أكد المستشار طارق البشري المفكر الاسلامي على ان الامة الاسلامية أمة وسطا لأن الدين الاسلامي هو الدين الوسط الذي يعني الفضل والخير والعدل وتماسك الاركان وترابط الاطراف , والامة الاسلامية امة لم تغل غلو النصارى ولا قصرت تقصير اليهود, مشيرا الى وضع الديانتين اليهودية والمسيحية قبل الاسلام. وأوضح ان اليهودية كانت تركز على المبادىء الأولية للسلوك الانساني كمنع القتل ومنع السرقة ووضعت بذلك الاسس التشريعية الضابطة لمعاملات الناس وللتنظيم الاجتماعي بينهم وتعالج في ذلك افعال الناس وتتخذ وسيلة الجزاء العقابي أساسا للمعالجة, من نحو العين بالعين والسن بالسن ولكن الجزاء القانوني العقابي لا يكفي لتحقيق الضبط في السلوك البشري انما يلزم تقوية البناء الداخلي للضمير الانساني الذي يوثق أواصر الرحمة والمودة بين الناس ويقوي وسائل الضبط الوجداني الداخلي. وقال في محاضرته التي ألقاها بندوة الثقافة والعلوم امس الاول وقدم لها الدكتور محمد الركن: لقد آلت اليهودية بين اليهود عند ظهور المسيحية وتكمل الناموس بالتركيز على الضمير والوجدان الانساني لتقيم تكوينا شعوريا اساسه الرحمة والايثار والاحسان وصرفت غالب جهدها في اقامة هذا الصرح الشعوري, وجاء الاسلام بوسطيته ليستوعب كلا الوجهين وليؤكد ان صلاح الفرد والجماعة هو في الجمع بين الطرفين والربط بين الجانبين فأقام الرادع الاجتماعي بالقانون وبالعقاب المادي وأقام الرادع النفسي بإحياء الضمير بوصفه جهازا للرقابة الذاتية وبإغناء الوجدان البشري بعواطف المودة والتسامح والايثار والله سبحانه رب السموات والأرض يأمر بالعدل والاحسان وعمل الصالحات وما ينفع الناس والمجتمع والفرد. التكوينات الكبرى وقال ان وسطية الاسلام عصمت الجماعة الاسلامية على طول العصور وتعدد القرون من الانشقاق والتصدع وجعلت رباط الاسلام شديدا وثيقا يضم التنوع الكبير في المدارس والمذاهب والتشكيلات الاجتماعية والثقافية وهذا الرباط الوثيق يضم التكوينات الكبرى في الفكر والسياسة لا ينفك عنها ولا تنفك عنه وأعظمها في التاريخ الاسلامي أهل النص وأهل العقل وأهل الشريعة وأهل الحقيقة وأهل السنة, مشيرا الى ان القصد من الرباط الوثيق يرجع الى عدد من الظواهر وهي ان الخلاف من شأنه ان يستقطب بين طرفيه ويؤدي الى سيطرة المغالين وإلى نوع من الاتهام المتبادل يوجهه كل طرف للآخر, ومرونة الفكر الاسلامي العقدي وشمول احاطته للاحتياجات البشرية والاجتماعية كافة في صورها الثقافية والفكرية والعلمية والوجدانية وفي تنوعها الاجتماعي والسياسي عبر الأزمان والعصور وعبر الأمصار والأصقاع أفسح للعنصرين بأن يضمهما الاطار الاسلامي ويجد كلاهما فيه مكانا فسيحا للوجود, وقد وجد كل اتجاه من تقوم دعوته على تأكيد العناصر المشتركة وإعلائها ووضع المناهج التي تمكن من الوجود المتجاور داخل الاطار العام للمفاهيم الاسلامية, اضافة الى ذلك ان الخلافات السابقة بقيت في اطار تنوع الآراء والمذاهب داخل الاطار العام للعقيدة الاسلامية, ولذا لم نر في الاسلام انشقاقات من نوع ما حدث في المسيحية. أهل الرأي وأهل