تبقى خصوصية كل انسان مناطق لا تنتهك, فالخطوط الحمراء بينك وبين الآخرين يُمنع تجاوزها ولكن يأتي شخص يقتحم تلك الخصوصية ويفك طلاسمها ويجعلك بالمقابل أمامه كتابا مفتوحا وهنا يبرز السؤال هل يصبح ذلك الشخص الذي يمنح نفسه حق اقتحام خصوصيتك باعتباره شريكا لك في هذه الحياة هو أيضا كتاب مفتوح وبالتالي يمنحك حق اقتحام عالمه والتعرف عليه مبعدا بذلك شبح الاخفاء عن الحياة الزوجية. يؤكد عدد من المختصين في مجال السعادة الأسرية ان الوضوح والاعتراف بين الزوجين يعتبر من أهم أعمدة السعادة الزوجية, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا إلى أي مدى يتصالح الزوجان فيما بينهما وهل تلعب مسألة الخصوصية دورا في الحياة الزوجية وما مدى انعكاس هذا الأمر على الحياة الزوجية بصفة عامة, (البيان) حاولت التوصل إلى الاجابات من خلال التحقيق التالي: * تقول الدكتورة ريما الصبان المتخصصة في الاجتماع الاسري: لا توجد حالة واحدة يمكن تعميمها إذ عندما يلتقي كل من الرجل والمرأة يكون بطبيعة الحال لكل منهما حياته الخاصة وهنا تلعب مسألة نوعية الشخصية دورا أساسيا في تجديد درجة المصارحة بينهما, فهناك أشخاص يتميزون بالشفافية ويظهر ذلك في سرعتهم في التحدث عن مشاعرهم مما يسهل على الآخرين التعرف عليهم, بينما ان تركيبة الرجل النفسية تختلف عن تركيبة المرأة بمعنى أكثرة شفافية وانه أكثر غموضا بحكم طبيعة ونشأة الأفراد فيه التي ترجع قيمة الكتمان كقيمة اجتماعية ايجابية. لذلك لا يمكن ان نقول عن الجوانب الخفية بين الرجل والمرأة انها متساوية فمثلا قد يصدف ان يتصف كل من الزوجين بالشفافية ويعيشا بالمقابل في مجتمع يعتبر الشفافية قيمة اجتماعية ايجابية ومع ذلك يكتشفان ان هناك جوانب خفية في شخصية كل منهما, وفي نهاية الأمر يتوقف على وعيهما فالزواج إذا كان مؤسسا على علاقة ثابتة تحكمها رؤية واعية وقناعة قوية بأن هذه الجوانب الخفية لن تؤثر على علاقتهما فعجلة الحياة الزوجية تدور بكل سلاسة أما إذا أثرت الجوانب الخفية في بعض الأحيان فالزوجة بامكانها تخطي كل العقبات بالحوار والكلام الواضح المباشر وهنا قد تصبح مسألة اكتشاف هذه الجوانب ايجابية كونها تضفي لمسات جديدة على الشخصية, وأضافت الدكتورة ريما الصبان ان اكتشاف جوانب خفية في شخصية كل من الزوج والزوجة قد تصبح في بعض الأحيان اشكالية عندما يحرص أحد الطرفين على اخفاء هذه الجوانب بوعي كامل وتخطيط مسبق هذا إلى جانب بعض الحالات المنتشرة للأسف في عالمنا العربي عندما يستهين الزوج بزوجته ولا يحترمها ويعتقد ان ليس من حقها ان تتطلع على أموره الشخصية, وهنا العلاقة الزوجية تكون مبنية على نظرة دونية من أحد الطرفين للآخر, وأضافت: فيما يخص مجتمع الامارات فهو لم يعد قبليا 100% كما في السابق مما يعني ان أبناء الامارات اكتسبوا قيما جديدة من ضمنها الشفافية وهذا يعود إلى تأثير علم النفس الحديث كونه يعتبر الشفافية عنصرا ايجابيا ولذلك أؤكد على ان مجتمع الامارات مجتمع وسطي بين الكتمان و الثقافية. زوجي كتوم ويتجنب التفاصيل تقول (س ـ ف) ربة منزلة: زوجي من النوع الكتوم فقد