المكسب القليل مفيد لمن لديه قناعة من عاداتي اليومية قراءة القرآن الكريم ثروة المال ليست هي كل شيء في الحياة, لانها مهما تزايدت تكون عرضة للتناقص او الضياع لكن الثروة الحقيقية هي الابناء لان حسن تربيتهم وتعليمهم يجعلهم امتدادا للعمر ويصنع منهم علامة مضيئة في الدروب عن توفيق الانسان في اداء رسالته ومهمته في اعمار الكون .. تلك المهمة الشاقة التي خلق الله البشر من اجل القيام بها . بهذه القناعات التي تمثل خلاصة تجارب العمر يعيش الوالد علي خلفان علي النعيمي قرير العين مرتاح البال هادىء السريرة وهو يتابع بعد ان جاوز الخامسة والسبعين حركة ابنائه واحفاده بينما يبقى حلمه الاكبر الذي يتمنى ان يشهد تحققه الا هو حلم التنقل بين اقطار الخليج العربي بلا جواز سفر مثلما كان الحال بالنسبة له ولأهل زمانه في ايام الصبا والشباب التي يستعيدها هنا في هذا الحوار من ذاكرته الحية والخصبة. حلم الخليجي ويبدأ الوالد علي النعيمي حكاياته بالحلم فيقول: قبل خمسين تقريبا سافرت الى البحرين وبعدها بسنوات الى الكويت ولم اعرف وقتها مانحتاجه الآن للسفر الى هناك من جواز سفر او غيره, كما انني زرت السعودية قبل 35 سنة من الآن بمجرد ورقة نعبر بها الحدود فقط, واليوم اتمنى ان نعود الى ايام زمان فينتقل اهل بلاد الخليج بلا جواز سفر فالكل اخوة واهل, والقادة يضمهم مجلس التعاون والمنطقة واحدة مهما تعددت فيها الاقطار, بل اني اتمنى ان يسافر احفادي ويتنقلون بين جميع الدول العربية بلا جواز سفر فكلها ارض العرب. ومن الحلم الى العلم ... يرحل بنا ضيفنا الى ما يعتبره اغلى لحظات في عمره .. والتي يقول عنها: انا رجل لم يتعلم ككل او معظم اهل زمانه, وقد ارسلني اهلي الى المطاوعة لحفظ القرآن الكريم وعلى ايديهم قرأت بعض الاجزاء وصارت قراءة كتاب الله عادة عندي منذ ذلك الحين, بل وجعلتني احترم العلم والعلماء واحرص على تعليم اخوتي وابنائي لاعيش بعد ذلك اغلى واحلى لحظات العمر عندما كنت احضر في مدينة العين احتفالات تخرجهم من الجامعة او من كلية زايد العسكرية, ان هذه الاحتفالات كانت دائما تثلج صدري وتشعرني بالنجاح وتظلل حياتي بالارتياح بعد ان امضيت عمري في كفاح من اجل اسرتي واهلي. احتفالات التخرج ويضيف ان ثلاثة من ابنائي هم خلفان ومحمد وراشد اسعدوني بتخرجهم من الجامعة, كما ان سعيدا تخرج من كلية زايد, وعندي ثلاث بنات احداهن معلمة والاخرتان تدرسان حاليا في الجامعة. ويتحدث باعتزاز عن اسرته فيقول عندي 12 من الابناء منهم سبعة من الذكور, وقد تزوجت مرتين الاولى من ام سيف وعندما توفيت تزوجت بام خلفان التي تصاحبني رحلة الحياة وتسعد معي بنجاح الابناء, اما احفادي فيبلغ عددهم الآن 30 حفيدا والبقية تأتي باذن الله وهم جميعا مصدر سعادتي ورضائي عما تحملته في حياتي التي لم تكن سهلة او مرفهة كما هي حال ايامنا هذه التي يعيشها اهل بلادنا في رغد ويسر. تحمل المسؤولية وتبدأ حكايات الكفاح التي يحكيها الوالد علي بتفاصيلها الدقيقة وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح, ونتركه يتحدث عنها, فيقول: نشأت يتيما اذ مات ابي وعمري 15 عاما, وتركني مع أمي و 13 اخوة صغار وكنت الاكبر بين الاخوة فكان علي ان اتحمل مسؤولية الجميع, وهنا اتجهت للعمل للانفاق على اسرتي, ولم يكن امامي في ذلك الزمان البعيد اي قبل ستين عاما واكثر سوى البحر او الزراعة فعملت فيهما معا بعد ان جعلت يومي يبدأ مع شعاع الفجر لامضي ساعات النهار الاولى وحتى الثامنة صباحا في المزرعة وبعدها اذهب للبحر حتى العصر ثم ارجع