كنت جالسا في غرفة استراحة الاساتذة, انتظر موعد محاضرتي, بعد ان وصلت مبكرا عن الموعد بكثير, فجلست اطالع كتابا لم اكن انهيته, واستغرقت في القراءة التي لم يصرف انتباهي عنها سوى دخول صديقي عاشق الشعر القديم الى الغرفة, مثيرا العواصف التي تلفت الانتباه الى حضوره كالعادة , وما ان رآني حتى اقبل علي اقبال المتحدي, وقال لي هل رأيت؟ وهل صدقت ما قلت لك عن اصحاب الشعر الزائف الذي لا ينتسب الى الشعر الحق؟ لقد تكاثرت الادلة على كلامي ومنها هذا الدليل الجديد واخرج صديقي من حقيبته مجلة اسبوعية انيقة الطباعة, لم ألمح عنوانها لان صديقي فتحها على صفحتين من المنتصف وقال لي دون ان يتيح لي حتى فرصة معرفة ما في الصفحتين: اسمع هذه النماذج التي استشهد بها المحرر في التحقيق الذي كتبه تحت عنوان (جناية الحداثة على ديوان العرب) . ولم يدع لي صديقي حتى فرصة السؤال عن هذا الذي يريد ان يسمعني اياه وتهيأ للقراءة قائلا: استمع الى ما اقول وما اقرأه عليك اولا, وبعد ذلك قل لي رأيك الذي لابد ان اسمعه بعد ان اقرأ عليك ما اريد وليس قبل ذلك. وقال صديقي في لهجة الظفر: هل تعرف ان هناك ديوانا عنوانه: (تماما الى جوار جثة يونسكو) . قلت: نعم. قال: فاسمع منه هذا المقطع وقرأ من اسطر المجلة مقطعا يقول: حشرات الصدأ

تزحف من انوفنا

تصعد خيطا مطاطيا

سحابة من الغربان

يطلقها سيجاري

بينما تعود الوطاويط الى انفي

الصراصير التي تؤذن في السحر

تقتات على اذني

وقبل ان أنطق كلمة واحدة بادرني صديقي بما يشبه التشفي قائلا: وهل تعرف ديوانا عنوانه (أنا) ؟ قلت: لا, لم يحدث لي الشرف, فقال لي: اذن, فليحسن بك ان تسمع منه هذا المقطع: أحسد فئران البالوعات

التي تجري طوال اليوم

بلا فوبيا

تدفعها المرة بعد الأخرى

للتوقف والتساؤل

وقبل أن أهم حتى بالسؤال, باغتني صديقي بقوله: ولن تعرف كذلك ان هناك ديوانا ثالثا عنوانه (من أنت) يقول فيه صاحبه: كيف استنتجت لعينيك عماصا

يكفي هذا النوم؟

النافورة: دموان مختلطان

ودمامل مختنقات... بصديد

وما كدت أنطق حتى أسكتني صديقي بقوله: وأنا واثق أنك لا تعرف أن للشاعر العراقي عزيز الحاج ديوانا بعنوان (أوراق الخريف) يقول فيه: عندما هاج عليّ طنين الذباب

ولدغتني البعوضة

تذكرت قوله وهو يعبث

بأقلامي وأوراقي

ولم يسكت صديقي بل مضى قائلا, وهناك ديوان آخر لشاعر من سوريا اسمه حسين درويش بعنوان (قبل الحرب, بعد الحرب) يقول فيه: القناص يمد لسانه

ويبصق الدم

لا وقت لفردة الحذاء العالقة

ولم يلتقط صديقي أنفاسه فأضاف قائلا في حماسة صاخبة: وعندك ديوان هدى حسين الشاعرة

المصرية التي تقول:

