مآسي البحر مروعة وافراد عائلة من رجال ونساء غرقوا في جالبوت بين شعم ودبي، شعم كانت مصدر المانجو والتين والبرتقال بينما اختفت الآن كل الفواكه منها، في الماضي البعيد حينما كانت الحياة غير ما هي عليه الآن من قساوة وجفاف لم يمنع ذلك اهل الديرة من الابداع والمشي على طريق الفن. فقد كان الوالد عيسى سيف المالكي احد من ابدعوا في الماضي وذاع صيتهم مع صدى البحر ينشر (النهام) . وبالرغم من تخطيه الثمانين من العمر الا انه لايزال كما كان في سنوات الصبا قويا نشطا يمسك بالبحر ولا يريد الابتعاد عنه فهو يقضي جل وقته على ظهر طراد للصيد او جالس في ورشة خاصة اقامها الى جوار الشاطىء بشعم ليداعب فيها وسائل الصيد وينظمها ويعالج ثقوبها وينفض غبارها. واكثر ما يميزه عن غيره من كبار السن ان الوالد عيسى المالكي لديه كم هائل من الذكريات ومصارعة الحياة ولاشيء يمنعه من الحديث عن الذكريات بتفاصيلها الدقيقة من اسماء للاشخاص والاماكن فضلا لما في جعبته من مئات الابيات من اشعار النهام يستطيع ترديدها بصوت مسموع. ولد الوالد عيسى المالكي بمنطقة شعم وهو احد افراد اسرة مكونة من اربعة اشخاص هم والده سيف ووالدته عائشة بالاضافة الى اخته الوحيدة وقد ضمهم جميعا بيت مكون من غرفة واحدة يحيط بها سور صغير مصنوع من احجار الجبال. يقول الوالد عيسى المالكي: كان مجتمعنا محصورا في مساحة ضيقة تحدها الجبال من الخلف والبحر من الامام ويعني ذلك انه لامفر من خوض حياة قاسية ومريرة مشيا على اقدام حافية او في محمل يمخر عباب البحر صيفا. ولان والدي رحمه الله كان داريا بعظمة المواجهة التي تنتظرني فقد حرص على تدريبي وتأهيلي على تحمل المسؤولية وانا لم اتخط مرحلة الطفولة وذلك بان كان يصطحبني الى البحر لارى الاستعدادات التي تسبق رحلات الغوص وصيد الاسماك وهي تتضمن تجهيز المعدات والمحامل ووسائل الغوص مثل الفطام ويستعمل لمنع دخول المياه الى انف الغواص والمغلقة التي مهمتها فلق الاصداف وكذلك الخيط الذي يحمي اصابع اليد من حواف اصداف اللؤلؤ وحصاه الغوص والزيبن الذي من فوائده زيادة وزن الغواص ليتمكن من الوصول بسرعة الى اعماق البحر. وكيس من القماش اسمه بحري يستعمله الغواص لجمع ادواته اثناء الغوص. كما تعرفت في الطفولة على وسائل الصيد مثل القرقور والخيط المستخدم في صيد سمك القباب وخيط الصاروخ الذي يصطاد به سمك الكنعد والحلقه لصيد الجرجور والكابر لصيد سمك النهم والخرواشي المستخدم مع شباك الصيد والشيبال يستعمل على الجرجور او لشباك العامله والقرعة المستعملة لتحديد مواقع الشباك في البحر والصيرم الذي يستفاد منه في نقل السمك من السفينة الى السوق وهو مصنوع من سعف النخيل. وفي مزرعة النخيل عرفني والدي على المنيور وهو اداة تساعد على سحب المياه والصوبى والحابول الذي يستعمل في ركوب النخيل والمنفض الذي يستخدمه المزارعون في تنزيل التمور من النخلة والشكنة المستعملة في تنظيف النخلة والمخلبة والمحشن الخاص بقص الحشيش والمسجاه التي تساعد في مهمة تنظيف الحقل الى جانب آلة الداس التي يستخدمها المزارع في تنظيف النخلة ومحراث الارض المصنوع من الخشب. ويستطرد قائلا: كانت بعض الاغراض المتعلقة بالزراعة تحتل لها مكانا بارزا من بيتنا واذكر ان من بينها إناء مصنوع من السعف يعرف باسم المخرافة وهي تفيد الاسر في خزن الرطب والكيسة التي تستعمل في جلب البصل والبطاطا. لم تمض مسيرة الحياة كما كان يتمنى الوالد عيسى المالكي فقد توفى والده سيف وهو طفل اي حينما كان عمره 11 عاما. يقول: لا انسى ذلك اليوم الذي انتقل فيه