من الصيد لابقى في المزرعة حتى وقت العشاء واستمر بي الحال على هذا المنوال لمدة عشر سنوات كاملة وكانت التقاليد والاعراف وقتها تقول ان كل من يعمل في البيت لابد وان يقدم دخله كله للبيت حتى ولو ضم اكثر من اسرة لان البيوت زمان لم تكن تضم اسرا صغيرة كما هي الحال الآن بل كانت تضم عائلة كبيرة تعيش في ترابط وتماسك وتعاون وتكافل ولهذا عاش الجميع وتشاركوا في ايام اليسر والعسر دون انانية, ودون بخل على الآخرين. البركة في الجماعة ويواصل ضيفنا حكاياته: وبعد ان بلغت سن الخامسة والعشرين تزوجت من زوجتي الاولى ام سيف ودفعت لها مهرا بلغ مئة روبية, واقمت معها في نفس البيت مع اهلي واستمر انفاقي على اخوتي في كل شيء وكما كان قبل زواجي فهكذا كانت حياتنا زمان, وحتى عندما زاد افراد البيت واضطررت للسكن في بيت خاص بي بقيت مسؤولياتي كما هي ودون اي تقصير تجاه الوالدة والاخوة, ولعل هذا كان سببا في البركة التي حلت علينا جميعا. عن السفر بعيدا عن اسرته, يقول الحاج علي النعيمي: كنت تقريبا في سن الثلاثين عندما وجدت ان عدد الذين اعولهم قد زاد والرزق هنا محدود, ففكرت في السفر وقد كان وسافرت الى البحرين لمدة 6 شهور تقريبا عدت بعدها الى اهلي لاقضي مدة مماثلة, وتكررت سفراتي فذهبت الى الكويت والى السعودية حيث عملت هناك في مهن متعددة, فقد عملت (بناء) في الكويت, واشتغلت في دكان بالسعودية وكنت اعود من كل سفرة ومعي مبلغ من المال يتراوح بين 400 و 500 روبية تعتبر بحساب زمان ثروة. ويستدرك ضيفنا: لكن احلى مافي هذه السفرات اننا كنا نسافر ونتنقل بلا جواز سفر, وكان هذا يشعرنا بأننا لم نفارق اهلنا وارضنا, وهذا حقيقي بالفعل لان اهل الخليج كانت معاملتهم لنا طيبة فهم ـ ونحن ايضا ــ يدركون اننا أهل وبيننا انساب ومصاهرة وصلات وروابط لاتحتاج لتأكيد, وليتنا نشهد ذلك ثانية ويسعى قادة الخليج الى فتح ابواب كافة اقطاره امام ابناء الخليج بلا جواز سفر, وليتني اعيش لاشهد ايضا العرب كلهم يتنقلون بين اقطارهم دون حاجة لجواز سفر او تأشيرة دخول. العمل بالتجارة وتتوالى الذكريات على لسان الحاج علي ليصل بنا الى محطته الكبرى قبل قيام دولة الاتحاد بثماني سنوات .. اي عام 1963, فيقول: انضجتني سنوات الكفاح ورحلات العمل في الداخل والخارج, واكسبتني سفرياتي المتعددة خبرات كبيرة في التجارة بعد ان عملت عدة دكاكين بالكويت والسعودية, ففكرت في الاستقرار نهائيا في قريتي (مربح) التي عرفت قديما بأنها من اسواق المنطقة, ولم يكن لدينا في قريتنا في ذلك الوقت سوى دكان واحد وعندما افتتحت الدكان كنت الثاني بعد موسى بن جاسم وكنت ابيع كل شيء في الدكان الذي استأجرته من رجل اسمه عبدالحميد المغربي حيث امضيت 5 سنوات بعدها سلمته الدكان واقمت لنفسي دكانا كان اخواي قد قاما ببنائه على نفقتي لاني لم اكن ميالا وما زالت لاستئجار مكان للعمل او للسكن وقد كسبت الكثير وانفقته على الجميع من اهلي دون تمييز, لاننا كنا جميعا شركاء فيه رغم انني وقتها كنت منفصلا عنهم في السكن بعد ان اصبح البيت غير قادر على تحمل زيادة عدد الافراد المقيمين منه. المكسب القليل يعني القنوع ويواصل ضيفنا حديثه كانت التجارة زمان وككل شيء وقتها تحتاج للصبر والامانة وعدم استغلال الناس فالكل سواء في الهم والفرح في الفرج والضيق, واليسر والعسر, ولهذا كنت اشتري اغراض دكاني من سالم بن علي وهو تاجر معروف لابيعها للناس بمكسب معقول, اما الاغراض التي كان الناس يحتاجونها في ذلك الوقت فهي العيش والطحين والسكر والقهوة ولم تكن الفواكه موجودة وكنا