ترى؟ .. ما الذي جعل السلطان التركي عبد الحميد خان يمنح واحدا من أرفع أوسمة الدولة العثمانية العلية الى الروائي الانجليزي السير آرثر كونان دويل 1859-1930 ؟ ان الاديب البريطاني لم يقدم خدمة لها قيمتها الى الباب العالي في اسطنبول, ولا اشتهر في الخافقين بأنه من المعجبين بالعهد الحميدي ولا حتى بكبار وزرائه الذين كان على رأسهم الوزير الأول ــ البرنجي كما يقولون في التركية أو الصدر الأعظم كما كان يقول مصطلح ذلك الزمان (بالمناسبة كان السلطان عبد الحميد مولعا أشد الولع بالتغيير والتبديل فيما يتعلق برؤساء وزرائه إذ استهلك في حقبته وقد طالت, باسم الله ما شاء الله 33 سنة عددا لا يقل, في عين العدو, عن 17 رئيسا للوزارة او صدراً أعظم كان يحركهم كما يحرك قطع الشطرنج .. ما بين تقريب وإبعاد وما بين سعود ونحوس كما كانت حال النعمان بن المنذر, ملك الحيرة قبيل الاسلام, ومن ثم يقول مؤرخو الحقبة الحميدية ان الحكومة تغيرت 26 مرة بمعدل مرة كل سنة وبعض كسور مما جعل السادة ــ الصدور العظام في حال من الوجل الدائم, لا على الحظوة لدى المتبوع الأعظم ــ جناب السلطان عبد الحميد, بل في هلع من ان يؤدي فقدان الحظوة عن ساكن قصر يلدز الى الموت سواء في مياه البوسفور أو في مطابخ أو موائد الأبهة العثمانية حيث السم متوافر بغزارة لا يحسدون عليها ــ أو ببساطة الموت خنقا في الاصقاع البعيدة, وهو ما حدث بالفعل لواحد من أبرز الصدور العظام وهو مدحت باشا المعروف بأنه (أبو الدستور) و(رائد التنظيمات ــ الاصلاحات الحديثة) وقد قضى الرجل خنقا كما اكدت الروايات في بلد من بلاد الجزيرة العربية. مرة أخرى .. لماذا منح السلطان عبد الحميد نيشانا رفيعا الى السير كونان دويل؟ .. الإجابة ببساطة انه كان معجبا بالروائي الانجليزي مبدع شخصية شيرلوك هولمز الشهيرة وقد خلبت ألباب الملايين وكان من بينهم عاهل بني عثمان ــ وارث محمد الفاتح, سيد سادات اسطنبول, السلطان عبد الحميد يقول المؤرخ الفرنسي, البروفيسور فرانسوا جورجو: (ان السلطان عبد الحميد كان مولعا أشد الولع بالروايات البوليسية وخاصة مغامرات المحقق السري شيرلوك هولمز وبالطبع صديقه الدكتور واطسون, ولقد كان عبد الحميد يأمر بترجمة هذه الروايات البوليسية ومن ثم يتلونها على مسامعه حتى وقت متأخر من الليل في القصر) . وسط هذا الجو المشحون بأسرار القصور وتعقيدات الامبراطورية التي اجهدتها قرون من الصراعات الداخلية والحروب الخارجية, ناهيك عن عقلية عاهلها شخصيا وهو يأوي كل ليلة الى فراشه الوثير وفي مخيلته طيوف الجرائم وجثث الضحايا ومخططات المجرمين, ظل السلطان عبد الحميد ــ كما يشير الباحث الفرنسي ــ يعيش في خوف من مؤامرات الانقلاب ومكائد الاغتيال .. ولم تكن وساوسه على غير أساس, فقد ثبت في الواقع كيف دبروا ضده عشرات المؤامرات وحاكوا كثيرا من الاحابيل والمخططات التي تورطت فيه عناصر من اعراق شتى من مواطني امبراطورية بني عثمان وكان في مقدمتها عناصر اليهود والأرمن, ولقد ظلموا عبد الحميد .. ظلمه المؤرخون الذين صوروا عهده بأنه مجرد معمل انتاج للظلم أو ورشة تفريخ للجواسيس البصاصين الذين سلطتهم الدولة الحميدية على خلق الله في دولة بني عثمان, وظلمه الأدباء والروائيون حين اطلقوا الف