والدى الى رحمة مولاه فقد بكاه اهل الفريج جميعا رجالا ونساء واطفالا وكنت انا وامي واختي اشدهم حزنا. وبعد ايام قليلة انتهى العزاء ووجدت نفسي شخصا ضعيف الجسم وصغير السن وامام مسؤولية كاملة بلغت ذروتها حينما قررنا بيع البيت والنخيل لسداد دين كان في ذمة والدي وهو مائة روبية التي تعتبر مبلغا باهظا في ذلك الوقت وليس من السهولة بمكان جمعها من الناس او من العمل ولذلك اضطررنا لبيع ممتلكاتنا التي هي عبارة عن البيت والنخيل ولم تعترض امي او اختي على ذلك رغم الظروف القاسية التي تحيط بنا, اذ كنا جميعا اشد حماسة لعملية البيع التي هدفها تبرئة ذمة والدنا وهو في القبر. ويضيف: بعد الانتهاء من اجراءات البيع وهي بسيطة جدا قياسا بما هو متبع الآن ويرجع السبب في ذلك الى امور عدة منها الثقة التي كانت متوفرة بين الناس حيث ان كل المواثيق على عمليات البيع كانت تتم شفاهة في حضور الاشخاص كشهود وليست من حاجة لكتابتها. وعلى كل فقد تم البيع وانتقلت مع امي واختي الى منزل آخر في ذات المنطقة استأجرناه بمبلغ 6 روبيات سنويا ومن ثم اتجهت انا الى البحر لاعمل على شاحوف كان من املاك والدي وقد نجا من البيع حينما تمت تغطية المبلغ الذي كان في ذمة والدي قبل وفاته ببيع البيت والنخيل, وكانت اسر معروفة في منطقة شعم لديها هذا النوع من المراكب التي تستخدم في اغراض الصيد وما زلت اذكر منهم خليفة بن مصبح وعيال خميس وعيال ناصر بن فهد بالاضافة الى اسرتي. ويستطرد الوالد عيسى المالكي قائلا: رغم صغر سني فقد مارست المهنة بكفاءة عالية ووفقني الله في حصد الكثير من الاسماك التي كنت اطعم منها اسرتي والجيران وابيع منها حيث كنا نشتريها بـ 20 روبية ويوجد في المنطقة من اشتهر بصناعتها مثل سعيد بن حمد ومحمد اسماعيل وشخص آخر اسمه حيدر. واذكر ان الجراجير كانت تصنع من السعف اما افضل الاسماك التي كنا نصطادها هي الحمراء, الشعري, النقرور, الجش صل, الزريدي, القفدار ولد الفرو, وسلطان ابراهيم, الهامور. اعماق البحر لكن الوالد عيسى المالكي لم يرض بأن يكون قريبا من الشاطىء حيث كان دائم النظر الى اعماق البحر وهو يعلم علم اليقين ان وصوله الى الاعماق لا يمكن ان يتحقق إلا على ظهر محمل الغوص. يقول بالفعل تعلقت بالغوص قبل ان اراه وكان ذلك نتيجة رغبة ملحة في التعرف على اعماق البحر وزاد من ذلك اعجابي الشديد بأصوات النهيم التي كلما سمعتها تسبح بي في عالم بعيد من الامواج المتلاطمة وكثيرا ما وجدت نفسي مشددوا برغبة السفر معهم لاكون قريبا من النهيم. وهنا يتوقف الوالد عيسى المالكي برهة قبل ان يعود مرة اخرى الى الحديث ليقول: كنت في الـ 15 من عمري عندما تأبطت لوازم الغوص وودعت امي ورضيعتي وغادرت المنزل متجها الى حيث يرسو محمل عيال حمد بن سالم مستهلا اول رحلة غوص في حياتي.. وامام المحمل كان يقف على البر النوخذا سالم يرحب بفريق الغوص الذي سيسافر وحينها داختلني مشاعر من الخوف لا اعرف لها سبب غير اني لم اشأ ان اكون خائفا امام النوخذا الذي يحظى بتودد كل من في المحمل فصعدت بقوة الى داخل المحمل حتى اعتقد من شاهدني اني صاحب خبرة واسعة في اسفار الغوص. ويمضي متذكرا: قبيل مغيب الشمس تحرك بنا المحمل مبتعدا عن الشاطىء وفي غضون ساعات كنا في اعماق البحر الذي كان هادئا وكأنه يرحب بمقدمي كمسافر لاول مرة فوق عبابه. وفي الصباح الباكر جرت عملية استكشاف لمواقع الغوص حيث يرمى بحصاه تعرف باسم (بيمر) فاذا جاءت من القاع بمادة حمراء فإن ذلك يعني ان الموقع مملوء بالمحار ومن ثم يأمر النوخذا المحمل بالتوقف لتبدأ مهمة الغوص