يقول الخال توماس ستيرنز اليوت (تي. اس. اليوت) وهو من أعيان شعراء ونقاد الانجليزية المعاصرة: ان الحاضر يمكن أن يغير الماضي. وقبل أن تفتح الحدقات ــ مثلي ــ من الدهشة والاستغراب.. إذ كيف للواقع الراهن المعاش أن يغير ما انقضى وانطوى في صحائف الزمن الذي فات ــ فإن صاحبنا السيد اليوت يتابع ما يقصده فيقول ان الحاضر إذ يشهد اعادة النظر ومعاودة التقييم للماضي فهو إنما يغيره بمعنى انه يبدل نظرتنا إليه.. الناس مثلا يتواضعون على ان حادثة بعينها كانت نقطة سوداء في تاريخ الأمة, أو ان فردا بذاته, قائدا أو زعيما أو شخصية من الاعلام, كان هو الأبرز وهو الاكفأ وهو الأخلص وهو وهو.. إلى آخر صفات القدح والانبهار. لكن العقل البشري فضولي بالطبيعة, والوجدان الإنساني تواق بالضرورة إلى معاودة النظر في الأحداث والظاهرات وفيما كسبه الأفراد بالسلب والايجاب. من هنا قد يعاد النظر في واقعة بعينها فإذا بها على ضوء مستجدات الحاضر خير وقد تصورها الناس شرا أو كانت كذلك.. وقد يعاد التقييم لشخص من طبقة القيادة والريادة فإذا بالنظرة تتبدل ــ تذاع وثائق تدين هذا الشخص ولم تكن ذائعة في عصره أو في حياتها ــ يرفع الستار عن واقعات وشهادات وحقائق كانت في زمن الشخص المعني مودعة في بطون السجلات أو غياهب الأرشيف أو في أفئدة البشر يكتمونها خشية الضرر وايثارا للسلامة والسلام.. وبعد أن يعرف الجديد في الحاضر يتبدل التقييم بعد الذي كان في الماضي. وبعد أن تذاع وثائق أو تعرف أحداث تتغير نظرة الراهن إلى الغابر. بهذا قد يؤدي الحاضر إلى تغيير الماضي.. وتصدق بذلك مقولة عمنا اليوت التي سبق إليها قبل نحو نصف قرن يقل أو يزيد. المؤرخون والساسة المصريون مثلا دأبوا في جمهرتهم على الأقل ــ على ادانة موقف حزب الوفد من حادثة الرابع من فبراير 1942. بل وصل بعضهم إلى ان ثمة اتفاقا كان مسبقا ومبرما بليل ــ يعني كانت هناك مؤامرة بالمفتوح بين زعامة الوفد المصري وبين السفارة البريطانية وهي دار الاحتلال الانجليزي الغاصب لمصر في ذلك الحين.. وربما أمعن البعض تماديا وايغالا ليصلوا إلى دفع مصطفى باشا النحاس زعيم الوفد بالخيانة لانه كما قال خصومه وقتها تولى رئاسة الوزارة على حراب الانجليز. فلعلك تذكر ان حادثة فبراير إياها كان جوهرها محاصرة دبابات الانجليز قصر الملك فاروق واجباره على دعوة الوفد والنحاس باشا إلى تشكيل وزارة جديدة يرتاح إليها السفير البريطاني الذي قدم للملك فاروق يومها انذارا بهذا المعنى وأمهله الرد في السادسة من مساء اليوم نفسه ــ الرابع من فبراير. الذي حدث ان انقضى الماضي وانصرفت الأعوام من عام 1942 إلى أعوام ثورة 23 يوليو وفي عقد الستينات حين شمر أستاذ التاريخ الحديث الدكتور محمد أنيس وتلاميذه وزملاؤه عن سواعد الجد وعاودوا تقييم الأمر على ضوء ما توافر بين أيديهم من وثائق ومستندات كان في مقدمتها المراسلات والمذكرات المتبادلة بين السفارة البريطانية في الأربعينات وبين وزارة الخارجية في لندن (وكانت بالطبع سرية وباللغة الانجليزية). ويومها خلص ثقات المؤرخين إلى تبرئة النحاس باشا ــ رحمه الله ــ من تهمة التواطؤ مع الانجليزي المحتل ــ وتحققت بالتالي مقولة السيد اليوت عندما استطاع حاضر الستينات أن يغير من ماضي الأربعينات.. أو بالأدق أو يغير نظرتنا إليه أو تقييمنا لأحداثه وظروفه وأحواله والفقير ــ كاتب السطور ــ يعيش هذه المرحلة أو يعايش المقولة التي بسطنا بها صدر هذا الحديث. أجل.. اننا نعاود النظر في تاريخ شخصية في غاية الأهمية في التاريخ الحديث للعرب والمسلمين, وهو السلطان التركي العثماني عبدالحميد خان ــ أو عبدالحميد