أكثر ما يغيظني في الجدل اليومي المتواصل بين جيلين هو اسقاط الآخر ونسفه نسفا تاما, وكأن أغلبنا لم يكن في يوم من الأيام طفلا فشابا فكهلا, وكأن الشقاوة التي يحدثها الأبناء حدث طارئ لم يتكرر من قبل, وهكذا أيضا بالنسبة لجيل الشباب الذين يرون ان الآباء يحجرون على أفكارهم وتطلعاتهم, ويتهمونهم بأنهم جيل شيطاني . يستمر الجدل ويستمر صراع الأجيال دائما دون ان نعترف أو نسلم بأنه لابد من الاختلاف, فالأب غير الجد والجد غير الحفيد, لأن لكل زمن معطياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية فالذي تربى عليه الأب يختلف عن الزمن الذي يعيشه الابن وهكذا. أقول ذلك بعد ان شاء القدر ان ألتقي صدفة عند الحلاق بأحد أساتذتي, الذي لم أره أو ألتقيه منذ ما يقارب من ثمانية عشر عاما, وبعد ان عرّفته بنفسي واسترجع الذاكرة وزمن الدراسة القديم الذي كانت البساطة والتلقائية والفطرة والالتقاط الذهني من سماته, تحدثنا عن تطورات التعليم والجيل الحالي الذي يعيش طفرة التكنولوجيا والانفتاح الاعلامي والوسائط المختلفة لنقل وتلقي الثقافات, فأشار بأسى الى ان هذا الجيل مختلف جدا ويعيش على فتات الثقافة والعلم, وأضاف بأن أغلب أبناء هذا الجيل لا يقرأون, بل يتعاطون المعلومات سماعيا ويحللونها كيفما اتفق. وبعد ان تشعب الحديث وتواصل ولم يترك خلاله أستاذنا العزيز منفذا إلا وانتقد من خلاله شباب اليوم, سألته متعمدا: وماذا تقول عن طلبتك الذين يتقلدون الآن مسؤوليات ومناصب هامة في الدوائر والمؤسسات والوزارات والشركات العامة والخاصة؟ نظر إليّ أستاذي بطيبة وهدوء فقال: أنتم مختلفون... هل تصدق أن أبناء مدارس اليوم يفتحون الكتب في الامتحانات ولا يعرفون ان ينقلوا منها, لأنهم ببساطة لا يقرأون, وكيف يقرأون ووقتهم أصبح مشغولا في المراكز التجارية والهواتف النقالة والسيارات وغيرها من ماديات هذا الزمن! * ولكننا يا أستاذي العزيز كنا أكثر شقاوة منهم, ورغم ذلك ها نحن نواصل المسيرة. ــ يا عزيزي حتى الآن لم تتعامل مع هؤلاء الشياطين ولم تعرف كيف يفكرون ويتصرفون ويتعاملون مع الكبار, انهم جيل مستنسخ في الأفكار والتصرفات, ولن تستطيع ان تغير نظرتي عنهم. * اختلف معك يا أستاذ, فكل جيل ابن بيئته ونشأته وثقافته, والجيل الحالي طبيعي في تصرفاته وتعاملاته, والخطأ الحقيقي دائما يكمن فينا نحن, لأننا نريد ان نفكر عنهم ونتصرف عنهم, بل ونريدهم ان يصبحوا (فوتوكوبي) عنا وهذا هو سر الخلاف بيننا وبينهم. ــ تدخل الاستاذ بهدوء قائلا: انهم يفتقدون الى اللمحة والذهنية الحاضرة, وهذه صفات كانت موجودة عندكم وغائبة عنهم, واذا ما افتقدنا تلك الشرارة أصبحنا على هامش الدائرة. لقد كانت العرب تتصف بتلك الميزات غير المتكررة في الشعوب الأخرى, وحتى أُقرّب عليك المسألة أذكر لك ما تناقله الرواة في هذا الشأن... فقد ذكر ان نزار بن معد لما حضرته الوفاة قسم أمواله بين أولاده وكانوا أربعة أكبرهم اياد, فقال: يا اياد لك الحلّة والعصا, وانت وصيّ ولدي, وقال يا مضر لك القبة الحمراء, وقال: يا ربيعة لك الفرس, وقال: يا أنمار لك الحمار, وأعطاهم أربع قلل مختومة وأوصاهم أن يتحاكموا في الميراث الى أفعى نجران وهو ملكها وحكيمها. فلما مات رحلوا اليه وبينما هم في طريق نجران مر بهم اعرابي يطلب جملا شاردا فسألهم عنه, فقال أحدهم أما انه لأعور؟ قال: نعم, وقال الآخر: أما انه لأزور أي ذو ميلان من جانب واحد, فقال: هو كذلك, فقال الآخر: أما انه لأبتر أي مقطوع الذنب؟ فقال: صدقتم, فقال الآخر: أما انه لشرود محذّر, فقال: جملي عندكم ولم يتركهم الى ان وصل معهم الى أفعى نجران وسبق اليه الاعرابي فأخبره فعلم ان لهم شأنا, فأحسن نزلهم وأرسل اليهم خروفا مشويا وعسلا فأكلوا وشربوا, فقال أحدهم: نعم ما أكرمنا به الملك لولا ان الخروف أرضعته كلبة. وقال الآخر: ولولا ان العسل وضعته النحل في جوف حمار. وقال الآخر: ولولا ان الملك ولد زنا! فنقل ذلك للملك فأحضرهم وسألهم عن قصة الجمل فقال الأول: علمت انه أعور لأني رأيته يأكل من جهة واحدة, وقال الثاني: علمت انه أزور لأني رأيت آثار مشيه عادلة عن الطريق, وفي الجهة الواحدة تقل وطئاً عن الأخرى, وقال الثالث: علمت انه أبتر لأني رأيت بعره ينزل في مكان واحد مجتمعا ولو كان بذنب لفرّقه, وقال الرابع: علمت انه شرود لأني أبصرته لا يستقر في مكان ولا يأكل بطيئا! فقال: أحسن جميعكم, ثم قال للاعرابي: قم فاطلب جملك فالقوم حكماء وليسوا بلصوص! ثم صرفهم وسأل في باطن منزله عن المعاني التي ذكروها في الخروف والعسل فوجدها كما ذكروا وسأل أمه في الخفية عما قالوه في حقه, فأخبرته ان أباه كان لا يولد له, فخافت من انقطاع الملك فتحيلت في ولادته من غيره فتعجب من القوم وأحضرهم وسألهم عما ترك لهم أبوهم فأخبروه, فقال لهم: القبة والخاتم لمضر واليه حكومتكم, والحلّة الشمطاء والعصا لاياد واليه أمر حاشيتكم, ولربيعة القنا واللواء والفرس واليه أمر حريمكم, وأما أنمار صاحب الحمار فاحملوا عليه كل فادح, فإن الحمار يحمل الاثقال, ثم نظر في القلال فوجد في قلّة اياد تقليم الاظفار فقال: خذ ما لأبيك من عبد وأمة, ووجد في قلّة مضر قطعة من ذهب وفضة فحكم له بالذهب والفضة, ووجد في قلّة ربيعة قطعة من حافر فحكم له بذوات الحافر, ووجد في قلّة أنمار ظلفا فحكم له بذات الظِّلف والخف, فتراضوا بحكمه. ومثلما رضي ابناء نزار بن معد بحكم أفعى نجران رضيت بحكم الاستاذ لكنني اختلفت معه وما زلت على ان لكل جيل زمنه ومعطياته, وان ما يحدث ظاهرة صحية.