كانت الساعة قد اقتربت من الثالثة بعد الظهر عندما أمسكت مقررة الندوة بالميكروفون لتقول انه ما زال لديها أربعة متحدثين يطلبون الكلمة . تطلعت إليها متوسلا. وأحسب ان معظم الحاضرين راحوا مثلي يتوسلون. ولعلها أحست بذلك أو قرأته في العيون, فأضافت في شبه دعابة: هل الأساتذة الأفاضل مصرون على الكلام؟ قبل أن يجيب أحدهم ارتفع صوت من مؤخرة القاعة يقول: إن السؤال الصحيح هو: هل أحد من الحاضرين مصرّ على الاستماع؟ وكانت الضحكات المكتومة هي الاجابة المعبرة عن اكتفاء الجميع بما سمعوا حتى الآن.. أو يقينهم على الأقل بأنه قد حان موعد تناول الغداء, وان البطون عندما تتكلم يجب أن يصمت صوت العقول. أما الندوة فكان موضوعها (تواصل الحركات الطلابية منذ الأربعينات) .. وهو كما ترى موضوع ثري ومهم, ويستحق أن تعقد من أجله مائة ندوة أو أكثر. وعندما دعيت للمشاركة باعتباري من (جيل الرواد) ملأني الزهو, فحرصت على الحضور, وذهبت طوال الطريق أجتر ذكريات خمسين عاما أو تزيد. القاعة مزدحمة بالحاضرين, ودماء الصبا الغائبة من زمن بعيد تعود معربدة في العروق عندما تصافح عيناك وجوها لم ترها من عشرات السنين فتتعرف عليها مهللا رغم عاديات الزمن والتجاعيد وهالات الثلج فوق الرؤوس. ها هم رفاق العهد القديم الذين عاشوا قبل الثورة وحلموا بها عندما كان الحلم جريمة يعاقب عليها القانون, وعندما كان الاحتلال الأجنبي يجثم فوق الصدور والقهر الاجتماعي يكتم الأنفاس.. فانتفضوا ليقودوا مع زملائهم العمال هبة جماهيرية عارمة تحت قيادة (اللجنة الوطنية للعمال والطلبة) , والتي ظلت تتصاعد حتى توجت بثورة 23 يوليو 1952. وهنا أيضا شباب العصر الجديد يلتفون حول (الرواد القدامى) يتأملونهم كأنما يشاهدون بعض اللوحات أو التماثيل في متاحف الآثار. وبين هؤلاء وأولئك جيل فتح عينيه على النكسة, فرسخ في وجدان أبنائه ان الأيام كلها نكسات, ومع ذلك انتفض رافضا الهزيمة ـ وتحمل الصبر في الخنادق والعدو على مرمى البصر يداعب بأقدامه مياه قناة السويس, ولم يفقد رباطة جأشه حتى بعد أن رحل الزعيم, فراح يلح من أجل القتال لتحرير الأرض والكرامة حتى كان له ما أراد. وها هم ممثلو الجيل الجديد, يحاولون العثور على دور, بعد أن تبخر الحلم الجميل وتغيرت الأحوال. وحول هذا وذاك دار الحوار. القدامى ــ أو الرواد ــ يسهبون في الحديث عن تجربتهم باعتبارها أعظم تجارب الحركات الطلابية ومنها ينبغي أن يستخلص الجدد كل الدروس. والشباب لا ينكرون أفضال (السلف الصالح) ولكنهم يؤمنون أن العالم الجديد قد جاء بقضايا جديدة تستحق بدورها فكرا جديدا متحررا من أغلال القديم. وبعد أربع أو خمس كلمات كان واضحا انه لم يعد هناك جديد يقال.. ومع ذلك فكل من يأخذ الكلمة ويمسك بالميكروفون يظل يطيل ويعيد.. بادئا بنفس الديباجة التقليدية بشكر القائمين على الندوة. ومشيدا بأهميتها العظيمة التي سوف تفتح ــ بإذن الله كل الأبواب الموصدة وتطلق طاقات الشباب كأنها صواريخ عابرة للقارات.. ومنتهيا بنفس النهاية التي سبقه إليها كل المتحدثين. ولا يحاول من يأخذ الكلمة أن ينتبه إلى ان الحاضرين بدأوا يتثاءبون أو انهم عندما صفقوا في نهاية كلمته إنما صفقوا لانه ينتهي, وليس لان ما قاله يستحق التصفيق. ومن المؤكد ان هناك كلاما جيدا جدا ومفيدا جدا قيل وتكرر خلال الندوة. ولكن المهم في أمثال هذه الندوات ليس أن تتكلم, وإنما ان يستمع الحاضرون إلى كلامك, وان تتاح لهم الفرصة لكي يفهموه. ويستوعبوه, ويتأثروا به ايجابا أو سلبا. وهذا ما أحسست به, وكنت أفكر فيه عندما أفقت فجأة من تأملاتي على صوت المقررة الفاضلة وهي تردد اسمي, داعية اياي لان أقول كلمة في ختام اللقاء. أقول فوجئت, لان كل ما كنت أفكر فيه في هذه اللحظة هو حاجتي إلى استنشاق الهواء النقي خارج القاعة الملبدة بدخان أكثر من مائة سيجارة. وفي مواجهة الميكروفون الذي ازاحته المقررة الكريمة تحت ذقني لم أستطع مقاومة الاغراء. ولكني تذكرت في نفس اللحظة مدى ضيقي باسهاب الذي سبقوني.. وهو ضيق لا يمكن أن أكون منفردا به وإنما هو بلا شك ضيق مشترك من أغلب الحاضرين فلم أتحدث أكثر من نصف دقيقة قلت فيها انني أقدر كثيرا دعوتي للحديث (أمام هذا الجمع الحافل) , ولدي بالفعل كلام كثير أود أن أقوله. ولكني أقدر أكثر ان الجميع قد أصابهم الملل, ولذلك فاسمحوا لي أن أحييكم.. وإلى لقاء آخر عن قريب. ولم أعجب كثيرا عندما قوبلت كلمتي هذه. التي لا معنى لها في الواقع ــ بتصفيق حاد, أكثر من كل الذي سبقوني.. وكنت أعرف السبب, فقد أنهيتها بسرعة, قبل أن يفكر الحاضرون في الملل. ومع ذلك, فلم أشعر بالأسف على الأربع أو الخمس ساعات التي قضيتها بالقاعة المزدحمة بالحضور ودخان السجائر. فقد كان لقائي بهؤلاء الرفاق القدامى.. وحديث الذكريات المشتركة بعد سنوات طويلة من البعد والفراق متعة تستحق. ولكن الشيء الأكثر متعة وأدعى للنشوة, هو تعرفي على هذه العينة الجديدة من الشباب. وعندما عدت إلى داري كنت قد نسيت كل مسببات الضيق بطول الندوة, ولا يدور بوجداني سوى خاطر واحد.. هو ان شبابنا بخير, طالما فيه أمثال هؤلاء. وما زال هناك أمل.