قابلني صديقي عاشق الشعر القديم بوجه مكفهر وملامح تنبىء عن غضب وسخط, ولم يبادرني بالتحية أو السؤال عن الأهل كعادته, وإنما انفجر قائلا في نبرات غاضبة : هل تعرف انني لا أكف, هذه الأيام, عن تكرار الجملة التي واجه بها مالارميه صديقة الرسام ديجا حين قال له: الشعر يا عزيزي ديجا يكتب بالكلمات؟! وهل تعرف انني لا أتوقف عن ان أردد بيني وبين نفسي ما قرأته منذ سنوات بعيدة للناقدة اليزابث درو في كتابها عن (الشعر) من ان صناعة الشاعر إنما تتحدد ابتداء, في تحويل الكلمات الى قصائد؟! أخذتني لهجة صديقي الغاضبة وأدهشني انفعاله, فقلت له محاولا التخفيف من حدة ثورته: تمهل أيها العزيز, ولا تسرف على نفسك في الانفعال, واخبرني عن سبب كل هذا الغضب الذي أسمعه في صوتك؟ ولماذا تتذكر بديهيات الشعر؟ وهل هناك من يماري أو يجادل في ان الشعر يكتب بالكلمات, وان صناعة الشاعر هي تحويل الكلمات الى قصائد؟ ولم يتركني صديقي أكمل أسئلتي وقاطعني بقوله: ما تصفه بالبديهيات لم يعد كذلك عند الكثيرين من المنتسبين الى صناعة الشعر في هذه الأيام, والدليل على ذلك هو ما يؤذي أعيننا ويقرع سمعنا من كتاباتهم التي ينسبونها الى الشعر زورا وبهتانا. ما يحزنني يا أخي, حقا, انني كلما قرأت الشعر الذي ينشر هذه الأيام, سواء في المجلات أو الصحف أو الدواوين التي تتسابق على نشرها قصور الثقافة وهيئة الكتاب والمجلس الأعلى للثقافة, لا أجد في هذا الشعر ما ينتسب الى الشعر الذي أعرفه, ولا أجد في كلماته ما يؤكد جملة مالارميه أو حتى ما قالته اليزابث درو, فالكلمات التي يتكون منها هذا الشعر سقيمة, والعلاقات التي تجمع ما بين الألفاظ علاقات لا تعرف سلامة النحو أو استقامة البلاغة أو الشعور بالايقاع الخفي الذي هو علامات الكلمات عندما تتحول الى قصائد. وما يحيرني, يا أخي, هو لماذا ينشر هذا الذي ينشر تحت عنوان الشعر؟ ولماذا هذا الاحساس الفقير بالكلمات, والشعور الفج باللغة؟ ألا يعرف هؤلاء ان الشعر أداء ايقاعي باللغة, وان الأداء الايقاعي حتى لو خلا من العروض الخليلي أو القافية المعتادة لا يمكن ان يخلو من رهافة الاحساس باللغة؟ ولماذا يكتب هؤلاء قصائدهم التي تصدم العين والأذن والعقل والوجدان بفجاجة الحس اللغوي, وضعف الوعي بالتراكيب النحوية؟! ألا تلاحظ انت شخصيا انعدام الشعور بالتناسق بين الكلمات التي تنطلق على أسطر هؤلاء بلا ضابط ولا منطق, كأنها حمر مستنفرة فرت من قسورة؟! عاودت محاولة التخفيف من انفعالات صديقي المتفجرة في كلماته المتدافعة, وقلت له: لكن يا عزيزي لا أظن أحدا من المنتسبين الى الشعر بحق يجهل ان الفارق الأساسي بين استعمال الالفاظ في الشعر والنثر هو كمية الحيوية والنشاط والتوتر والرهافة التي تنبعث منها. وكاتب النثر القدير لا يهمل العناية بألفاظه, ولكنه لا يحنو عليها حنو الشاعر, أو يضعها في الصدارة من اهتماماته لحظة الكتابة مثلما يفعل الشاعر بالضرورة. ويرجع ذلك, كما تعرف, الى ان الشاعر يتحتم عليه ان يهتم أكثر من غيره بخاصيتي الايجاد والتكثيف ــ بعد السلامة