قد لا نعرفه, وجيل اليوم بالتأكيد يجهله, لكن هذه الأرض تعرفه جيدا, فهو من أوائل الذين جاءوا إليها وكتبوا عنها بالعربي, وحلم منها, ولها بمستقبل مشرق من واقع مظلم آياته البؤس والجهل والحرمان تعيشه هذه الأرض وإنسانها. سليم زبال صحفي عشق مهنته, واختار منها مصاعبها, جاء مرسالا من مجلة (العربي) الى الشارقة ودبي, وأبوظبي والعين وخورفكان, إلى الساحل المتصالح في أوائل الستينات, وعانى فيها, وكتب هذه المعاناة بالقلم والصورة, ونادى في استطلاعاته أبناء الوطن العربي الكبير إلى ضرورة النظر الى إنسان هذه الأرض, ودعمه, بتوفير ضروريات البناء والحياة: التعليم والعلاج. في أول استطلاع أجراه من الشارقة, ونشر في يوليو 1960 بدأ: الشارقة, البلد الغريب العجيب ذو القصص والأساطير, فيه كل شيء, وليس فيه شيء! عند وصفه للحالة الصحية فيها كتب: إن أمام الأطباء العرب الذين يحسون بأن لهم رسالة نحو الإنسانية, ونحو اخوانهم وبني جلدتهم مجالا متسعا وكبيرا في هذا الحقل البكر, حيث يمكنهم فتح عيادات خاصة في هذه الامارات السبع, وتلك أمنية يتمناها كل سكان ساحل عمان, ولكن حتى اليوم لم يتقدم طبيب عربي واحد للعمل هناك. في الاستطلاع الثاني الذي خص دبي, ونشر في سبتمبر 1960 كتب يقول عن التعليم: جميع مدارس دبي ــ ما عدا مدرسة الشعب ــ تقع في أبنية متداعية, قديمة, خربة في أشد الحاجة إلى اصلاح وترميم, كما انها في حاجة الى مكتبات وتغذية لتلاميذها, وأهم من كل هذا الى رعاية صحية, فوجود طبيب أمر في غاية الأهمية لمراقبة صحة الطلبة منعا لانتشار الامراض والأوبئة بينهم, ورغم هذا النقص الكبير فإن النشاط والحيوية في مدارس دبي يفوقان حد الوصف, ويقف الطلبة كل صباح يرددون نشيد اشراق دبي هاتفين: الخور اليوم له شأن والبر اليوم به زرع والشعب اليوم به عزم والعزة والمجد لدبي كانت هذه الاستطلاعات أكبر من انها مجرد عمل صحفي متميز, كانت بالنسبة لسليم زبال رسالة إنسانية قومية, موجهة للدول العربية, فكتب في احد استطلاعاته: الشعب العربي في ساحل عمان في حاجة إلى كل مساعدة من كل بلد عربي: حكومة وشعبا, انه في حاجة الى خبراء زراعيين, وجيولوجيين, وخبراء في البترول. في حاجة الى مدارس ومدرسين, في حاجة الى أطباء ومستشفيات, أو على الأقل الى مستوصفات, انه في حاجة الى أيد رحيمة تأخذ بيده لتنقذه من هذه الأمراض التي توهنه, ومن هذا الجهل الذي يخيم عليه. وكرر هذه الصرخة القومية في جميع استطلاعاته عن المنطقة والتي زارها قبل ان تتحد, وفي السنوات الأولى من الاتحاد, وبعد ان نهضت وتطورت, فنشر آخر استطلاع له عنها في بداية الثمانينات. هذه الاستطلاعات تعتبر اليوم من الوثائق الهامة والنادرة التي تحكي بالصورة قصة تطور الحياة في هذه المنطقة. وقيام الأخ علي محمد راشد بجمع هذه الاستطلاعات, وتكفل المجمع الثقافي بطباعتها في كتاب, حفظ هذه الثروة من الضياع, وأضاف مرجعا مهما لمكتبة هذا الوطن. هذه الاستطلاعات التي قرأتها في الكتاب دفعتني للبحث عن سيرة الصحفي سليم زبال, الذي غامر للوصول لهذه المنطقة والكتابة عنها بهذا الحماس, لماذا جاء؟ وبالتأكيد ان هناك ذكريات وحكايات أخرى لم يكتبها في استطلاعاته. إلا ان سليم زبال مات منذ زمن, ولا أحد سيجيب على الاستفسارات, هكذا كان تصوري والزملاء. في احتفالية مجلة (العربي) بعامها الأربعين الذي أقيم بداية هذا الأسبوع, قرأنا اسم سليم زبال من ضمن المكرمين في هذه المناسبة العزيزة, وظننا ان نشاهد أحد أحفاد هذا الصحفي المجاهد يستلم وسام التكريم, وان نعمل معه حوارا عن جده. المفاجأة ان سليم زبال حضر هذه الاحتفالية بنفسه! فالمعلومة التي احتفظ بها والزملاء طوال هذا الوقت كانت غير صحيحة. فسليم زبال الذي كتب عن دولة الامارات ــ قبل ان تقوم ــ في العام 1960, لا يزال على قيد الحياة, ولا يزال يزورها, ففيها ذكرياته, وفيها تتواجد ابنته. هاتفتها بعد ان أكد لي الاخوة في مجلة (العربي) انها وسيلة الاتصال الوحيدة لديهم بأبيها. طلبت منها سيرة شخصية لوالدها ومكان تواجده. ردت انه موجود عندها اليوم فقط. حدثته سعيدا بالوصول له ورغبتي في لقائه. اعتذر لأن موعد سفره بعد ساعات, وانه عائد إلى مقر اقامته الدائم في الغربة. ووعد ان يلتقي بأهل هذا الوطن على الورق, ان يكتب لهم... من وحي الماضي.