السنة وقال المستشار طارق البشري: ان لفظ الوسط تم استخدامه أربع مرات في القرآن, فقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) آية ,43 (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) البقرة ,238 وفي سورة المائدة آية 89 (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) , وفي سورة القلم آية 28 (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون) . وأضاف المستشار طارق البشري: ان الفقهاء بعد صدر الاسلام ما لبثوا ان اختلفوا الى مذهبين او الى مدرستين: مدرسة العراق التي سميت بمذهب اهل الرأي ومدرسة الحجاز التي سميت بمذهب أهل الحديث وكلا المدرستين وغيرهما كانوا يتجهون الى جميع المسائل الفرعية وترتيبها وردها الى أدلتها التفصيلية, وكان الحديث قليلا في العراق فاستكثر أهل العراق من القياس ومهروا فيه وسموا أصحاب الرأي يستخرجون من النصوص بدقة وباتقان في استخراج الاحكام واشتهر منهم ابراهيم النخعي وأبو حنيفة النعمان ومن قبل ابراهيم وجد علقمة بن قيس النخعي وهو من أصحاب عبدالله بن مسعود, وكان الحديث رواته كثيرون بين اهل الحجاز, وتعتبر المدينة هي دار الهجرة ومأوى الكثير من الصحابة وحتى من انتقل من الصحابة الى العرق شغلهم الجهاد وشؤون الدولة عن الحديث فصار لصحابة الحجاز اثر أقوى في هذا المجال وآل ذلك الى مالك بن أنس. ولكن الله سبحانه وتعالى قدر لمحمد بن ادريس الشافعي ان يوجد في هذه المرحلة, الذي ولد في غزة وعاش منذ صباه في مكة ودرس على علمائها الحديث ثم تتلمذ على يدي مالك بن انس في المدينة وأخذ علم اهل الحديث ثم سار الى العراق ودرس على أيدي فقهاء المدرسة العراقية وأبرزهم وقتها محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ودرس فقه اهل الرأي ثم جادلهم وخرج الى مصر. ويضيف المستشار طارق البشري ان الشافعي لم يوفق بين اهل المذهبين بطريقة المصالحة السطحية ولا بالتقريب بين الاحكام الفرعية ولا يرجح البعض منها على البعض الآخر انما غاص في علم أهل الرأي ليصل الى الجذور الحاكمة لاعمال الرأي فقعد القواعد التي يبني عليها منهج استخلاص الرأي والاستدلال عليه وضبط منهج القياس من حيث استخلاص علة الحكم وبحث في كيفية استخراج الدلالات من عبارات النص فضلا عن العموم والخصوص والناسخ والمنسوخ وغير ذلك, وغاص في معارف اهل الحديث ليقعد القواعد التي ينبني عليها علم التثبت من صواب الاثر والحديث وهو قد نصر السنة في مواجهة اهل الرأي ولكنه نصرها أيضا. وبهذا التقعيد الذي بني عليه علم الاستدلال عن الرأي وعلم التثبيت بالأثر ترابط الفقه الاسلامي واعتصم بهذا الوثاق طرفاه عن ان يجنح كل منهما بعيدا عن الآخر فتتعمق الفرقة, ويورد المستشار طارق البشري ما قاله الشيخ مصطفى الرازق عن جهاد الشافعي فقال يعلق الشيخ مصطفى عبدالرزاق على جهاد الشافعي قائلا: ذلك يشعر باتجاهه في الفقه اتجاها جديدا هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يكاد يعنى بالجزئيات والفروع انما بوجه غالب اعتناءه الى ضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها