أفاق محمد مهران بعد العملية الجراحية ليحس بألم شديد في عينيه, صرخ ولعن, لكنه ادرك ان العملية قد تمت, وانهم قد انتزعوا قرنيتي عينيه, وأعادوا بهما البصر للضابط البريطاني . اعطيك العذر ــ عزيزي القارىء ــ اذا لم تصدق هذه القصة لكنني لسوء الحظ لا أحكي عن قصة, ولكن عن حادثة حقيقية. حقا انها تبدو كالخيال. ولكن كل كلمة فيها صحيحة. حقا من يصدق أن دولة كبرى كبريطانيا تنتزع عيني اسير حبيس مثل محمد مهران لتقدمهما الى ضابط بريطاني جريح. ويقوم طبيب بريطاني بالجراحة ليس بضمير مستريح فقط, ولكن بحماس كبير. انها قصة تتحدى المنطق. ولكن هذا ماحدث ولقد تمت العملية الجراحية في القاعدة البريطانية في قبرص, وتسربت اول اخبارها عن طريق صحفي سوري هو انطوان حمصي. ولقد حاولت الاسبوع الماضي ان أصل اليه. ولكنني للاسف لم استطع ذلك وفي نهاية رحلتي الى دمشق نصحني اصدقائي بالاتصال بالصحفي الكبير جان الكسان إذ ربما يعرف الطريقة الى انطوان حمصي, لكنني ايضا لم استطع ان اجد جان الكسان. وليس معنى هذا ان المحاولة قد انتهت فأنا اريد ان اعرف كيف عرف انطوان حمصي قصة انتزاع عيني محمد مهران, التي تمت في قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص. ولا ادري هل كان هذا هو أول تسرب للخبر ام سبقه تسرب آخر للمخابرات المصرية التي كانت نشطة آنئذ. ولا ادري ايضا هل كان انطوان حمصي هو المصدر الوحيد لهذا الخبر. المهم انه عندما اعادوا محمد مهران الى احد المستشفيات البريطانية في المنطقة المحتلة في بورسعيد, كانت التفاصيل معروفة لدى الجانب الآخر. فعندما كانت الممرضة المصرية تعتني بمحمد مهران تحت الحراسة البريطانية همست في أذنه بأن الفدائيين سيقومون باختطافه هذه الليلة من المستشفى, وانها تنبهه حتى لايظن ان خطرا يهدده, فيقاومه أو يصرخ. وحسنا فعلت ــ كما يقول مهران ــ فلقد فقد الثقة في كل من حوله نتيجة المأساة التي عاشها في الايام الاخيرة. وفي الليل جاء اليه الفدائيون, وخرجوا به من المستشفى المحتل بالقوات البريطانية وتسللوا به عبر الجزء المحتل من المدينة الى محطة القطار. حيث وضعوه في قطار ينقل الجرحى وحرسوه حتى خرجوا به من المنطقة الخطرة. وعندما وصل القطار الى القاهرة قابله (بعضهم) حيث نقلوه الى مستشفى (العجوزة) وهو مستشفى مدني كبير كان قد وضع تحت السيطرة العسكرية لفترة اثناء حرب 1956 وكذلك في الحروب الأخرى. هذا الجزء من القصة فيه غموض شديد, وحتى مهران لايحكي التفاصيل كاملة. ويبدو لي ان قرار اختطاف محمد مهران كان بأمر شخصي من الرئيس جمال عبدالناصر الذي اهتم بالقصة وبمحمد مهران اهتماما كبيرا. ويبدو لي ان كمال الدين رفعت لعب دورا في هذه الاحداث, وكان كمال الدين رفعت احد ضباط ثورة يوليو النابهين وكان له دور هام جدا في مقاومة العدوان الثلاثي, اذ كان المسؤول عن المخابرات في منطقة القتال. وايضا كان احد المسؤولين عن المقاومة. ولقد قابلت كمال الدين رفعت في هذه الاوقات وكنت آنئذ طالبا في الجامعة وتطوعت للحرب مع المقاومة. ولقد قابلني مع بعض الزملاء لأننا تبنينا موقفا أثار قلقه وربما قلق السلطة وهو التوجه الى سكان المنطقة لاشعال حرب شعبية طويلة الأمد, وربما كان في خيالنا حرب الهند الصينية. ولا أذكر من كان معي من الزملاء, وسأحاول ان اعتصر الذاكرة, واظن انه كان بينهم الدكتور محمد عمارة الداعية الاسلامي الان, وكان آنئذ طالبا في كلية دار العلوم, مصطفى الحسيني الذي بدأ حياته صحفيا ومحللا سياسيا يشتعل نشاطا. والكاتب الاردني الكبير غالب هلسا الذي كان طالبا في الجامعة الامريكية في القاهرة وتوفي منذ سنوات قليلة بأزمة قلبية في دمشق وغيرهم. وكان كمال الدين رفعت ورجاله يعرفون المنطقة شبرا شبرا, ورجلا