تواصلت لليوم الثاني والأخير فعاليات الندوة الفكرية المصاحبة لبينالي الشارقة الدولي تحت عنوان المحلية والعالمية في الفنون, وقدمت اليوم مجموعة من الاوراق والمداخلات التي تنوعت عناوينها وطروحاتها الا انها تمحورت بصورة عامة حول فكرة الحداثة والعالمية والبحث عن الهوية في الفنون التشكيلية في ظل سطوة العالمية وتجلياتها العديدة, شارك في اليوم الثاني من الندوة ثمانية فنانين مثلوا مجموعة من الدول والساحات الثقافية العربية والغربية. لغة ما بعد الحداثة الورقة الأولى كانت للشاعر خالد بدر عبيد وركز فيها على لغة ما بعد الحداثة في الفنون متخذا من تجارب وأعمال الفنان حسن شريف مثالاً ملموساً من الساحة المحلية في الامارات. وأشار عبيد انه ومنذ خروج الفن من المتحف ونحن نلاحق فن الحداثة منذ العشرينات والسؤال لايزال مفتوحاً حول وظيفة الفن وهدفه لتأتي الدادائية لتصدم الواقع ولتتوالى فيما بعد التيارات الحداثية في الفنون كالسوريالية والتكعيبية وغيرهما. وبعد بروز فن البوب في اواخر الخمسينات بالولايات المتحدة الامريكية بدأنا نلاحق تحولات فنون ما بعد الحداثة لتصل الى ذروتها باستخدامها التجاري الاستهلاكي كالطباعة والنسخ والجرافيك, وبالتالي كان لابد للوحة التقليدية ان تفقد قيمتها الاجتماعية وحول تجربة الفنان حسن شريف اشار خالد بدر عبيد الى أنها لا تقوم بتوصيل تفسيرات او مضامين بحد ذاتها, أعماله قابلة للمس والتعديل والتحريك, وهو بتجربته استفاد من عموم المدارس الفنية مستخدما مواد الطبيعة مبتعدا عن كل المفاهيم التقليدية لرسالة وهدف الفن ان انتاج الفن الجديدة يعتمد على تقنية جمالية محددة انه نتاج انساني. قاطنو الأسطورة الفنان حسن شريف (الامارات) قدم ورقة تحدث فيها عن تجربة الفن الجديد في الامارات من خلال اربعة فنانين هم حسين شريف محمد احمد ابراهيم, محمد كاظم, عبدالله السعدي. وفيما يتعلق بحسين شريف اشار الى ان تجربته انطلقت منذ عام 1983 وتؤكد على لا دوامية العمل الفني الجديد وعلى ضرورة تغيير المنفعة الآنية للمشاهد باستخدام مواد فانية واساليب عرض جديدة بعيدة عن المتحفية اما محمد احمد ابراهيم فقد مضى مع تجربة البناء الهوائي منذ عام 1991 عن أعمال الورق المغراة فوق بعضها البعض مكعبات ملونة من الورق, مباني المقابر بهدف اتاحة الفرصة امام المشاهد ان يفعل ما يشاء بالعمل تحريكه وتغيير وضعيته بصورة كاملة, ويمكن لهذه الاعمال ان تعرض في اي مكان وزمان, بينما يمضي الفنان محمد كاظم في ذاتيته المفرطة وعن هذه الذاتية يخاطب المشاهد بما يخلق لديه من عدوانية تجاه تباهي ونرجسية الفنان ان محمد كاظم ينفخ على كل الخامات المتاحة من رمل وخرائط وقطع بلاستيكية صور فوتجرافية وغيرها من المطيات وامام هذه التجارب لابد ان تتشكل معادلة الفتنة والحالة التي لا تمثل اي دولة او منطقة في هذا العالم. وحول تجربة الفنان عبدالله السعدي يتابع حسن شريف بأنها تبلورت منذ عام 1991 وهو باستخداماته للعظام والاشياء المهملة على مرتفعات الجبال والاماكن النائية يقول ان الفنان قد تغيرت وظيفته التقليدية وبالتالي لابد من أن تتغير آلية فهمنا