يجلس معي طوال اليوم ولكنه يكتم تفاصيل ما حدث معه أمامي ويكتفي دائما بالنقاط الرئيسية مما يجعلني في كثير من الأحيان اكتشف مع الوقت العديد من التفاصيل التي تشعرني بأن زوجي رجل غامض ولا يمكن سبر أغواره أبدا والمشكلة انه لا يرغب في التغيير والتكييف مع ان الحياة الزوجية شركة بين طرفين أهم بنودها الصراحة والوضوح. حق يكتسبه الرجل من المجتمع ترى هيفاء حسن عبدالله (موظفة) أن المجتمع هو الذي يمنح الرجل حق الكتمان وعدم مصارحة الآخرين حتى زوجته بحجة ان هذا الأمر قد يخدش رجولته وفي الجانب الآخر يفرض على الفتاة المصارحة وليس هذا فقط بل يوصي الرجل ألا يغفر لزوجته إذا اكتشف في يوم من الأيام بأنها اخفت عنه بعض الأمور غير المهمة من وجهة نظرها. تضيف أم راشد (ربة منزل) الحياة الزوجية يجب ان تُبنى على الصراحة النابعة من الطرفين وفي حالة اخفاء أحد الطرفين أمر ما نجد ان عملية التوازن تختل داخل هذه الأسرة لذلك يجب ان يتجنب كلا الطرفين الغموض. ثمار الزواج التقليدي يقول أحمد صالح (رجل أعمال) يعود عدم المصارحة في الحياة الزوجية إلى افتقاد الحب بين الزوجين فأنا شخصيا أعاني من هذا الأمر كثيرا فزوجتي هي ابنة عمي ولم أحبها في يوم من الأيام ولكن تزوجنا من أجل والدي ولذلك حياتنا مبنية على الاحترام فقط ولكنني أتجنب التحدث معها في أمور كثيرة وأعتقد لو أنني تزوجتها عن حب لكنت أفضت لها بكل اسراري وبالطبع قد يعتقد البعض بأنني أظلمها ولكني على العكس كل ما في الأمر أني لا أزال أحتفظ ببعض الخصوصية التي أرفض أن يشاركني بها أحد. وتقول هبة أحمد (موظفة).. أذكر ان أخت زوجي تعاني من مشاكل زوجية والسبب في ذلك اخفاء زوجها العديد من الأسرار وهذا الأمر يشعرها بأنه غير مخلص لها ولذا يمتنع عن مصارحتها, ننصح زوجها ان يحرص على المصارحة مع زوجته خاصة وأنهما في بداية حياتهما بحيث تصبح المصارحة الاساس الصحيح الذي يجب أن تبنى عليه حياتهما الزوجية. مجتمعنا ذكوري يؤكد الدكتور عبدالعزيز حمادي الاستاذ بجامعة الامارات ان لكل شخصية جانباً خفياً لايدركه أحد سواه حتى أقرب الناس اليه ولكن هناك مسألة في غاية الاهمية ألا وهي طبيعة المجتمع بحد ذاتها والتي تؤثر في تكوين الشخصية من خلال التنشئة الاجتماعية لها فمثلاً مجتمع الامارات حسب طبيعته يعتبر مجتمعاً ذكورياً يمنح الرجل الحق في القيام ببعض التصرفات بينما يحرمها على الفتاة مما يؤكد ان استقلالية المرأة في مجتمعنا ظاهرية فقط فهي لا يحق لها السفر وحيدة وكذلك لا يحق لها الخروج مع قريناتها ولايحق لها أيضاً الاحتفاظ بجوانب خفية في شخصيتها حتى ولو قامت بعد ذلك بالكشف عن هذه الجوانب فنجد ان الذكر لن يغفر لها. يقول الدكتور أحمد عبدالعزيز الحداد (رئيس قسم الفتاوى بدائرة الاوقاف والشؤون الاسلامية): الشارع الحكيم بنى الحياة الزوجية على المودة والرحمة كما في قوله سبحانه: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة), ومن مقتضيات ذلك ان يكون الزوجان كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. ولا ريب أن الجوانب الخفية التي قد تكون بين الزوجين انما