رجلا, واعتقد ان حادثة محمد مهران كانت في مركز اهتمامهم لكنني ايضا لا اظن ان القصة كانت بعيدة عن اهتمام جمال عبدالناصر شخصيا, فلقد بدا فيما بعد انه مهتم بها اشد الاهتمام. احاط الجميع محمد مهران في مستشفى العجوزة بالحب والرعاية نتيجة قصته الفريدة وكان من ابرز هؤلاء الدكتور عبدالوهاب شكري وكان نائب رئيس الخدمات الطبية العسكرية في ذلك الوقت, وتولى فيما بعد وزارة الصحة. واحب الدكتور شكري صاحبنا محمد مهران الى درجة انه طلب منه, ان يناديه (بابا) فلقد كان مهران في الثامنة عشرة من عمره, وكان يمر عليه يوميا في غرفته ليتحدث معه, فاذا لم يتيسر له ذلك كان يطلبه تليفونيا. وذات يوم لاحظ مهران ان (بابا) او الدكتور شكري يشرف بنفسه على نظافة غرفته وتزيينها فسأل عما هناك, فقال له الدكتور شكري ان لديه زهورا ولكنه رفض ان يبوح له بأكثرمن هذا على اعتبار ان الامر مفاجأة. واخذ مهران يضرب اخماسا في اسداس, متوقعا ان يكون الزائر ــ او الزوار ــ من اسرته في بورسعيد. وبلا مقدمات امتلأت غرفته بالاقدام, وسمعوا صوتا مميزا جدا يسأل: اين محمد بيه. وقفز محمد مهران متعلقا في عنق جمال عبدالناصر. وطلب منه عبدالناصر ان يصافح من اتى معه وكان من بينهم عبدالحكيم عامر وزكريا محيي الدين وانور السادات. ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي زار فيها او استقبل جمال عبدالناصر, محمد مهران, وذات مرة قال له: انت في قلبي مثل خالد بالضبط. وسأله عبدالناصر ذات مرة: هل اعصابك قوية. اكد له مهران انه على مايرام قال له: اذن قص علي ما حدث منذ ان قامت الحرب حتى اعادك الفدائيون المصريون, واذا احسست بضيق في اي لحظة كف عن الحديث. ولكن مهران ظل يتدفق بالحديث منذ ان انضم الى قوات الحرس الوطني في يوم 29 اكتوبر الى ان وصل الى احاديثه مع جراح العيون الذي انتزع عينيه قائلا انه يفعل ذلك ليكون مهران عبرة لكل من يحارب بريطانيا. في تلك اللحظة قاطعه عبدالناصر ثائرا: لا يا مهران, انهم لم يفعلوا ذلك لتكون عبرة بل لتكون بطلا يقتدي بك كل طلاب الحرية في العالم. فكل صبي من اليوم سيراك مثله الاعلى, وسيتخذ منك النموذج الذي يحتذيه اما بريطانيا فلن تهرب ابدا من هذا العار, واذا هربت منه عاما او بضعة اعوام, سيطاردها طالما ان هناك من يؤرخ للانسان. ولقد عمل مهران في المتحف الحربي في بورسعيد بأمر من الرئيس عبدالناصر, وظل في الوظيفة الى العام الماضي عندما احيل الى التقاعد بعد ان ترك بصمات واضحة في تطوير المتحف وقد تكون هذه القصة قاسية, وانت ياعزيزي القارىء لاتحب القصص القاسية, ولكن لن نختلف ابدا في غرابتها, وفي انها لابد ان تسجل, ليس في استراحة (البيان) فحسب, بل في كتب وافلام. واذا كانت القصة قد فقدت (ارق) جوانبها فانا المخطىء في ذلك, فقصة حب (الآنسة) حميدة لمحمد مهران هي قصة حب تزاحم قصة (روميو) و(جولييت) و(قيس) و(ليلى) وغيرها من قصص الحب المثيرة. كانت حميدة ممرضة في احد مستشفيات بورسعيد عندما سمعت قصة مهران, فعرضت ان تتبرع له باحدى عينيها, والحت في هذا الطلب فأرسلت الى المستشفى والخدمات الطبية العسكرية ووزير الصحة والى محمد مهران نفسه, واخيرا ذهبت له في المستشفى. وقال له (بابا) عبدالوهاب شكري, علميا حتى الآن هذه العملية مستحيلة لكن الله يقدم لك ما يساوي هذه العملية, فالفتاة التي تهبك عينا من عينيها لترى بها, تستطيع ان تهبك بدلا من ذلك عينيها الاثنتين لترى بهما الدنيا.. تزوجها! وارسل مهران والدته لتخطب له حميدة.. فقاطعها كبير اسرة حميدة ماذا تقولين ياسيدتي هذا شرف كبير لنا. وعندما عاد مهران الى بورسعيد, ووصل الى محطة القطار, فوجىء ان اهل بورسعيد بكاملهم في انتظاره. كان زمن البطولات.. وملعون زماننا!