عنان لخيالهم الروائي وقد اقصته الشائعات التي كانت تدور وغشيته الأقاويل التي كانت تتردد, بعضها كان يعكس واقعا يعترف به التاريخ, وبعضها من صنع خيال مسترسل احيانا أو خيال مريض بعقدة الاضطهاد احيانا .. أو خيال خبيث متحامل بالغرض ومتربص بالأهواء في كثير من الأحيان. وكم من أجيال من مخضرمي المثقفين العرب اطلت على عبد الحميد من منظور ما رواه العم جورجي زيدان, مؤسس دار الهلال في القاهرة .. وقد جاء لاجئا الى مصر في عصر عبد الحميد, ويبدو انه آثر ان يكون انتقامه من النوع الادبي الثقيل ومن ثم دفع الى النشر روايته, ضمن ما أسماه سلسلة تاريخ الاسلام وكان عنوانها (الانقلاب العثماني) وكلها تهجو عهد السلطان العثماني الذي كان يراه جورجي زيدان واضرابه في صورة شيطان يريد ان يحكم على عرش آل عثمان في الآستانة. والحق نقول ان ليس لنا, لاجيالنا الراهنة حساب تصفية مع السيد عبد الحميد خان سليل بني عثمان وحاكم بلادنا منذ قرن وثلث قرن من عمر هذا الزمان, ولكن لابد ان يكون لنا حساب نصفيه مع الحقيقة ومع التاريخ, والتصفية هنا ليست بمعنى الثأر أو التشفي ولكنها بمعنى التدقيق والتمحيص والمراجعة, حتى لا نأخذ كل ما تلقفناه من غيرنا مأخذ التسليم. والحق نقول ايضا ان كان السلطان عبد الحميد شخصية لها ابعادها المتناقضة, ربما شأن كل شخصية بشرية لو اجزنا مثل هذا التعميم, ولقد نجيزه حين نعلم ان كل انسان فيه كل تناقضات الخير والشر, الوساوس والقلق, المخاوف والسكينة .. (ويدعو الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا) . وفي جانب السلب نجد صاحبنا عبد الحميد يود لو يدخل في أدمغة رعاياه يفتش في زواياها عن مخطط يرسم أو مؤامرة يحاك نسيجها .. وفي جانب السلب ايضا نجده يحكم الرقابة على المطبوعات والمنشورات في الداخل وفي الخارج .. ثم يزين له جلاوزته وزبانيته ومنهم بالطبع متعلمون ومثقفون ـ كيف يحول هذا الرقابة من أداة لحماية الدولة وصيانة الآداب العامة, الى حيث تصبح اداة بطش وسوط عذاب وسيفا مسلطا, لا على رقاب العباد, بل على عقول العباد, وافكار العباد وفيهم الفنان المبدع والعالم المتعمق والمفكر الذي لا يشق له غبار.. ولقد يصل الامر الى حد الفكاهة الماسخة والسخر المأساوي المجرور الى حد ان تمنع الرقابة الحميدية مثلا.. اي تطرق او اى ذكر لالفاظ بعينها صورة بها لوائح المحظورات حيث كان ممنوعا ان تذكر كلمات من قبيل (الحرية) او (الثورة) او (الاضراب) او الدستور بل كلمات من نوعية (الامة) و (الشعب) و(الوطن) . وفي مجال علم المعاجم وصنع القواميس يصدر عن المطابع قاموس عثماني في 1905 وعندما يصل الى تعريف كلمة (تايرانت) او تايران ومعناها بداهة الطاغية او الحاكم المستبد.. اذا بالقاموس العثمانلي الرصين يتجاهل هذا المعنى الاصلي المعروف ويقول ان (تايران) ـ يا مولانا ـ هو (طائر امريكي) وذلك دون ان يطرف له جفن ولا يهتز له رمش. من جانب آخر لم يكن عبدالحميد, الرجل او الرمز السلطان او العهد.. شرا كله.. وان كانت المصالح الاوروبية صورته كذلك على هذا النحو في الوجدان المعاصر, باعتراف المراجع المحدثة بمعنى التي نشرت مؤخرا بعيدا عن كليشيهات الماضي التي فتحنا عيوننا عليها تقول الدراسات الاوروبية التي احالت الى الوثائق