وذلك هو النظر الفلسفي, ويذكر الفخر الرازي ان الشافعي في علم اصول الفقه مثله كمثل ارسطو طاليس في علم المنطق وكمثل الخليل بن احمد في علم العروض, ويذكر ابوحامد الغزالي في (احياء علوم الدين) ان الفقهاء الذين هم زعماء الفقه وقادة الخلق ممن كثر اتباعهم هم الشافعي ومالك وابن حنبل وأبو حنيفة وسفيان الثوري. ويذكر ان كل واحد من هؤلاء كان يحوز خمسا من الخصال هي العبادة والزهد والعلم بعلوم الآخرة والفقه في مصالح الخلق في الدنيا ومريدا بفقهه وجه الله تعالى ثم يقول ان ورثة هؤلاء الفقهاء من تابعيهم اقتصروا على خصلة واحدة هي الفقه في مصالح الخلق في الدنيا وفرعوا عليها التفاريع وابتعدوا عن الخصال الأربع الاخرى التي لا تصلح الا للآخرة وسمي هؤلاء (الحدادين) الذين يفترقون عن الملائكة وقصد بالحدادين أولئك الذين يبالغون في قصر التصور الاسلامي على ضبط القيام بالشعائر وبيان احكام المعاملات. وان تعبيري الملائكة والحدادين يكشف عن مقدار التباين الكبير بين الطرفين. ويقول: نلحظ ان الفكر الاسلامي قد امتحن على مدى القرون الخمسة الأولى في هذه المسائل الكبرى النص والرأي, الشريعة والحقيقة اي العقل والوجدان, السنة والشيعة, وانه في كل هذه الامور خرج سليما في شموله وقدرته على استيعاب التعدد, وفي قوة وسطيته على السيطرة على اطرافه وتوثيق العرى واثبت الفكر الاسلامي في ذلك كله مرونة تحتمل التعدد كما اثبت قوة وثاق تستوعب الخلاف. التجديد والمحافظة ويطرح المحاضر سؤالا حول ماهية الخلافات التي ثارت في العصر الحديث وما هي الوسطية المنشودة التي تقدر على لم الأطراف المتخالفة وضمها في وثاق واحد ولا يعني ذلك الرغبة في الوصول الى رأي وحيد فهذا لا يبدو ان يتحقق ولا ينفعنا ان يتحقق انما يعني تحويل الاختلاف المتباين في الآراء في المسألة المعنية والتعامل بأدوات الجدل والحوار واذا امكن بلوغ هذا الوضع تكون الوسطية الاسلامية قد اثبتت قدرتها على احتضان المذاهب المعاصرة بين المسلمين. وأهم ما يثور بشأن الخلاف ويستدعي الوسطية الاسلامية لرأب الصدع فيه هو الانفصام الذي ظهر على مدى القرنين الماضيين بين اهل المحافظة وأهل التجديد وكذلك ما ظهر بين اصحاب الاصلاح المؤسسين وأصحاب الاصلاح الفكري, وبالنسبة لموضوع المحافظة والتجديد في الفكر الاسلامي المعاصر وأقصد به التوجهات الفكرية الكبرى التي ظهرت وسادت في العصر الحديث أو الخطوط العامة لهذه التوجهات كما اقصد بالمحافظة هذا الموقف الفكري الذي يقصر نشاطه على الدفاع عن العقيدة الاسلامية وأحكام الاسلام, وان الاجتهادات التي ترد على الفكر الاسلامي متصفة بأنها تقوم مستنيرة الى اصول الفكر الاسلامي ومصادره الرئيسية وهي القرآن والسنة, وأنها تنتج باستخدام مناهج التفسير الاساسية المعتمدة او السائدة في هذا الشأن فهي تنشأ من داخل الفكر الاسلامي وتنمو في اطره وتصوراته وتنتج بمادته وأساليبه في البحث والاستخلاص, وهي تستجيب للحريات السياسية والاجتماعية التي تطرحها ظروف الواقع المعاش في الجماعة المسلمة في مرحلة تاريخية محددة. كتب ــ السيد الطنطاوي