كان الحبس الانفرادي فرصة لكي أعيد حساباتي مع الحياة من ناحية ولكي استرجع كل معلوماتي ومعارفي وأرتبها على ضوء جديد من ناحية أخرى . والحبس الانفرادي عبارة عن سجن داخل السجن والمفروض فيه أنه عقوبة توقع على المسجون جزاء على خطأ ما أو جريمة نصت عليها لائحة السجون. ولكنه ــ بالنسبة للمعتقلين, أي المحجوزين دون أن تصدر ضدهم أحكام أو دون أن يحاكموا أصلاً ــ لا تنطبق عليه أي قواعد أو لوائح أو قوانين. لذلك ليس غريبا ألا أذكر السبب الذي من أجله أودعت في الحبس الانفرادي بل ربما لم يكن هناك سبب على الاطلاق اللهم إلا ذلك العداء الخاص الذي كان لدى قائد المعتقل ضد المثقفين عادة, وآية المثقف عنده أن يضع نظارة فوق عينيه, وأنا لسوء الحظ كنت من أصحاب هذه النظارات. وهكذا, وجدتني ــ بقرار من قائد المعتقل ــ معزولاً عن المعسكر, بل عن العالم بأسره في قفص من الأسمنت المسلح لا تزيد مساحته على خمسة أمتار مربعة, وليس به من أثاث سوى جردلين, واحد لماء الشرب والآخر للصرف (الصحي) , وفي مواجهة الباب الحديدي الصلد نافذة صغيرة عبارة عن شبكة قضبان ملتصقة بالسقف, ينفذ منها ضوء النهار على خجل حتى إذا ما أقبل الليل لم يعد هناك سوى الظلام, والجردلين, والهوام. والباب لا يفتح إلا مرة واحدة في اليوم, في تمام الساعة السابعة صباحاً حيث يصحب الحارس سجين الحبس الانفرادي في رحلة خارجية يومية لمدة خمس دقائق, يتم خلالها استبدال الجردلين. وأية محاولة لتبادل الحديث مع الحارس ليست فقط محكوما عليها بالفشل, وانما قد تؤدي إلى عواقب وخيمة, أخفها ضربة من دبشك البندقية على الرأس, أو لطمة بماسورتها على الفم تسيل معها الدماء ويتكسر ما بقي من أسنان. وفي هذا المعزل الأسود كان المفروض أن أقضي أربعة أسابيع من الصمت القاتل, وانقطاع كل سبل الاتصال بعالم الأحياء, وهو وضع كفيل بأن يسلم صاحبه نفسه فريسة سهلة للجنون. ولم أكن مستعدا للاستسلام لهذا المصير .. وإذا كان جوهر الحبس الانفرادي هو حرمان المعزول من نعمة تبادل الحديث (والرأي والفكر) مع الآخرين, فإن هذه ليست مشكلة, لأنني استطيع في كل الظروف أن أتحدث مع نفسي .. وهنا, خلف هذا الباب المغلق يمكنني أن أتحدث وأناقش وأجادل وأغضب وأنفعل بأعلى صوتي دون أن أخشى حرجاً من مستمع قد يظن بي الظنون.. وحتى إذا سمع أحد وقال هذا مجنون .. فما الذي يهم في ذلك ما دامت النهاية الطبيعية للحبس الانفرادي هي الجنون؟ ومع ذلك فإن من الممكن أن يتحول الحوار الجاد بيني وبين نفسي سواء كان بصوت مسموع أو همسا بين الضلوع إلى عملية تعليمية تربوية خلاقة, تتجدد بها معارف الانسان ومعلوماته, إذا ما تناولناها بشكل منظم ومرتب, وطرحنا للنقاش الذاتي موضوعا بعد موضوع, وتكون البداية هي استعراض كل ما تعيه الذاكرة حول هذا الموضوع سواء كان موضوعا خاصا أو قضية عامة, ثم يلي ذلك شرح وجهة نظري الخاصة