تنشأ لأسباب قد تكون مريبة في الدين أو المروءة أو العقل. ذلك أن الرجل اذا وثق بامرأته لم يأنس إلا بها ولا يفضي سراً إلا لها, ولا يجد سلوى إلا عندها, حيث يجد مستودع سره, وأنيسة وحشته, ومبددة لهمه وغمه. كما كان حال السيدة خديجة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول البعثة فحفظ لها النبي صلي الله عليه وسلم ذلك في حياتها وبعد مماتها. لكن ان لم يثق بدينها ولا مروءتها ولا عقلها فلا ريب انه سيضطر الى ان يعاملها بما يتلاءم مع حالها, فيخفي عنها أكثر ما يبديه لغيرها, ويعاملها بمقتضى ما يرى من حالها. وهنا على المرأة أن تدرك الخلل الذي حدث من قبلها فتعالجه, وباستطاعتها أن تجعل قلب الزوج في يدها بحسن الاتيان بما يجب من قول وفعل وحال وإلا فان الشارع لا يمنع ان يعاملها بما يراه مناسباً لحالها مما قد لا يليق مع غيرها ومن ذلك أباح له أن يكذب عليها فيما لا يتعلق بواجب النفقة ونحوها كما دل على ذلك الحديث الذي أخرجه مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: (ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث, تعني: الحرب والاصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) وذلك حيث كان القصد الاصلاح واستقامة الأحوال, لا التخلي عن الواجبات والمسؤوليات. والذي قد يحمله على ذلك هو أنه يرى زوجته لا تفهم عنه, ولا تريد إلا أن يحقق لها كل مطلب, أو الزوج قد يكون كذلك فتعامله بنحو ما يحل لها معاملته به مما ذكر شرعاً. ولو أن الزوجين كانا متفاهمين ويراعي كل منهما المصلحة المشتركة لما احتاجا الى مثل ما ذكر وعلى كل حال فإنه اذا حدث مثل ذلك فإن الواجب أن لا يكون له أثر على الحياة الزوجية, بل يجب أن تؤخذ الأمور بمبدأ الغض عن الهفوات وعدم تلمس العثرات التي تكثر دائماً بين الزوجين, وذلك مالم تصل الى حد الاخلال بالشرف والامانة, وإلا فان الواجب في هذا الحال النصح والتناصح ان كان القبول مرجواً, حتى تتم العشرة بالمعروف فان لم يكن سبيل الى ذلك وتعذر قيام الحياة الزوجية على ما يجب ان تقوم عليه من الوعي والرحمة فإن الخلاص من ذلك قد يكون ممدوحاً اذا كان هو السبيل لراحة النفس والضمير ولعل الله ان يغني كلا من سعته. وأرى ان ما قد يحدث من خلل في بناء الجو الأسري الكريم يأتي كثيراً من جانب الزوجات اللواتي يردن ان يسطرن على الأزواج ويسلين منهم القوامة حيث تغدو الواحدة منهن وكأنها هي المالك للرجل وتنسى ان العكس هو الصحيح, وتريد ان يكون الزوج طوع أمرها مع أن الواجب هو عكسه. وهنا لا ريب ان الزوج قد يتقمص شخصية ما كان يتمنى ان يرتديها لولا ما يرى من تحكم زوجته. فعلى الزوجات أن يتقين الله تعالى في أنفسهن أولاً, وفي أزواجهن وأولادهن ثانياً, وأن يعلمن أن البيت الذي ينهدم بنيانه يستحيل ان يعود كما كان أو أن الأليف الذي تصطحبه لن يبقى أليفاً بل ولربما انقلب وحشاً كاسراً.. وذلك قد يكون بسببها فإن لم يكن لها يد في ذلك فعليها ان تصبر وتحتسب أو فإن الله تعالى لم يجعلها في دار هوان ولا مضيعة بل لديها وسائل كثيرة تخلص ربقتها من أذيته وإهانته. تحقيق : أفراح عمر