نفضل ان يكون طعامنا طازجا الى درجة ان الدجاج كنا نأكله مما نربيه لدينا في البيوت, وفي الحقيقة كان مكسب التجارة قليل لكنه مفيد لانه يغنيك مادامت واقعا ويحميك من الحاجة والسؤال, وهذا كان طبع الناس زمان, وكان شعارهم (اعمل تطعم) , ولم يكن احد يحب التراخي او الكسل او التواكل على الاخرين. مرطبات مثلجة بلا كهرباء وللمرطبات في حياة الحاج على قصة طريفة يحكيها بروحه المرحة فيقول: عندما علمت ان شركة البيبسي تعاقدت مع سعيد سلطان المكسح ليكون موزعا لها في امارة الفجيرة اسرعت بشراء ثلاجة تعمل بالغاز فلم تكن الكهرباء معروفة بعد وكنت اقوم بجلب حوالي 150 صندوقا كل شهر اوزعها في منطقة (مربح) وكان الناس يقبلون على هذا المشروب الجديد بالنسبة لهم خاصة واننا كنا نبيعه لهم مثلجا الى ان دخلت الكهرباء الى منطقتنا فتغير الحال, وهناع قمت ببيع الثلاجة لاحد سكان (الغيل) القريبة من كلباء لان الكهرباء لم تكن قد وصلتهم بعد وللعلم الكهرباء دخلت مريح عام 77 وتحديدا في شهر يوليو اي في عز الصيف. وعن اثر دخول الكهرباء يقول: كل شيء حولنا اضاء وبدأ استخدام المراوح والثلاجات التي تعمل بالكهرباء وتوسعت التجارة الى الدرجة التي اشتريت معها سيارة احمل فيها اغراض الدكان لكن دخلت الينا ايضا اطعمة مثلجة كالدجاج واللحوم فغيرت عاداتنا وعادات ابنائنا, وحول اسلوبه في التعامل مع زبائننا ايام زمان يقول الحاج علي الحياة كانت بسيطة والناس يعرفون بعضهم ويقدرون ظروف الاخرين يعني من يشتري اغراضه من دكاني لا اطالبه بالثمن لان اذا كان يملك فإنه سوف يسلمني قيمة ما اشتراه واذا لم يكن لديه مال فإني اصبر عليه ولن يضيع حقي عنده وعلى فكرة عمري ماتشاجرت ولا شكوت من احدى ولاجلبت الضرر لاحد ولا احرجت احد ولهذا كان الناس يفضلون التعامل معي. من محطات العمر عملت مندوبا عن أهلى: في ذكرياته يقول الحاج النعيمي: لا أنسى زيارة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة لامارة الفجيرة عقب قيام الاتحاد وأتذكر موكبه وهو يمر في منطقتنا ويقف بسيارته أمام دكاني, ويومها اختارني أهل (مربح) لأكون مندوبا عنهم ينقل لسموه مطالبهم وقد أعدوا كتابا يحمل هذه الطلبات ومنها بناء بيوت شعبية ومسجد, ويومها ذهبت وراء الموكب الى البدية واقتربت من سموه وسلمته الكتاب في يده, وبعدها بفترة قصيرة غمرنا بأياديه البيضاء وحقق مطالبنا كلها وجعلنا أطال الله عمره نعيش في يسر ورخاء. * التطوع في البريد: عملت سنوات في البريد ولم أكن موظفا بالطبع, بل كنت متطوعا أقوم بذلك خدمة للخيرات وتخفيفا عن أهل منطقتي فهم أهلي أيضا. * نصيحة لشباب اليوم: عندي الكثير كي أقوله لشباب هذه الأيام, لكني سأتحدث في أمر واحد أراه ملحا وهاما, عليكم يا شباب ان تعرفوا أن الخير في العمل, فهو شرف ويحمي الانسان من الجوع, ويلبي ايضا مطالبه في معيشة هانئة, ودعوني أسألكم لماذا تغرقون في الديون؟! ان شباب زمان اشتغلوا بدرهم واحد فقط في اليوم ومع ذلك لم يعرفوا الديون مطلقا, أما انتم فالدخل كبير وبالالوف ومع ذلك نجد بعضكم وقد تراكمت عليه الديون.. انتبهوا يا شباب من أجل ذريتكم ومن أجل ابعاد هموم الدين عنكم. علي خلفان علي النعيمي.. يروى حكايته وتجاربه مسؤولية الأسرة.. أولا .. وقراءة القرآن الكريم دائما فرحتي بنجاح الأبناء تسعدني وحفلات تخرجهم تثلج صدري لم أعرف الديون رغم الدخل المحدود الأمل موجود ما دام الانسان حياً محلات زمان تحتضن الان الأشياء الحديثة الدكاكين القديمة تعيدني للذكريات الجميلة في ماضينا البسيط. حوار: محمود علام