التركية الاصيلة ان السلطان عبدالحميد كان يحيا حياة قوامها الاستقامة السلوكية كحاكم ومواطن وانسان.. يتمسك, كما يقول الاستاذ الفرنسي جورجو الذي المحنا اليه بأهداب الدين بل ويصدر عن موقف من الورع والتقوى من حيث الفروض والسنن والواجبات وباعتراف هذه المراجع ايضا نجد عبدالحميد وليس غيره يرفض ان يعطي اليهود حقا, اي حق او امتياز في فلسطين رغم ان آل روتشيلد وهم اكبر وأول ممول للحركة الصهيونية الحديثة المحوا الى انهم قادرون على اقالة الخزانة الحميدية ـ العثمانية من عثراتها مقابل ان يقول السلطان العثماني نعم لما طلبه تيودور هرتزل الصهيوني الاول والاخبث من حقوق او امتيازات في الارض العربية ـ العثمانية في فلسطين. وعبدالحميد وليس غيره هو الذي حرص على مد شبكات السكك الحديدية في اقطار شتى من الوطن العربي.. والاهم من ذلك ان عمد السلطان الى استثارة الشعور الديني ومخاطبة الوازع الديني في نفوس المسلمين من رعاياه حين دعا الى انشاء سكة حديد الحجاز تربط ما بين دمشق والمدينة المنورة عبر بادية غربي الجزيرة العربية وفي هذا يقول ان دتيور الفرنسي ايضا: ان هذا المشروع تم تشييده بفضل مساهمات مسلمي العالم كله ومن ثم تنفيذه على يد مهندسين وتقنيين من مسلمي الاتراك بل تم التنفيذ في زمن قياسي.. وجاء ليجسد قيمة رمزية عليا تؤكد ما يمكن للمسلمين ان ينجزوه في مجال فني رفيع ومعقد دون اعتماد على مساعدة من جانب الاوروبيين لا عجب ان تقرأ التفسير الهوليوودي اياه لما وصفوه في تاريخنا باسم الثورة العربية سنة 1915 فاذا بمفجرها اسمه لورنس وهو مخابراتي انجليزي غريب الاطوار ان لم نقل اشياء اخرى اسوأ وادنى, واذا بالثورة لا ترفع شعارات حرية او استقلال او تطور او ديمقراطية بل كان قصارها ومحور تركيزها هو نسف الخط الحديدي الذي كان يحمل اسم (سكة حديد الحجاز) ومن يومها تحول الخط الحديدي الى ذكريات وانقطع هذا الشريان الاتصالي المباشر ـ على المستوى الشعبي بالذات فالشعب ـ الناس البسطاء هم الذين يستخدمون القطارات واصبحت محطة سكة الحجاز مجرد مزار في قلب دمشق, مفعم بالذكريات.. بعد أن كانت تموج بالحياة في عهد صاحبنا السلطان عبدالحميد. فقط أردنا أن نشركك في سطور قرأناها مؤخرا.. وبها حاولنا أن نؤكد المعنى الذي افتتحنا به هذه الأحاديث. وهو ان ما يستجد في الحاضر يمكن أن يغير الماضي, بمعنى ان يبدل نظرتنا إليه بالحذف والاضافة والتصحيح والانصاف.. شريطة أن نكون على استعداد للتغيير وللتصحيح والانصاف وبهذا يتواصل الحوار الخلاق بين ما هو كائن وبين ما كان.. وبين ما عساه يكون وتلك من سمات الأمم الحية بالاستنارة المشوقة إلى الحقيقة بفضول البحث العلمي عن الحقيقة. والخير في هذا كله راجع إلى دراسة تزيد على ألف صفحة باشراف العالم الفرنسي البروفيسور روبير مانتران عن تاريخ الدولة العثمانية استناداً إلى مصادر تركية ذات مستندات ووثائق جاءت من مواطنها الأصلية وتجافت من ثم عن منطق (العنعنة) التي تحيل إلى المصادر الثانوية وبعضها معتم وبعضها قاصر وبعضها مغرض.. ثم لا تنس ــ أعزك الله ــ ان قرأنا هذا كله بفضل جهد مشهود قام به مترجم مقتدر من مصر العربية هو الأستاذ بشير السباعي ومن ثم يلزم التنويه بالأصل الفرنسي والمتن العربي على السواء.