إلتمع زجاج نظارته الأنيقة, لكن بريق عينيه كان أكثر التماعا, وهو يفتح خزائن الكتب محكمة الاغلاق, ويخرج بحرص شديد ما وصفه بأنه أثمن شيء في مزرعته, على الاطلاق, ولم يكن ما أخرجه الا مخطوطا عتيقا, يوحي كل ما فيه بالقدم, وبأن عدة قرون قد مرت منذ اختتمه الخطاط بكلمات الحمد والثناء , بعد ان أتم مهمته الصعبة بنجاح. والتف من حوله ضيوفه, وهم يتأملون بحرص المخطوطات الدقيقة, التي برزت حاملة معها بهاء الزمن القديم, وبدت العناوين مذهلة, وربما لا وجود لمخطوطات مناظرة لها, الا في عدد محدود من المعاقل التقليدية للمخطوطات العربية القديمة. هذا المشهد أطل في منتصف الثمانينات في شيتا جونج, الميناء الرئيسي الواقع في جنوبي بنجلاديش, أو على وجه الدقة في ريف المدينة, في مزرعة تتلوى الطرق المفضية إليها, وكأنها متاهة تمضي بك من المجهول الى المجهول. وصاحب الدار لم يكن إلا أحد وجهاء شيتا جونج والذي درس في الأزهر, وورث هذه الثروة من المخطوطات عن أسلافه, وبدا بوضوح انه يعرف أي كنز يغلق عليه خزائن الكتب العتيقة. وأمطره جمع الصحافيين الذين كانوا ضيوفه, أو بالأحرى ضيوف حكومة بلاده, ومضت بهم في جولة شملت هذه المزرعة, كإشارة الى وجود جسور انتقلت عليها الثقافة الاسلامية العربية, وظلت جذورها قوية في أرض بنجلاديش. وأكد الرجل أن مجموعة مخطوطاته معروفة عالميا, ومفهرسة, وموجودة في القوائم العالمية, وأنه تلقى عروضا من جهات كثيرة لشراء بعض مكونات هذه المجموعة, لكن البيع هو المستحيل بعينه, لأن وصية أجداده تحرم تحريما مطلقا هذا التفريط في تراث الأجيال. عين فضولية امتدت الى مخطوط في ركن منزو من الخزائن المغلقة, ولا سبيل إلا الاطلال عبر الزجاج على العناوين المذهبة على الأغلفة. صاحب هذه العين الفضولية رأى ما لم يصدقه, ففي هذا الركن القصي من العالم رأى مخطوطات عربية, منقولة عن السنسكريتيه لنصوص لا أحد في العالم يعرف انها نقلت إلى لغتنا الجميلة, إلا في القرن العشرين, وعن طريق لغة وسيطة, كالانجليزية أو الفرنسية. ومعروف للكافة أن العرب, في زمن الشموخ, نقلوا عن كل الحضارات البارزة, التي احتكوا بها, في شتى المجالات والميادين, عدا ما يتعلق بأديان أصحاب هذه الحضارات وانعكاسات هذه الأديان في الأدب والفن. والسر في ذلك واضح وبسيط, وهو ان المسلمين انطلقوا إلى الدنيا حاملين رسالة حضارية, جاءت نورا لهداية البشر في كل زمان, ومكان, ومن الطبيعي ألا يقبس حملة هذا النور إلا ما يدعم نورانيتهم, أما أن يملأوا أكفهم من ظلاميات قديمة فأمر هو المستحيل بعينه. وبخلاف ذلك, فقد نقل العرب من كل علم وفن ما يفيد في أمور معاشهم ودنياهم. صاحب العين الفضولية رأى, ومن رأى ليس كمن سمع, مخطوطا صغيرا بالعربية, منقولا عن السنسكريتيه, يضم (الكاماسوترا) ما غيرها! ابتسم صاحب المزرعة, وقطب جبينه, في آن, وهو يحدث صاحب العين الفضولية, قائلا انه بحسب ما يعرف فإن هذه المخطوطة هي الوحيدة من نوعها في جنوبي شبه القارة, وان شركات مزادات عالمية عرضت عليه بيعها, متوقعة ثمنا يعادل ما يفوق قيمة المزرعة, التي تضم خزانات المخطوطات, لكنه ما كان يستطيع ان يخالف وصية أسلافه, وهكذا بقي المخطوط في خزانته, وراء الزجاج المغلق, في قاعة أقرب إلى قاعات القلاع القديمة, المحصنة, التي لا سبيل إلى الوصول إليها إلا بإذن أصحابها. ولكن ما الذي أتى بهذه الحكاية القديمة إلى سطح الذاكرة؟ لا أدري بالضبط. وربما كان تألق يوم الكتاب العالمي الذي ستحتفي به الدنيا كلها غدا, وتقيم له تظاهرات شتى, أحسب ان من المسلم به ان عالمنا العربي لن يشارك فيها, فمن يقرأ ومن يسمع كما يقولون حقا. ولكن من المؤكد ان هذه الذكرى طفت إلى السطح مع تأمل حال المخطوطات في الامارات والخليج بل وعالمنا العربي بأسره. ويكفي ان أشير الى (اختفاء) ألوف المخطوطات من أحد مساجد اليمن, مؤخرا, كأنما بسحر ساحر, ويكفي ان تعرف ان انتقال دار الكتب المصرية من مقرها العتيد في باب الخلق الى كورنيش النيل قد اقترن بــ (اختفاء) مماثل لمخطوطات عديدة لا مثيل لها, وليس لها صور ميكروفيلمية في دار الكتب نفسها. وغني عن البيان ان المخطوطات كائنات فريدة لها حياتها الخاصة وجمالياتها وأن عاديات الزمن تتربص بها, وبينما تتطور أساليب العناية بها وإطالة عمرها في العالم كله فإنها تنحسر وتتراجع في عالمنا العربي. ومنطقة الخليج تتميز بوجود أعداد هائلة من المخطوطات, لا يزال جانب كبير منها في اطار المجموعات الخاصة وبيد الأهالي وفي المكتبات العائلية. وهذا الوضع له مخاطره, فهو يعرض المخطوطات إلى التسرب إما بحكم عدم معرفة البعض بقيمتها الجليلة أو بحكم تفريط البعض فيها, كما يعرضها للتلف في حالة اهمالها, ويعرضها للعديد من المؤثرات السلبية الأخرى. هنا يأتي دور الحكومات والمؤسسات الثقافية والمتاحف والمكتبات العامة ورجال الأعمال ممن لهم اهتمامات بالثقافة, فلماذا لا تضع هذه الجهات في صدارة اهتماماتها الحصول على المخطوطات بتبرع أصحابها أو بالشراء منهم أو بالاستعارة طويلة المدى أو بغير ذلك من الوسائل بما يكفل الحفاظ على أهم المخطوطات الموجودة في المنطقة؟ وإذا كانت هناك جهود نبيلة تبذل لاستعادة الآثار والقطع النقدية وغيرها من المتعلقات بتاريخ المنطقة الموجودة في الخارج فلماذا لا تمتد هذه الجهود النبيلة لتشمل المخطوطات أيضا وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ المنطقة من دون ان يقتصر ذلك على المخطوطات العربية وانما يمتد الى المخطوطات والتقارير والرسائل المدونة بالبرتغالية والفارسية والانجليزية والفرنسية وغيرها من لغات العالم؟ وإذا كان من حسن حظ أبناء منطقة الخليج أنه قد وجدت على أرضهم مراكز مميزة مثل مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي ومركز الفيصل في السعودية, فإن السؤال المنطقي الذي يفرض حضوره هنا هو: لماذا لا يوجد مجلس أو مجمع أو لجنة للتنسيق بين هذه المراكز وتوحيد جهودها ومنع ازدواج مشروعاتها وضمان تحركها جماعيا كقوة فاعلة فيما يتعلق بكل القضايا الخاصة بالمخطوطات وخاصة على الصعيد العالمي؟ ربما يمكنني القول ان هناك نواة جهد من هذا النوع, ولكن ما أعرفه ان هذا التوجه لم يتم المضي به قدما, وفق ما كان مأمولا ومتوقعا. والسؤال الآن هو: لماذا؟ أعرف, كما يعرف غيري, ان التحرك في مثل هذه النوعية من الأنشطة يسير عادة على مهل. وهذا صحيح ولكنني أعرف أيضا ان هناك فرقا بين التحرك على مهل وعدم التحرك على الاطلاق. ويظل أمرا مدهشا حقا ان أكبر اهتمام تحظى به المخطوطات العربية في العالم يتم خارج العالم العربي, سواء في الاسكوريال باسبانيا أو في تركيا أو في فرنسا أو حتى في الولايات المتحدة. حقا ان هناك اضاءات مميزة, كالتقنيات الراقية في الاهتمام بالمخطوطات, في دبي وجدة, ولكن هذه الاضاءات تظل الاستثناء لا القاعدة, وتبقى الانجاز في امتداد يبدو لا نهائيا من اللامبالاة. ومن يدري ربما يمكننا ان نصل ذات يوم إلى تحقيق علاقة الحب الحقيقية بيننا وبين المخطوط العربي التي امتدت فوصلت بوشائج العشق بين ذلك الأزهري القديم في شيتا جونج وبين المخطوطات التي ورثها عن أجداده, فأقسم ان يضمه تراب مزرعته قبل ان يبيعها أو يفرط فيها أو يتركها تتداعى بفعل الزمن, وهو هناك زمن صعب بكل المعايير. من يدري ربما يطل في الغد جيل عربي جديد, يدرك حقا انه لا غدا واعدا بلا أمس راسخ, ومن ثم يبذل جهدا أكبر في مد النسغ في عروق المخطوطات العربية, هذا الجزء البديع من ماضينا الحي.