شيء عظيم سيحدث

وعليّ ان أبقى كي استوعبه

كأن تعلو كومة الروث

في مرحاضنا الابيض الملائكي

وما ان فرغ صديقي من انشاده الذي لم يخل من نبرة ساخرة هادئة متهكمة في كل مقطع, حتى بادرني باسئلته الاستفزازية: هل هذه الحداثة؟ هل هذا الكلام المنتن يدخل في دنيا الشعر؟ هل تقبلون أنتم أيها النقاد هذا الكلام؟ أليست هذه هي النتيجة الطبيعية لنقدكم الذي هجر وظيفة التقويم والتقييم, خوفا من ان يواجه العور بعورهم, واكتفى بمهمة التحليل والتفسير؟ أليس في مثل هذه المقاطع ما يؤكد جرمكم أيها النقاد الذين ظللتم تتحدثون عن ضرورة التجريب, وأهمية التجريب, وحرية التجريب, وطليعية التجريب, وجسارة التجريب, حتى تقيأ هؤلاء ما تقيأوا باسم التجريب؟ أليس هذا هو آخر مطاف قصيدة النثر التي حررتموها من الوزن والقافية, وقبلتم تحررها من الايقاع عندما حدثتمونا عن اللامقامية في النغم الشعري والايقاع المضاد للايقاع, فانتهى دفاعكم عن هذه القصيدة الى ان عريت من كل ما ينتسب الى القصيدة, وتحولت الى أفعال استهزاء فاضح باللغة والعقل والمعنى والقيمة؟ وأخيرا, لماذا كل هذا الغرام بالقاذورات؟ أهو عشق للقبح؟ أهو غرام بالمقزز من الاشياء واستمتاع بها؟ أهو حالة نفسية صادية مازوكية, أعني حالة تنتسب الى المازوكية التي هي تعذيب للنفس واستعذاب لألم التمزز بالمنتنات, أو حالة سادية تنتسب الى نزعة تعذيب القراء وترويعهم بكل ما يثير فيهم رغبة القيء والغثيان؟ ظللت صامتا, أتطلع الى وجه صديقي الذي كانت ملامحه تتبدل بتبدل نبرات صوته ودرجات التهدج في أقواله, وصبرت عليه الى ان فرغت شحنة غضبه في اسئلته التي تدافعت كطلقات الرصاص, تحمل من مشاعر الغضب والغل والسخط والاحتجاج والرفض والتأفف ما أدهشني وما لم أكن أتصور ان صديقي يختزنه في أعماقه بل ما لم أكن أتوقع ان تثيره في داخل صديقي عاشق الشعر كل هذه الدواوين التي اعترف انني لم أطالع الكثير منها. ولم أشأ ان أشاكس صديقي وهو في هذه الحالة الانفعالية الساخطة التي أرى لها بعض التبرير فيما انتهى اليه الشعر على أيدي من يصرون على الانتساب اليه دون موهبة أو رؤية أو معرفة أو تجربة. ولم أملك سوى ان أقول لصاحبي: معك الكثير من الحق في غضبك وانفعالك, ولكن قبل ان تسرف على نفسك وعليّ في الغضب والانفعال والاندفاع مع هذه الاسئلة المتدفقة المتكاثرة, ألا ينبغي لك أن تتساءل أولا, وأنت الأستاذ الجامعي, عما إذا كانت هذه المقتطفات التي أنشدتها ساخرا موجودة على هذه الصورة في الدواوين المنقول عنها, وأنه لم يحدث فيها تحريف, ولم تقتطع من سياقها على طريقة: لا تقربوا الصلاة؟! ولم يدعني صديقي أكمل, وقال مندفعا: لا ياسيدي, لا حاجة بي الى هذه المراجعة, فأنا بنفسي قرأت من هذا الكلام القبيح الكثير, ولو شئت لجئت لك بما هو أكثر بكثير من الموجود في هذا التحقيق, بل بما هو أفظع منه, وأنا أعرف انك تعرف مثلي, بل أكثر مني, عشرات من نماذج هذا الكلام الذي اطلقت عليه ــ أنت وليس غيرك ــ صفة الكلام الرطيط. كل ما في الأمر انك تكابر كعادتك, ولا تريد أن ترى ما انتهى اليه حال الشعر على ايدي هذه الزعنفة التي لا تسيء الى الشعر بل تسيء الى كل ماهو جميل في الحياة. وحذار ان تحدثني عن التجريب, وضرورة ان نترك هؤلاء الشبان يكتبون كما يشاؤون, وان نترك تجاربهم للزمن الذي يتكفل بإبراز السالب والموجب فيها, فهذا الكلام هو تبرير الخائفين من النقاد, أولئك الذين يخافون ان يسموا الرداءة بصفات الرداءة, ويمايزوا بين القبيح الجميل, ويهربوا من الحكم