اللغوية الطبع ــ لأنه يعمل في حيز ضيق, ويستخدم القليل من الالفاظ ليعبر بها عن الكثير من المعاني. وكلما كان الشاعر أصيلا كانت ألفاظه تنطق بالقيمة, سواء من حيث تعدد دلالاتها داخل علاقاتها, أو من حيث اكتنازها بالايقاع والتناغم الصرفي أو التناسب النحوي, فالمهم في الشعر العلاقات اللغوية التي لا نجدها خارجة بالقدر نفسه من الايجاز اللفظي والكثافة الدلالية والاكتناز الايقاعي. قال لي صديقي الذي أسهمت كلماتي في تهدئته بعض الشيء: ولكن أين هذا الذي تقوله من الكثرة الكاثرة لقبيح الكلام الذي يحمل عنوان الشعر في هذه الأيام, خصوصا كتابات أولئك الشبان الذين تتعاطف مع فجاجة تجريبهم, وهي كتابات تخلو من معنى الشعر وقيمته. وأنت تعرفني لا أتعصب لنوع شعري بعينه, وأتقبل بسماحة ذوق, تشهد بها أنت قبل غيرك, القصيدة الخليلية والقصيدة التفعيلية وقصيدة النثر التي أصبحت تنصب علينا انصبابا. وأنا يا عزيزي لا أتعصب لشيء الا للشعر وحده, فقل لي بالله عليك أين الشعر في الكثير الكثير من الرديء الذي أطالعه كل يوم تحت عنوان الشعر, وهو كثير كثير لا ينبىء عن موهبة أصيلة ما ظل يخلو من رهافة الاحساس باللغة, ألا يعرف هؤلاء يا عزيزي, ان الشعر يكتب بالكلمات التي ليست كالكلمات؟ قاطعت صديقي في نبرة صوت تحمل معنى المشاكسة, كي انتقل به من اندفاعة الانفعال الى هدأة الرؤية, وقلت له: ولكن أفْهِمْني, أولا, ما الذي تقصد اليه بالكلمات التي ليست كالكلمات قبل ان تمضي في شكواك من الشعر الذي ليس كالشعر؟ ابتسم صديقي بسمة أضاءت وجهه الذي أخذ يستعيد ملامحه السمحة, وقهقه قهقهته المعهودة وقال لي: حلوة عبارة (الشعر الذي ليس كالشعر) هذه, كأنك ترد على ما قلته, ولكنك ايها الماكر تعلم أكثر مني ان الشعر كلمات, ولكن كلماته تدخل في علاقات تتميز بأعلى درجة من الكثافة الدلالية والنحوية والصرفية والايقاعية. هذه الكثافة هي الوجه الآخر من (الشعرية) أو معناها الملازم ما ظللنا نفهم صفة (الشعرية) بوصفها وضع العلاقات بين الكلمات من حيث هي كلمات موضع الصدارة من الاهتمام في مكونات الحديث اللغوي ووظائفه. ولذلك كانت الكلمات في الشعر تنتسب الى الكلمات في اللغة من حيث عموم جنسها, ولكنها تختلف عن قريناتها كلمات اللغة في خصوص تركيبها, فهي كلمات ليست كالكلمات. ووضعها في علاقتها باللغة ليس كوضع هذا الشعر الزائف الى الشعر الحق. وعندما أتحدث اليك عن كلمات الشعر التي ليست ككلمات اللغة فأنا أتحدث عن قيمة موجبة مثبتة, لأن عنصر المخالفة أو المغايرة في هذه الحالة هو عنصر الصفة الشعرية المضافة الى كلمات اللغة حين تتحول الى قصائد على يدي الشاعر الاصيل, أو حيث تتحول الى ما يشبه القصائد حين تكتسب الخاصية الشعرية على يدي الكاتب المرهف. ولذلك فنحن نتحدث عن شعرية القصة القصيرة مثلا, أو نتحدث عن شعرية هذا المشهد السردي, أو ذاك من مشاهد الرواية, بل نحن نتحدث في هذه الأيام عن نماذج من الرواية الحداثية تنزاح الحدود بينها والشعر, ونصفها بأنها نماذج رواية شعرية, أو الرواية ـ الشعر. ويرجع