اواصل الحديث في هذه (الاستراحة) عن طرائف ومواقف المطارات, وقصة اليوم تبدأ عندما قلت لاحد الاصدقاء قبيل سفري بأنني ذاهب لقضاء اجازتي لعدة ايام في بلد معين فأخبرني صديقي بأن لديه هدية لانسان عزيز عليه مقيم في ذلك البلد , وطلب مني ان اوصلها له وفي الوقت نفسه اتعرف عليه.. وبالفعل سلمني صديقي الهدية قبل ساعات من سفري وكانت عبارة عن سجادة صغيرة, سألته عن قيمتها. فقال لي بأنها تساوي حوالي ألف دولار... وعلى الفور قمنا بربط السجادة بشكل جيد وحملتها مع امتعتي وسافرت.. ووصلت الطائرة بحمد الله الى مطار البلد المقصود, وبعد اجراءات الدخول اتجهت مع المسافرين خلف العلامات الارشادية لاستلام الامتعة وبمجرد وصولها استلمت حقائبي والسجادة واتجهت نحو بوابة الخروج.. وكالعادة ومثل ما هو معمول به في كافة مطارات العالم هناك خط احمر واخر اخضر, فاتجهت الى الاخضر على اعتبار انه لا يوجد لدي ما يستحق الابلاغ عنه (للجمرك), في منتصف الطريق المؤدي الى باب الخروج اوقفني ضابط شاب بابتسامة لطيفة, وقال: الى اين يا أخي؟ قلت له: الى الخارج, فقال: كيف وانت لم تمر على الجمارك؟ فأجبته: لانه لا يوجد لدي ممنوعات فسلكت الطريق ذا الخط الاخضر, قال لي وهو يضحك: عفوا هذه الخطوط هي مجرد ديكور وسوف نبدأ العمل الرسمي بها في بداية القرن المقبل!! وهكذا رجعت الى اللون الاحمر الا انني ذهلت من ذلك الطابور الطويل الذي اجبرت ان أقف فيه وانتظر دوري لعدة ساعات بسبب التفتيش (الممل) في أمتعة مواطني تلك البلد القادمين من الخارج.. وأخيرا جاء دوري ووصلت الى الضابط الكبير والمسؤول فقابلني بترحاب وسألني عما أحمله, فأجبته لا شيء يستحق الجمرك, ووقعت عينه على هدية صديقي فأخبرته بأنها هدية من صديق لصديقه في هذا البلد, فطلب مني ان افتحها قلت حاضر, وساعدوني على فتحها, وما ان رأى السجادة حتى قال: انها جميلة حقاً.. كم يا ترى قيمتها؟ قلت وأنا ــ أتمتم ــ في ذمة صديقي الف دولار.. فقال: هل تبيعها لي, اجبته بدهشة شديدة: لا طبعاً لانها ليست ملكي كما انها ليست للبيع فهي هدية كما قلت لك.. .. بكل تأكيد لم يعجبه كلامي فترجم ذلك عملياً حيث امر مساعديه بتفتيش كافة الحقائب التي احملها واخراج ما بها قطعة قطعة.. فلم يجدوا بها الا ملابسي, ثم نظر الي بعصبية وقال: اذن عليك ان تدفع جمرك السجادة.. طبعاً لم يكن لدي خيار اخر فوافقت, عندها قال على الفور: عليك ان تدفع الف دولار للصندوق وكتب لي ورقة بذلك.. اخذت الورقة واتجهت الى الصندوق, فاذا بذلك الضابط الشاب امامي مرة اخرى فسألني: ماذا ستفعل؟ قلت سأدفع الف دولار ضريبة السجادة.. ضحك مرة اخرى وقال: اعطه السجادة وحافظ على الالف دولار.. قلت له: لن أعطيه اياها وسأدفع الضريبة وآخذ السجادة.. وبالفعل دفعت المبلغ واستلمت الرصيد ورجعت الى الضابط (الكبير) الذي بادرني بالقول حسناً فعلت, الان عليك ان تأخذ حقيبتك, اما السجادة فستأتي غداً لتأخذها من ذلك المكتب الذي أمامك.. خرجت من المطار الى الفندق, وفي صباح اليوم التالي رجعت الى المطار مرة أخرى والى المكتب المذكور, ولكني لم اجد ذلك المسؤول, فسألت عن السجادة وكان الرد عليك ان تأتي غداً.. قلت في نفسي فليكن سآتي غداً.. وهكذا مرّ يومان دون نتيجة.. وفي اليوم الثالث ذهبت الى المطار بالرغم من حالة التعب والارهاق التي بدأت تنتابني علّني اجد المسؤول او من يدلني على طريقة استرجع بها الالف دولار بعد ان فقدت الامل في الحصول على السجادة.. ظهر لي للمرة الثالثة ذلك الضابط الشاب البشوش المبتسم كعادته وقال: هل انت مسافر خلاص.. قلت: لا بل جئت استرجع الالف دولار او السجادة.. فدعاني معه الى مقهى المطار لنشرب القهوة, لبيت دعوته وجلست على أول طاولة, سألني ماذا ستفعل الان؟ اجبته: سآخذ السجادة او على الاقل الالف دولار حتى لو كلفني ذلك عشرة الاف دولار اخرى.. رد علي بسخرية وبابتسامته المعهودة: انك لم تقبل نصيحتي الاولى عندما طلبت منك اعطاءه السجادة والمحافظة على الاف دولار فكانت النتيجة انك خسرت الاثنين معاً.. فما رأيك لو تربح الان عشرة الاف دولار؟ سألته: وكيف ذلك.. قال بأن تنسى الموضوع برمته ولا تجازف بعشرة الاف دولار اخرى لانك في النهاية لن تجدها وستخسرها.. اذن حسابيا انت الربحان.. ذهبت السجادة والألف دولار فهل تريد ان يذهب معهما عشرة آلاف دولار؟! أجبته بعد ان سلمت امري الى الله.. لا يوجد امامي سوى ان انتظر يوماً تكون فيه انت المسؤول الاول في هذا المطار, فأمثالك هم الذين سيقضون على الفساد.. رد علي بضحكة لا تذهب بعيداً عندما سأكون في مكانهم, قد أصبح مثلهم.. .. ودعته وانا اقول في نفسي الى اللقاء ربما تراني في هذا المطار ولكن في القرن المقبل بعد ان تبدأوا العمل في الخط الاخضر.. لا حول ولا قوة الا بالله ذهبت السجادة وألف دولار ولكني اصبر نفسي لأني احتفظت بالعشرة آلاف!!