وفي حالة خلو الموقع من المحار ينتقل المحمل الى مكان آخر لتتم عملية استكشاف مماثلة. ويقول عندما يأمر النوخذا رجاله برمي المجاديف يبدأ النهام عمله ليبث روح الحماس في الغواصين الذين يقفزون إلى الماء وكأنهم في مهرجان أو مسابقة للسباحة ويواصل الوالد عيسى المالكي ذكرياته فيقول كنت مشاركا في النهام حيث رددت أبياتا بصوت عذب أعجبت النوخذا وأطربت الغواصين واذكر من بينها أبياتا تقول: نار في قلبي مورايا البحر ما أظن يطفيها تشتعل في دبة احشايا كوس والقربي ازاغيها عن عجوز سمعت ابكايا بالقبر ونت لهاليها كوس جانا خلف العشايا ذكرني عن محابيبي قلت يا هلا ومرحبا وحيا ويقول كنت أقوم بتأليف ابيات الشعر على ظهر المحمل خاصة مع شروق الشمس أو مغيبها إذ تلك الأوقات لها طعم خاص مع البحر. ويوضح ان رحلات الغوص ما كان لها ان تغادر الشاطئ إلا بعد ان يأخذ النهيم مكانا فيها, ففي المحمل الواحد يمكن وجود أكثر من شخص على دراية بهذا الفن السحري ونظرا لأهميته فقد كان نوخذا المحامل لا يجدون حرجا في التنافس على المبدعين في فن النهام, ولعل أهيمته تكمن في أنه أداة مهمة للترويح عن الغواصين وزيادة حماسهم إلى الحد الذي يجعلهم لا يشعرون بالارهاق أوالتعب بل يتدافعون إلى أعماق البحر لزيادة انتاجهم. ويقول ان في الساحة البحرية كانت توجد عناصر اشتهرت بفن النهام امثال ابراهيم الباص من الرمس وبوخماس من شعم وسالم بن خميس أيضا من شعم. ويمضي قائلا ان الحقيقة التي يجب ان يعلمها الناس في هذا الوقت هي ان النهام له مفعول سحري في النفس البشرية العاملة في مهنة كالغوص هي أشبه بالجحيم واذكر في هذا الصدد ان شخصا اسمه سالم من الرمس كان كلما سمع النهام ازدادت حماسته وشجاعته إلى حد كسر المجداف حتى اشتهر فيما بعد بكاسر المجاديف كما اشتهر بهذه السمة كل من سالم صبيح وأخوه طارش. ويمضي الوالد عيسى المالكي في سرد ذكرياته فيقول عندما بلغت العشرين من العمر انتقلت كغواص ولم أعد انشد النهام إلا في المساء أي بعد خروجي من الماء وغالبا ما تكون أبيات النهام ذات طابع تذكيري بطاعة الله والخوف من الحساب يوم القيامة. ويستطرد ان النوخذا كان صاحب الكلمةالأولى والأخيرة ولا أحد يستطيع مخالفته وإذا حدث شيء من هذا القبيل فان عقوبة رادعة تطبق بحق الطرف الضعيف غير ان شخصا اسمه جمعة بن عبد الله الأملح من دبي كان ينظر إليه باعتباره شيخ البحر ولذلك يستنجد به الغواصون من ظلم النوخذا ويتم ذلك بواسطة قطعة سوداء ترفع على ظهر المحمل وإذا وقف النوخذا أمام تنفيذ تلك الطريقة فان على أحد الرجال ان يصل إلى محمل الأملح سباحة فيبلغه بالمشكلة وهو قادر على حلها وليست باستطاعة النوخذا رفض حكم الأملح فيها. ويقول ان بعض الذين تشاركوا في مهنة الغوص فقدوا حياتهم غرقا في البحر فضلا عن ان البحر كان يتهدد حياة الناس جميعا, فعلى سبيل المثال ابتلع البحر قوم (الشريف) رجالا ونساء عندما كانوا في رحلة جالبوت من شعم إلى دبي. ورغم ان التطور الذي شهدته الدولة في ظل قيادتها الرشيدة انقذ أبناء الوطن من جحيم الغوص إلا ان الوالد عيسى المالكي يرى من الأهمية عدم اخفاء المعاناة التي عاشها الآباء ليزيد ذلك من تمسكهم بوطنهم وحكامهم. ودعا إلى المحافظة على مهنة الصد وعدم اهمالها وتركها تحت تصرف العمالة الوافدة لتعمل على تدميرها. كما دعا إلى المحافظة على المياه الجوفية قائلا ان شعم كانت في يوم الأيام أكبر مصدر للفواكه مثل المانجو والتين والبرتقال بينما اختفت الآن كل أشجار الفواكه مع اختفاء المياه الصالحة للري. حوار سليمان الماحي