ذلك كله الى ان الكلمات في هذه الأنواع السردية لم تعد ككلمات اللغة مع انها منها, لأنها اكتسبت الخاصية الشعرية عندما استخدمها الكاتب استخداما مرهفا, ووضعها موضع الصدارة في تراتب اهتماماته, من حيث هي علاقات دلالة, وعلاقات نحو وصرف, وعلاقات تراكيب, وعلاقات ايقاع وصوت, فاختلفت الكلمات بعد ان اكتسبت الصفة الشعرية, ولم تعد كالكلمات, كأنها المسك الذي هو من دم الغزال رغم بعد ما بين الاثنين, هذا اذا كنت تذكر بيت المتنبي العظيم الذي يقول: ان تفق الانام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال فكلمات الشعر, يا عزيزي, تفوق كلمات اللغة التي هي منها, وتنتسب اليها كما ينتسب المسك الى دم الغزال, ومن ثم تتميز عنها وتصبح كلمات لا كالكلمات. أما الشعر الزائف الذي أتحدث عنه فهو ليس كالشعر من حيث نوعه أو جنسه أو قيمته, لسبب بالغ البساطة هو انه يخلو من الكلمات التي ليست كالكلمات, والذين يكتبونه لا يعرفون معنى عبارات مالارميه عن الشعر الذي يكتب, يا عزيزي, بالكلمات التي ليست مثل كلماتهم بالطبع. قلت لصاحبي مشاكسا كعادتي: ها أنت ذا تحولت الى ناقد, وتحولت أنا الى مستمع. ومادمت قد قلبت الوضع على هذا النحو فدعني اعاتبك بالسؤال: هل تعرف ان مالارميه كان يقصد بعباراته معنى أكبر من المعنى البسيط الذي يضع الكلمات مقابل الأفكار, وانه ليس المقصد من كلامه مجرد صيغة محدثة من الثنائية البلاغية القديمة بين الالفاظ والمعاني؟ أجابني صاحبي ساخرا: وهل تظن ان معرفة مقاصد مثل هذه العبارات مقصورة عليك وعلى أصحابك النقاد؟! نعم يا عزيزي, لا يقصد مالارميه الى المعنى البلاغي الساذج الذي يقابل بين الالفاظ والمعاني, ولا ينتصر للفظ على حساب المعنى, كما انتصر البلاغيون القدماء الذين أضعت سنوات من عمرك في دراستهم وحل طلاسمهم وفهم المعقد من مصنفاتهم. ما يقصد اليه مالارميه هو الاحساس بالكلمات, الاحساس الرهيف الذي لا يعرفه مدعو الشعر في هذا الزمان الذي اختلط فيه الحابل بالنابل. والاحساس بالكلمات يعني الشعور بها من حيث هي أصوات ومعان, أو من حيث هي أحداث حسية لا انفصام بين مكوناتها, ولا تدابر في قابليتها لأن تغدو طرفا في علاقات تخلقها خلقا جديدا, وتضيف اليها ما لم يكن لها من قبل. ان الشاعر, يا عزيزي, يتوجه نحو أشياء العالم وموضوعاته لا ليكون أفكارا عنها, وإنما ليكتشفها حين يكتشف نفسه وهو ينظر اليها, وأهم من ذلك حين يكتشف لغته التي يكتشف, في فعل اكتشافها, نفسه والعالم على السواء. وكل معرفة يكتسبها الشاعر من فعل التعرف الخلاق الذي يمارسه بالابداع على هذا النحو هي معرفة مجددة باللغة ومجددة لها, ومعرفة مضافة باللغة ومضيفة اليها على السواء, وهي معرفة أولى خطواتها رهافة الاحساس بالكلمات, والشعور بها ككائنات تمور بحيوات سابقة, وتتوق الى حيوات جديدة, في سياقات ممكنة أو محتملة, لا نهاية لوعودها بالعطاء المضيف الى اللغة والى الشاعر. وأين ذلك من هؤلاء الذين يكتبون شعرا لا ينتسب الى الشعر لأنهم لا يعرفون أسرار الكلمات التي ليست كالكلمات.