بعض سياسات الدول الكبرى ازاء العالم الثالث تجعل الواحد منا يكاد يستلقي على قفاه من فرط الضحك, وبعضها الآخر تجعله ينبطح على وجهه من فرط الغثيان . اما ان يتملك المرء الضحك والغثيان معا في وقت واحد فان هذا لا يحدث الا مع سياسة الولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط, وموقفها من الصراع العربي الاسرائيلي الذي تزعم واشنطن بشأنه انها مجرد وسيط وفاعل خير. بينما واقع الحال يؤكد وفي كل حين انها طرف أصيل, بل هي قلباً وقالباً أحد الطرفين. ولنترك جانبا الانحياز السياسي ــ والعسكري احيانا ــ الذي لا تخفيه الادارة الامريكية للعدو الاسرائيلي... فقد قيل ومازال يقال في هذا الانحياز مالا تكفيه المساحة المحددة لهذا المقال... ولنأخذ منه جانبا واحدا فقط لعله ليس أهم الجوانب, الا وهو موضوع المعونات الخارجية الامريكية الهائلة لاسرائيل (خمسة ملايين نسمة) ومصر (62 مليونا) . ومنذ نشأة برنامج المعونات الامريكية للخارج, ما برحت الادارة الامريكية تؤكد بمناسبة وبدون مناسبة انه ليس لهذه المعونات أي هدف سياسي اللهم إلا مساعدة البلدان النامية على (الاستقرار) ومكافحة الفقر الذي يفتح الباب ــ حسب تصورات واشنطن ــ للتغلغل الشيوعي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي. غير ان التجربة أثبتت ان هذا الزعم لا يصدق أبدا الا مع المعونات الممنوحة لاسرائيل. فالولايات المتحدة لا تستخدم معوناتها السخية أبدا للضغط على اسرائيل حتى تفتح الباب امام مسيرة السلام في الشرق الاوسط بالرغم من حقيقة ان السلام في هذه المنطقة هو الضمان الوحيد للاستقرار الذي يعتبر مطلبا استراتيجيا لا غنى عنه لدى امريكا في هذه المنطقة. اما فيما يتصل بالبلدان العربية, خاصة مصر باعتبارها اكبر البلدان العربية استفادة من المعونات الامريكية فان واشنطن لا تتورع عن اتخاذها وسيلة للابتزاز. ولعنا نذكر, ما حدث مؤخرا عندما لاحت في القاهرة بعض بوادر التمرد ضد السياسة الامريكية, خاصة فيما يتصل بالموقف من عرقلات حكومة نتانياهو لمسيرة السلام, او رفض مصر للتقارب بين اسرائيل وتركيا, وهو التقارب الذي تشجعه واشنطن وتحث عليه, نقول لعلنا نذكر ان في هذه اللحظة بالذات ارتفعت في الولايات المتحدة نغمة قطع المعونة عن مصر. نعم, لم يصرح أحد في الادارة الامريكية علنا بهذا الرأي, ولكن الابتزاز بدأ همسا على شكل مقالات في كبريات الصحف الامريكية ثم انتقل الى مرحلة اكثر خطورة عندما اوصت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الامريكي بخفض المعونة لمصر, او قطعها كلها. ومع ان الادارة الامريكية تمسكت بمساعداتها لمصر في حدود 60% من مساعداتها لاسرائيل دون تراجع واضح من جانب القاهرة الا ان هذه قدمت لواشنطن ترضيات في مجالات اخرى... مثل الموافقة على اجراء مناورات مشتركة, او المضي قدما في تدابير الخصخصة لدرجة الاعلان عن بيع هيئة الاتصالات الى القطاع الخاص... الخ. واليوم يتجدد الحديث عن قطع المعونة لمصر او استقطاع اجزاء منها نتيجة موقف مصر من مقاطعة ليبيا, ورفضها للمؤامرات الهادفة الى تقسيم العراق او تفتيت السودان... ومقاومتها لعملية الاستسلام المطلق لاطماع نتانياهو. وقد لا نستطيع ان نتنبأ بالمدى الذي يمكن ان يصل اليه الابتزاز