للفن. وقد رافق هذه الورقة عروض سلايت لأعمال الفنانين وتجاربهم. عولمة بهويات متعددة الناقدة والمؤرخة اليونانية اثينا سكينا اشارت في ورقتها الى ان المحلية ليست بالمصطلح الجامد, فهي لا ترمز الى معرفة بيئية حقيقية, بقدر ما تعني الوعي بالعادات والتقاليد وبقدر ما يبتعد الفنان عنها فهو يبتعد عن ذاته وذاكرته. فالفن مثل اللغة كائن متجدد متغير تتداخل فيه العناصر القديمة بالجديدة ويتقبل باستمرار التجارب الحية الدينامية ولكل جيل فني تعابيره وخبراته الا انه لابد ان يتوازى مع هويته ولا ينبغي ان ننظر الى الهوية كعازل بين الفنان والعناصر المحيطة به فالعولمة تبدو كهوية لكل ما يميز الثقافات المتعددة ودعامة العالمية هي المصالح والاحتكارات والتجارب الدولية مما يضر ثقافات ويساعد ثقافات اخرى اقوى. العالمية تختلف عن العولمة وهي بعكس الاخيرة تسمح بالحفاظ على الحيوية والشخصية. سراب العالمية ديمومة الفن الفنان الفلسطيني ناصر السومي اعتبر ان العولمة بصورتها الراهنة ليست الا هيمنة المؤسسات العملاقة على الاقتصاد العالمي بحيث يتخطى النفوذ التقليدي للدول والحكومات, فهل دخل الفن هذه العولمة؟ ويجيب السومي بأنها دخلت حيث بادرت كبريات شركات الفن بالدخول في شركات احتكارية لصالات العرض والبيع للتحكم في مزادات الفنون وفي المعارض وبأسعار الأعمال الفنية, مما يعني التحكم بالانتاج والذائقة الفنية وحركة الفن عالميا واقليميا ولذلك يظل السؤال مطروحا اين سيكون الفن امام هيمنة عالمية وثقافة مسيطرة على الاستهلاك والانتاج وآليتها التي لا يمكن اعتراضها او ايقافها؟ الفن الغربي والمحطة الأخيرة الفنان الايطالي بوريس برولو فومسير الهيئة الدولية للفنون اشار الى انه وفي زمن ما بعد الحداثة لا يوجد الا العودة الى لغات الجسد كوسائل اولى للتقصي عن الحقيقة المحيطة, ان الحاجة لربط مختلف الثقافات ببعضها البعض لتتماشى مع السلوكيات المختلفة دفع بالاقتصاد لترشيدها باتباع خطة عالمية للعولمة, ويظل الثابت الوحيد في مسألة (المحلية والعالمية) هو أن الغربي وصل الى محطته الأخيرة وهو بحاجة ماسة الآن لعملية نقل دم وطاقة روحية جديدة وهذا لا يأتي الا من الثقافات الاخرى, ولذلك على هذه الثقافات الآن ان تؤكد بنيتها الاجتماعية ضمن مفهوم التكامل والتماسك والتجارة الحرة. الفن للحفاظ على الهوية المؤرخة الألمانية دورثيا فان دير كويلن ركز لها على ان تظاهرات الفنون المحلية والعالمية هذه الأيام تركز على الهوية والخصوصية, المحلية وعلاقتها مع الاخر, الى جانب قضية التراث والتجدد الاصالة والمعاصرة, الا ان كل هذه الثنائيات التي تصل الى حد العدائية والنفور لا تلغي امكانية الحوار والتلاقي في تقاطعات يمكن ان تتلاقى فيه, فهي في نهاية المطاف علاقة جدلية وتكاملية اما التعددية الجديدة في نتيجة طبيعية للحرية الجديدة في التعابير الفنية التي تمثل ظاهرة القرن العشرين والتي تطرح سؤالا هل تتحقق الافكار البصرية في أعمال فنية مع الألفية الثالثة. كما قدمت مجموعة اخرى من الاوراق الأخرى والتي حاولت تلمس قضية المحلية والعالمية في الفنون ثم فتحت باب الحوار للحضور.