هو رجل يصعب الوصول إليه, لكنك عندما تفلح في اختراق حلقة المصاعب هذه, وتنجح بالفعل في الوصول اليه, وتجلس معه سرعان ما تكتشف كم هو صعب حقاً التواصل معه.لا يرجع ذلك الى أن هذا الرجل ينتمى الى نوعية صعبة المراس من البشر, فأنت إذا تجاهلت الواجهة الخشنة القاسية التي يحيط بها نفسه, ربما بحكم عمر بكامله من الحياة الخشنة , ستكتشف رجلاً يرق الحديث معه, حتى ليغدو غديراً يتدفق, في ساعة أصيل, تحت شمس من ذهب. إذا كنت تقابله لأول مرة, فمن المستحيل أن تخطئه عيناك, فهو رجل طويل القامة, نحيلها, تميل بشرته الى سمرة من قضى عمره في الترحال, أنفه طويل, وحاد وأقنى, وعيناه تميلان الى الضيق, وتحيطهما غابة من التجاعيد, شأن أي رحالة, حدق في الشمس طويلاً, وخاض الآفاق من المجهول الى المجهول. هذا الرجل, الذي نتحدث عنه, يعرفه أبناء الامارات باسم مبارك بن لندن, أما أول كتاب أثار الاهتمام به وهو (الرمال العربية) فيحمل اسمه الذي يعرف به في دوائر الرحالة والمستكشفين والمعنيين بكتب الرحلات وهو ويلفرد ثيسجر, اما اذا شئت الالتزام بالالقاب لقلت: اسير ثيجر, حامل وسام ضابط الامبراطورية البريطانية. الرجل نفسه, الذي يتحدث انجليزية خريجي ايتون, وان رشقها بعبارات وجمل جريئة الى حد الصدمة, لا يكترث قليلا او كثيرا ولا يهتم بالرسميات ولا تعنيه الالقاب وكلما كان الحديث مباشرا كان اقرب الى قلبه. هذا طبعه, وهو امر مؤكد ولكن المؤكد ان الحديث المباشر وعن قرب معه كان ضروريا, على الاقل قبل ان يجري جراحة في اذنه مؤخرا لتحسين قدرته على السمع حيث تجد نفسك مضطرا للجلوس على مقربة منه ورفع صوتك عاليا ليسمعك بوضوح ويرد عليك بالوضوح نفسه, وان لم يكن هذا الوضوح هو الراية التي يرفعها في مواجهة كل الاسئلة. ومناسبة الحديث عنه هنا هي اطلاق طبعة جديدة من كتابه (ايامي في كينيا) الذي يتحدث فيه عن سر افتتانه بهذا البلد الى حد الاستمرار في الاقامة هناك, حتى الآن وسط جماعة قبلية ارتبط بها منذ صدر العمر ولا يفارقها الا لأشهر قليلة في العام يمضيها في لندن. وقد امتد اللقاء معه في مناسبة من النوع ذاته, وهي التي يزور الخليج غالباً في اطارها, وحلق السؤال الأول في الفراغ بيننا, عفو المخاطر, فقد خطرت ببالي فكرة محددة. هذا الرجل الذي طاف بأرجاء افريقيا, وخاض اهوال رمال الربع الخالي, قبل ان تعرف السيارات, وانطلق عبر اهوار العراق, واوغل في الهضبة الآسيوية الى افغانستان, ماهي امنيته التي كان يود ان تتحقق ولكنها لم تر النور قط؟ ماهو المكان الذي تمنى ان يزوره لكن امنيته لم تنطلق تحت السماء التحقق ابدا؟ كأن علامة الاستفهام مست وترا في نفس الرجل, الذي لايبتسم الا نادرا, فعلت ابتسامة مترعة بالشجن شفتيه, واطلت من عينيه, وهو يقول انه تمنى لو انه زار التبت, واوغل المسير على قدميه في جبالها, والتقى برعاتها وسكانها ومن يمضون اعمارهم في التنقل بين سفوح جبالها وقممها. ويتيح لك هذا الرد ان تتأمل الحقيقة البسيطة اليس الانسان كائنا عجيبا؟ لماذا يتعين ان يظل في حالة عطش للمجهول على هذا النحو؟ لماذا يتوق الى المضي قدما نحو افق جديد؟ لماذا يحن ابدا الى ارض لم تطئها قدماه بعد؟ وتسأل مبارك بن لندن عن حكاية اكثر اللحظات صعوبة في رحلة عبوره لصحراء الربع الخالي, التي قادته مع مرافقيه, وهم على شفا الهلاك , الى مطالع واحات الامارات, فيرد على الفور انها تلك اللحظات التي سبقت النهاية المباشرة للرحلة, وانطلقوا فيها بعد ان امتصوا آخر قطرة ماء في قربهم, ولم يبق الا اليقين بالوصول أو اليقين بالارتماء على امتداد الصحراء في انتظار الغياب عن عالمنا الفاني. ويراودك الفضول: كيف بدت شواطىء الامارات للرحالة, الذي يعد آخر أبناء جيله من الرحالة؟ فيقول: كيف تريدني ان أرد على هذا السؤال؟ انظر الآن إلى كل هذه النهضة العمرانية الهائلة والمدهشة, وتذكر ان الواجهة البحرية التي صافحتها عيناي لدى قدومي الى هنا لأول مرة قبل نصف قرن أو أكثر لم تكن تضم الا ثلاثة مبان مشيّدة بالحجر, وتأمل أي انجاز كبير قد تحقق. ويمضي الرحالة العجوز في حديثه, ربما متناسيا وجودك الى جانبه تماما, وهو يتحدث عن انه طالما تساءل كيف بدا هذا الساحل الازرق الفاتن للقبائل الصحراوية التي قدمت من داخل شبه الجزيرة العربية عندما أطلت عليه لأول وهلة؟ لابد ان فرحة أقرب الى الصدمة قد اشتعلت عندما انكسر الافق الصحراوي منفتحا على كل هذه الزرقة التي تبدو وكأنها الزرقة الأولى في الكون. ترى كيف مضى أولئك المسافرون القدامى الى الشاطىء؟ هل ارتموا في الزرقة الساحرة مباشرة؟ أم اقتربوا منها على حذر؟ كيف تعاملوا معها؟ هل وجدوا على الشاطىء من نقل لهم اسرار هذا البحر المفعم بالمجهول وكيفية خوض عبابه ومواجهة المخاطر التي يحفل بها من رياح وعواصف واعاصير وايضا من سفن كبيرة تحمل النار في جوفها وتصبه جحيما عبر المدافع متى اقتضت مصالح ركابها ذلك؟ ويعجل الرجل الثمانيني باختتام تأملاته, قائلا: طالما تمنيت ان أكون هذا البدوي الاول الذي اطل على زرقة البحر, ولكن اليس هذا واحدا من الاحلام التي لن تعرف التحقق ابدا؟ وترحل بمجاديف الحديث مع الرحالة الثمانيني إلى البعيد إلى لندن, وتسأله عن سر حرصه على الذهاب إلى هناك كل عام للاقامة في شقته الصغيرة, رغم انه مستقر في كينيا تماما وسعيد بالحياة هناك. ويقول, على الفور, انه ليس اكثر المتحمسين للندن, أو اشد الناس اعجابا بها, وانما الامر متعلق بجوانب عملية, كإطلاق كتبه, أو اجراء فحوصات طبية, أو مواصلة الحوار مع الباحثين, الذين يؤلفون دراسات وكتبا عن سيرة حياته الحافلة. وتتذكر ان ويلفرد ثيسجر قد انحدر من عائلة عملت طويلا في خدمة الامبراطورية البريطانية, وانه هو نفسه قد امضى سنوات طويلة في خدمة الاذرع الرسمية لهذه الامبراطورية, سواء في افريقيا أو في غيرها, لكن هذا الموضوع, على وجه الدقة, ليس من الموضوعات التي يتحمس الرجل للحديث عنها, ويكتفي بالقول, وقد غابت ابتسامته ان هذا كله مودع في الاوراق, ومسجل في الوثائق ومتروك للباحثين للاطلال عليه ذات يوم ان كانت له اي قيمة على الاطلاق. وقد كان هذا هو التعبير الذي استخدمه ربما لانه يرى ان القيمة الحقيقية لكل ماقام به تنحصر في الصور الهائلة كما وكيفا, التي التقطها خلال رحلاته, وايضا في كتاباته التي سجلها في العديد من الكتب التي لاتزال تصدر حتى اليوم. وحين تذكر له حماس الكثيرين في العالم العربي لكتابه (الرمال العربية) وفي الوقت نفسه الانزعاج من الترجمتين الحاليتين للكتاب سواء البيروتية القديمة او الدبوية الحديثة, وما فيهما من اخطاء في الترجمة ومفارقة للنص الانجليزي الفاتن يقول انه تمنى لو ان مجموعة اعماله شقت طريقها الى المكتبة العربية, وانه تعاون بالفعل مع كل من حاولوا العمل لتحقيق هذا الهدف, ولكن يبدو ان ذلك سيظل حلما اخر لن يتحقق. الكثيرون في عالمنا العربي لديهم تحفظات على العالم الخلفي الذي جاء منه ويلفرد ثيسجر وغيره من الرحالة الى ارضنا العربية, وهي تحفظات في موضعها تاريخا ولكن من الذي قال ان ذلك يمنع الاستفادة الواعية من النتاج الفكري, والفني الذي تحقق في غمار رحلاتهم وربما من حيث لم يقصدوا ومن حيث لم يقصد من ارسلوهم الى الرمال العربية؟