بشأنه, وتلمس ما بها من نواقص أو عيوب, وكذلك وجهات النظر المغايرة مع التزام منتهى الحياد, وانطلاقا من المبدأ العظيم الذي أرساه اسلافنا منذ صدر الاسلام, ألا وهو أن ما أراه قد يكون صوابا يحتمل الخطأ, وما يراه الغير قد يكون خطأ يحتمل الصواب. وهكذا حتى افي الموضوع حقه, فانتقل إلى موضوع آخر .. وكأني شخصان عاقلان يتحاوران ويتجادلان .. وبينهما ثالث يقول مرة لأحدهما أصبت, وللآخر جانبك الصواب .. ويستمر الحوار المتدفق بكل ما فيه من عناصر الاثارة, والاكتشافات الجديدة, التي تخلق بدورها معلومات جديدة وتفتح آفاقا أوسع فلا يقطعها سوى سلطان النوم, أو صوت مفاتيح الحارس في الصباح يديرها في أقفال الباب. واليوم, بعد كل هذه السنوات الطويلة وما شهدته من تقلبات وصعود وهبوط وقصور وانفلات وانتصارات ونكسات على جميع الأصعدة والجبهات العامة والخاصة على حد سواء, استطيع القول بأمانة انني خرجت من الحبس الانفرادي وحواراته الذاتية وأنا أكثر نضجا ووعيا ومعرفة مما كنت يوم زج بي في الزنزانة السوداء. شيء واحد حز في نفسي .. ولا يزال يحز فيها رغم تقدم العمر ومضي السنين. فقد حدث ذات يوم ان كان الموضوع الذي اخترته للحوار الذاتي هو (أبي) . وكما هي العادة, بدأت بفض خزانة الذكريات, منذ أيام الطفولة الأولى حتى كان آخر لقاء لي معه قبل بضعة أشهر من غيابي الطويل وراء الشمس. وبينما أنا غارق في لجة التحليل والتفسير لمئات المواقف والأحداث التي شهدتها مع أبي أو شهدها معي تبلجت أمام عيني فجأة حقيقة رهيبة, أفزعتني بقدر ما أذهلتني. تلك هي أن علاقتي بأبي منذ فترة غير قصيرة لم تكن علاقة صحية بالمرة .. على عكس ما كنت أتصور ــ وربما على عكس ما كان يتصور هو أيضاً ــ. ذلك, أنني وأنا أزعم نفسي رجلا ناضجا كامل الرجولة, ورب أسرة, وأتصدى لمشاكل الكون, وأحمل السلم بالعرض, وأناطح طواحين الهواء مثل دون كيشوت, وأحمل صخرة سيزيف فوق كتفي صاعدا الى قمة الجبل, وأنا أعلم أنها ستسقط قبل أن أصل لأعود فأحملها من جديد. أنا, بكل هذا الجبروت الذي ادعيه لنفسي ما زلت أتعامل مع أبي من نفس منطلق الطفل الذي يحبو على أربع. الطفل الذي يتوقع دائما العطاء من أبيه .. دون أن يخطر بباله لحظة واحدة أن الأب في هذا العمر قد يكون أحوج إلى حنان الولد من ولده اليه. ويعلم الله كم دموعا ذرفت في ظلام الزنزانة الكئيب وأنا أقسم أن أعوض أبي عن كل هذا التقصير عندما أعود الى الحياة. ووضعت مئات الخطط والمشاريع, وتصورت نفسي وأنا أطوف به حول الكعبة, وأنا أزور به أماكن كنت أسمعه دائما يتمنى أن يراها .. وأنا أرعاه وأدلله كما تفعل الأم مع وحيدها .. وأنا أقدم اليه كل يوم هدية أعلم تماما أنه ليس بحاجة اليها. ولكنه للأسف .. لم يطل به العمر حتى أخرج اليه. ومثلما يموت كل الناس .. مات. ولعل أكثر ما أفجعني في وفاته أنه رحل .. قبل أن أحقق له ما كنت أتمناه.