الثاني كما كان معروفا وقد كان الشخصية المسيطرة على أقدار عالم الإسلام والعروبة طيلة الثلث الأخير من القرن التاسع عشر, وكان شخصية تجمع بين الاستنارة والمحافظة ــ بين الانفتاح والانغلاق بين الغموض والوضوح. وكاتب السطور من الأجيال العربية التي فتحت عينها أو تفتحت مداركها على المقولة الشهيرة. يا رب يا متجلي.. أهلك العثمانلي, والمعنى هو ان الدولة العثمانية, وقد حكمت وطن أمتنا نحو 400 سنة من هذا العصر الحديث كانت في الجملة وفي التحليل الأخير وبالاً على حياة أسلافنا من العرب والمسلمين. زادتهم عسفا وتخلفا وظلاما فيما كانت تلك الفترة بالذات هي عصور الاكتشافات الجغرافية والاختراعات الحديثة والفتوحات العلمية والتطورات المذهلة في أساليب الحياة.. وكنا نحن بعيدين أو مبعدين عن هذا كله للأسف الشديد. ان مؤرخنا العتيد عبدالرحمن الجبرتي أثبت هذا الشعار الذي يدعو على العثمانلية بالهلاك ــ يروحوا في ستين داهية ولتنزل عليهم لعنات السماء جزاء وفاقا لما كانوا يمارسون في عصر الجبرتي أو كان يمارسه وكلاؤهم وكشافهم ولاتهم وانكشاريتهم وسناجقهم ومحتسبوهم وملتزموهم من ضروب العسف والظلم والقسوة الشديدة التي كانت تخير الرعية في كثير من الأحيان بين الموت جوعا من وقر الضرائب والمكوس وبين الموت على الخازوق! ولعل الجبرتي في هذا كان متأثرا بدوره بمؤرخ سبقه إلى تدوين ومتابعة غزو الشام عام 1516 وغزو السلطان سليم لمصر عام 1517 وهو المؤرخ ابن ياس صاحب كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) الذي ظلت كلماته ترن مستقرة في وجدان جيلي وفي ضمير أجيال سبقته وأجيال أخرى خلفت من بعده وهي الكلمات التي قال فيها أبي اياس في حسرة ممرورة ان الخاقان أو الخونكار سليمان (هكذا كان لقبه أيامها) قد عمد غداة غزوته لمصر واستتباب أمره فيها إلى ان جمع أرباب الحرف ومهرة أهل الصنائع من حدادين ونحاسين ومرخمين (صانعو الرخام) والفراشين والسردجية والخيامية والجواهرجية.. وغيرهم وغيرهم وبعدها ــ يضيف ابن اياس ــ بطل (بضم الطاء) من مصر نيف ومائة حرفة. لم يفت هذا الملمح على قريحة الكاتب التلفازي المبدع أسامة أنور عكاشة فكان ان اتخذه محورا تمهيديا لمسلسله المعروف بعنوان (أرابيسك) . يرجع مرجوعنا إلى السلطان عبدالحميد.. لقد أطللنا على شخصيته وتاريخه منذ فترات اليفاعة وعهود الطلب الأولى فإذا به كما كان يصفه الأوروبيون بأنه (السلطان الأحمر) . في إشارة لا إلى كونه شيوعيا أو ماركسيا فلم تكن النظم الشيوعية قد تم اختراعها بعد وفيما كان الاخوان كارل ماركس وزميله فردريك انجلز على أيام عبدالحميد مجرد اثنين من مثقفي ذلك العصر يعيشان في حال من رقة الحال وهموم المعاش, بل كانت الاشارة إلى ان عبدالحميد كان حاكما دمويا صبغ عهده بالدم القاني لضحاياه من معارضيه الذين كم سارت ركبان الأساطير بذكرى حتوفهم.. على خوازيق السلطنة أو غرقى في مياه البرسفور. وعندما كنا نلتمس صورة فوتوغرافية للسلطان عبدالحميد, كانوا ينشرون صورته بأنف معقوف, ونظرة خبيثة كابية مثل اللمبة المطفية ومن فوق رأسه ذلك الغطاء الأحمر الذي كان مقضيا لجيلي أن يكبس به رأس أبنائه وهو الطربوش الذي جاء العم جمال عبدالناصر وعصره الجديد ليحررانا من ربقته ومن ذلك التصور الأحمق الذي كان يربط بين كبس الطربوش في جهنم يونيو أو لظى يوليو فوق رؤوس العباد وبين الوقار والاتزان والاحترام. يرجع مرجوعنا من جديد إلى حكاية السلطان عبدالحميد.. وقد تغيرت إلى حد كبير صورته النمطية وقد رسمها خصومه من الشرق ومن الغرب في وجداننا.. كيف تغيرت؟ سؤال سيظل بحاجة إلى اجابة في لقاء تيلوان شاء ربك الكريم.