بالقيمة الى نوع من الإرجاء الذي هو عجز وجبن وخوف وتخل عن المسؤولية. ولابد أن تعترف انكم أيها النقاد. عندما تخليتم عن مسؤولية التقييم, فتحتم الباب لكل من هب ودب, وساعدتم على ان يختلط الحابل بالنابل, وهجرتم التقاليد العظيمة في صناعة النقد. وقبل ان تسألني عن هذه التقاليد أقول لك إنها التقاليد التي كانت تدفع طه حسين إلى أن يوجع ابراهيم ناجي بنقده اللاذع الذي قصد به أن يدفعه الى الامام. ويرفع سلاح القيمة عاليا ليواجه الزيف, ويحمي التجارب الجديدة الاصيلة من الاختلاط بالتجارب الزائفة. قلت لصاحبي: قبل أن تستطرد, وتنتقل من الموضوع الذي تتحدث فيه الى غيره, دعني أوافقك على ان النقد الادبي لا ينبغي ان يتخلى عن دوره في التقييم, وان النقد كما افهمه هو ممارسة تبنى على عمليات ثلاث لايمكن الفصل بينها, ولا الاستغناء عن واحدة منها, اعني عمليات التحليل والتفسير والتقييم. وازيدك فأقول ان مجموعة من النقاد عمدت الى التخلي عن التقييم, حرصا على السلامة. من غضب المبدعين, واستجلابا للنفع الذي يمكن ان يترتب على نقد المؤلفين الذين يشرفون على صفحات ادبية أو يشرفون على محلات أو مؤسسات مهيمنة, فاشتروا الضلالة بالهدى, ولكن ربحت تجارتهم ماديا وان كانت قد خسرت معنويا للاسف, ولكن هذا شيء وما نحن فيه شيء آخر. ولم يدعني صديقي اكمل كلامي, وصاح في وجهي قائلا: بل هذا من ذاك, ولولا سكوتكم عن التقييم ما قرأنا هذا الكلام الرطيط, قلت على سبيل المداراة: لكن لو كان هذا صحيحا فلا تأخذ العاطل بالباطل, والبريء بذنب المسيء, ولا تظلم الحداثة او التجريب او النزوع الطليعي او محاولات التمرد بان تنسب اليها ما ليس منها بالضرورة, وما لا ينتسب اليها على سبيل الحتم, واحسبك تعترف ان من بين شعراء الحداثة من يرفضون الكلام الرطيط رفضا حاسما, واضحا وصريحا ومعلنا, وان التجريب يثمر الجيد والرديء و النزوع الطليعي الذي هو رأس الحربة في حركة التجديد قد يصيب غرضه وقد يحيد عن الغرض, والتمرد الذي يمكن ان يؤدي الى الجنون او العبث لابد منه حتى تتحرر عناصر الثبات من جمودها, فكن عادلا ولا تتعجل الحكم على الاشياء, وتعال نضع هذه المقاطع في سياقاتها داخل قصائدها, وداخل دواوينها, لا لكي نبرر الرداءة وانعدام القيمة وانما لكي نكون موضوعيين في الحكم حتى لو كان بأقسى احكام الرداءة. قال لي صديقي مرتابا: لن اجادلك كثيرا فيما تقول, لاني اتوخى مثلك الموضوعية, ولكن, يا اخي لقد اتسع الخرق على الراقع, وبلغت الروح الحلقوم, وانا اخشى ان تخادعني بمعسول النظريات النقدية المحدثة التي تتقنها, ولن اسمح لك بتبرير الرديء او القبيح بأي حال من الاحوال, قلت لصديقي: لا تخش من ذلك شيئا, فلا يوجد ناقد يحترم نفسه يقبل الرديء او القبيح ما ظل مؤمنا بمعنى القيمة الجمالية ويقرن هذه القيمة بقدرة الفن على اثراء الحياة بواسطة اللغة ومن خلال اللغة وداخل اللغة في الوقت نفسه, كل ما في الامر اني احاول ان انظر معك فيما اثرته داخل سياقه الاوسع, من منظور القيمة التي اعترف لك انها انعدمت كثيرا في شعر المبتدئين الشباب, ففقد الشعر في كتاباتهم اسمه ومعناه وغاياته, قال صاحبي: ونتيجة ذلك انقلب شعرهم الى شعر صراصير, قلت: للاسف, حدث ذلك, لان الشعر يفقد كل صفاته اذا تدنى به كاتبه, وافرغه من القيمة الشعرية لمجرد الاستفزاز الذي وراءه شيء, ولكن دع تفصيل ذلك الى لقاء آخر, فقد ألهيتني عن موعد محاضرتي التي بدأت منذ عشر دقائق, فدعني ألحق بالطلاب قبل ان ينتهزوا الفرصة ويغادروا قاعة الدرس.