الامريكي. ولكننا لا نستطيع ان نغفل عن اعتبارنا ان امريكا بالرغم من انفرادها المؤقت بعرش القطب الاوحد في زعامة العالم لا يمكن ان تتجاهل خطورة ضياع مصداقيتها على الصعيد العالمي كله... لان هذا هو اسرع طريقة الى ضياع زعامتها. ومع افتضاح الابتزاز الامريكي لا يملك المرء الا ان يقول بكل خشوع رحم الله جمال عبدالناصر!! ففي بداية الستينات, ومع وصول جون كيندي الى البيت الابيض رأى ــ كجزء من رؤيته الجديدة للسياسة الامريكية ــ ان يحاول الوفاق مع عبدالناصر بدلا من سياسة المواجهة. وكان لدى الولايات المتحدة حينذاك برنامج يسمى (النقطة الرابعة) هدفه الظاهر تقديم معونات امريكية للدول النامية من فائض المنتجات الزراعية الامريكية بدلا من ان يلقى به في البحر او يستخدم كوقود للقطارات من اجل الاحتفاظ بأسعاره. ولم تفلح الدعاية الامريكية في اقناع المصريين بقيمة الكرم الحاتمي للادارة الامريكية... فأطلقوا على البرنامج اسم (النكتة الرابعة) ... ونشطت الاقلام الوطنية في مصر, وفي سائر العالم العربي, لتصوير مدى الانتهازية التي ينطوي عليها برنامج النقطة الرابعة... او النكتة الرابعة. وفي هذه الظروف يتلقى عبدالناصر رسالة من الرئيس الامريكي جون كيندي.. رسالة خطية رقيقة يبلغه فيها بحرصه على الصداقة معه, ومع شعب مصر, وانه قرر منح مصر معونة قدرها اربعون مليون دولار سنويا عربونا لهذه الصداقة, من فائض المنتجات الزراعية الامريكية. واسقط في يد عبدالناصر. فهو من ناحية لا يستطيع رفض الهدية الا اذا كان هذا اعلانا بالعداء لامريكا في وقت لم تكن مصر مستعدة فيه لتحمل تبعات هذا العداء... ومن ناحية اخرى فهو لا يستطيع ان يستبعد احتمال ان تستخدم امريكا فيما بعد هذه المنحة السخية كوسيلة للابتزاز وفرض ارادتها على القرار المصري. واخذ عبدالناصر يستشير من حوله... وجاءت المشورة الصادقة من جانب خالد محيي الدين, ثالث ثلاثة في قيادة تنظيم الضباط الاحرار, وكانت الظروف قد أبعدته الى حين عن الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم, ولكنه عاد اليها في اعقاب العدوان الثلاثي عام 1956. وكان الرأي الذي اتفق عليه الجميع, هو الا يرفض عبدالناصر الهدية الامريكية ولكن بشرط الا تدخل في صلب الميزانية والا يعتمد عليها أبدا كجزء من موارد الدولة... بحيث اذا حدث وانقطعت, لن يؤثر ذلك أبدا على الوضع المالي للدولة. وهكذا, وافق عبدالناصر على قبول ما قيمته 40 مليون دولار سنويا كمنحة من فائض المنتجات الزراعية الامريكية, على شكل لبن جاف ومنتجات البان وفول صويا ومعلبات فاكهة وخضروات, على ان توجه كلها على شكل وجبات اضافية لتلاميذ المدارس الابتدائية والمستشفيات والسجون والجمعيات الخيرية... ولم يدخل ايرادات الميزانية الحكومية منها فلس واحد وهكذا, فعندما أعلن الرئيس الامريكي جونسون قطع معونة النقطة الرابعة عن مصر بعد ذلك بسنوات قليلة, لم يزد الامر عن كونه مجرد (نكتة) لم تأخذ من الصحف المصرية حيزا اكبر من بضعة أسطر في احدى الصفحات الداخلية. ولم يشعر بقطعها أحد. ولكن... من يدري؟ ربما كان ذلك أحد العوامل التي زادت من حنق الرئيس جونسون, وعززت اصراره على التواطؤ مع اسرائيل في عدوان 1967... وهو التواطؤ الذي لم تنقطع اسبابه ونتائجه حتى الآن.