتمثل في الاحتفاظ بكل ما يؤدي الى تعميق شعور الانسان العربي المسلم بدوره الحضاري ورسالته الثقافية وماعدا ذلك يظل محفوظا على الرفوف دون فاعلية تذكر. سهولة التقديم وفي كلمات بسيطة يقول الدكتور احمد شلبي استاذ التاريخ الاسلامي (التراث يقدم لنا جهود السابقين واعمالهم ومن هنا اهتمامنا بالتراث كأساس للارتفاع بالبناء فاذا كان جابر بن حيان قد وضع اسسا للكيمياء لاينبغي ان نتوقف عند هذا الحد ونقيم مجدنا في الحاضر, واذا كان الرازي وابن سينا قد برعا في الطب فلابد ان نتعامل مع تراثهم ونقدمه مبسطا للاجيال الجديدة حتى يكون قدوة لهم وقوة دفع للتفوق والمجد في حاضرهم, ومن ناحيتي فقد تناولت هذا التراث وقدمته في موسوعة الحضارة وتتكون من عشرة مجلدات) , قلت للدكتور احمد شلبي كيف قدمت الحضارة الاسلامية في علاقتها بقضايا العصر وحضارته؟ فقال قدمتها متماشية مع الديمقراطية وضد الدكتاتورية والتعسف والاستبداد. واحتكار الرأي فالاسلام هو اول من وضع اسس الشورى وقدست الاسلام باعتباره مع نزاهة الانتخابات وفي رأيي ان العالم الاسلامي تخلف عن الديمقراطية التي حض عليها الاسلام الذي يحترم العقل ولا يركن الى الخرافات, فالنص القرآني تحدث عن العقل وعن الذين يعقلون مرات عديدة, ولكن العقل غير كاف وحده فجاء النص ليكمل دور العقل لهذا يجب ان نقدم التراث سهلا هينا لاجيالنا ليستوعبوه ويضيفون الى ما يحتاجه عصرنا. كلنا نصنعه اما الروائي والناقد ادوار الخراط فيرى اننا ننسى كثيرا ان هناك نوعين من التراث الشفوي الذي نتلقاه في طفولتنا, وهو يكون جزءا لايتجزأ من كينونتنا ولا يمكن ان ننفصل عنه والمكتوب الممتد بتنوع وثراء. وبطبيعة الحال, هناك المقولة الشهيرة التي تقول ان كلا منا يصنع تراثه, وهي مقوله تصدق على المستوى الفردي والجماعي معا, فهناك في تراثنا مناطق شاسعة من الظلامية والخرافة والتجهيل والتضليل, كما ان هناك نقاطا باهرة الضوء في هذا التراث تقوم على اعظم القيم الانسانية العقلانية والتسامح والحوار, هناك من ناحية تراث عذاب القبور وعفاريت الشياطين والجن الاحمر والسحر, وهي مناطق ينبغي ان نطهر عقولنا وارواحنا منها تماما, وهناك من ناحية اخرى تراث ابن رشد وابن سينا واخوان الصفا والصوفيين والشعراء مثل شاعرنا الكبير المعري وشعراء الحب والتسامي هذا هو التراث الذي ينبغي ان نحياه ويحيانا) , سألت ادوار الخراط عن اللغة التي ينبغي ان نقدم بها تراثنا؟ فقال: التراث نقدمه بلغته ولا مجال ابدا للتدخل فيها وهناك جهود يمكن ان تبذل في شرحه وتبسيطه وتقريبه دون ان نمس كلمة واحدة من نصه. الثوابت والمتغبرات الدكتور علي صبح رئيس قسم الادب والنقد بكلية اللغة العربية جامعة الازهر يفرق بين امرين فهناك الثوابت التي لاينبغي ان تتزحزح مهما تغير الزمان او المكان وهي القيم, وهناك المتغيرات مثل الافكار والاتجاهات ووجهات النظر, ويوضح الدكتور علي صبح هذه القضية قائلا (التراث يجمع بين ما يتناسب مع كل العصور وما يتناسب مع عصر الامة او الشعب الذي انتج هذا التراث, فالقضايا والاتجاهات والافكار ووجهات النظر التي كانت تمثل عصر الذين كتبوا التراث ولا تمثل عصرنا لانها تعبر عن واقع بيئتهم وثقافتهم ومتطلبات حياتهم الخاصة ينبغي الا نتعامل معها, اما ما يتصل بالقيم السامية والمبادىء الاخلاقية العالية والنظم التشريعية الصالحة لكل زمان ومكان المستمدة من القرآن والحديث, كل هذا لاينبغي ان نخوض في التيارات المعاصرة وفي وسائل التقدم الحديثة وفي مظاهر الحداثة بأشكالها المختلفة الا ونحن متسلحون وعقولنا وعواطفنا ممتلئة وهي معتزة بهذا التراث الخالد, لانه به وحده نستطيع ان نتبين من هذه التيارات وتلك الحداثات ما يتناسب مع بيئتنا وعالمنا العربي الاسلامي وشرقيتنا. غربلة التراث نختتم حديثنا في محطة هامة مع الدكتور حسن عبدالحميد رئيس قسم الفلسفة بكلية الاداب جامعة عين شمس وهو من المهتمين بفكرة غربلة التراث وفرزه لكنه يرى ان هناك شروطا ينبغي ان تتوفر في هؤلاء الفرازين, فعلماء الابيستمولوجيا التاريخية (نظرية المعرفة العلمية) ــ حسب ما يقول د. حسن عبدالحميد ــ لهم رأي في هذه المسألة فهم يقولون ان الماضي يأتي بنوعين من المعارف الباقية والبالية ووظيفة الابستمولوجي هي عملية الغربلة هذه فهو يأخذ البالي ويضعه في متحف التاريخ, ويحافظ على المعارف الباقية لتدخل كجزء في نسيج الحاضر, ويقول د. حسن لابد ان نقوم بغربلته وتحليله وان يقوم بذلك متخصصون استمولوجيون لديهم منهج وخبرة ويعرفون الفروق الدقيقة بين المعارف البالية والمعارف الباقية وهذا المنهج نستطيع ان نجربه على كل قطاعات تراثنا القديم, كالدين واعتقد انه لايوجد شعب او مجتمع الا وهو بحاجة الى الدين اما الاتجاهات السائدة المتربحة من الدين فهي لا تعمل الا في مجال المعارف البالية عندما يتحدثون في قضايا عفا عليها الزمن اما المعارف الباقية فهي تتصل بالتقدم والعلم واثبات الذات والاستنارة وكذلك فإن الاصول الحقيقية للدين لا خلاف عليها, ولكي نقوم بمثل هذه الغربلة لابد من وجود مدرسة جديدة من المتخصصين في هذا المجال يعرفون تاريخ العلم, الابستمولوجيا وغيرها. القاهرة ــ فتحي عامر