يبدو أن صاحبي كان لا يزال متأثرا بالحوار الذي امتد بيننا حول معنى التمرد على الأب, وهو الحوار الذي بدأ من الشعر وانتهى اليه, فما ان رآني صديقي , بعد ان خرجت من قاعة المحاضرات في الكلية, واتخذت طريقي الى الخارج, حتى أقبل عليّ, وبعد كلمات السلام والتحية المعتادة, فاجأني بقوله: هل تعرف أنني عندما أفكر في أقطاب الشعر الحر ــ أو شعر الحداثة كما يسميه البعض ــ في هذه الأيام, أجد ان الكثيرين منهم جاوزوا الستين. قلت لصديقي: معك حق, فالبياتي جاوز السبعين بثلاثة أعوام إن لم تخني الذاكرة, وأدونيس بينه والسبعين عام واحد, وقس على ذلك غيره مثل محمد الماغوط الذي أصبح في الخامسة والستين وأحمد عبدالمعطي حجازي الذي وصل إلى الثالثة والستين من عمره, ولعله جاوزها. قال صاحبي: معنى ذلك ان هؤلاء جمعيا, وأقرانهم, في حكم الأب الرمزي بالقياس إلى الأجيال اللاحقة عليهم. قلت لصاحبي: هذا صحيح إلى حد كبير, فقد مضى قطار العمر بهم وبنا, خصوصا بعد ان دارت الأرض دورتها, وحملتنا الشواديف من هدأة النهر, كي تلقي بنا في جداول أرض الغربة, نتفرق بين حقول الأسى وحقول الصبابة كما جاء في شعر صديقي أمل دنقل عليه رحمة الله. قال صاحبي: وما دمت تسلم معي بذلك, فلابد أن تسلم بتحول هؤلاء الشعراء الكبار إلى تجليات لنموذج الأب الذي لابد ان يفضي إلى نقيض الموضوع, ومن ثم يدفع الى التمرد عليه من الأجيال الأحدث التي تسعى إلى الاختلاف والانجاز بعيدا عن دوائر التقليد. ودليلي على ذلك ما لاحظته من التصريحات الغاضبة للأجيال المتلاحقة في الجرائد والمجلات والدوريات, ابتداء من الصرخة التي صدرت عن بعض ممثلي جيل الستينات الذي قال أحدهم بالجملة الشهيرة: نحن جيل بلا أساتذة, وانتهاء بما نسمعه هذه الأيام على لسان شعراء الثمانينات أو التسعينات من هجوم على أدونيس أو عبدالوهاب البياتي أو أحمد حجازي أو صلاح عبدالصبور أو غيرهم من الشعراء الكبار الذين اتخذوا صورة الأب الذي لا يمكن انجاز ابداع مغاير الا بالتمرد عليه. قلت لصاحبي: يمكن ان أوافقك على ما تقول بسهولة. لكن عليك ان تفرق بين تجليات الأب في هؤلاء الشعراء, ما دمت قد دفعتني إلى التسليم بحضور الأب المتعدد, فهؤلاء الشعراء لا يمثلون اتجاها واحدا أو مدرسة واحدة, ولاشك ان تعلم ان الفارق بين أدونيس وأحمد حجازي كالفارق بين أبي تمام والبحتري وربما أشد, وعبدالوهاب البياتي لا ينتمي إلى رؤيا العالم نفسها التي ينتمي إليها أدونيس, وكلاهما يختلف بالطبع عن سعدي يوسف أو محمد الفيتوري... الخ. يضاف إلى ذلك ان العلاقة بين هؤلاء الشعراء والأجيال اللاحقة لم تأخذ اتجاها واحدا أو صورة ثابتة, وذلك منذ ان أخذ الشعراء الكبار يحدثون قطيعتهم الابداعية عن الشعراء السابقين عليهم, ابتداء من الخمسينات التي شهدت الدواوين التأسيسية الأولى لكل من بدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وأدونيس ومحمد الماغوط وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم. ولم تمض الستينات إلا وكان هؤلاء الشعراء آباء لغيرهم من الجيل اللاحق الذي تمرد على تجليات الأب بدرجات مختلفة, اتخذ بعضها شكل استبدال أب شعري بأب آخر. قال صاحبي: وكيف كان ذلك؟ قلت: خذ تجربة جيلي الذي ابتدأ حضوره الفاعل منذ أواخر الستينات مثالا لما أقصد إليه. لقد بدأنا شعريا بالانتصار لصلاح عبدالصبور من آبائه الذين تمرد عليهم, ووقفنا مع جيل صلاح في الثورة على عباس العقاد الذي أحال قصائدهم إلى لجنة النثر للاختصاص, وكان ذلك حين كان العقاد مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى لرعاية الآداب الذي أصبح اسمه المجلس الأعلى للثقافة فيما بعد ذلك بسنوات. ولقد أنشدنا مع صلاح عبدالصبور قصائده عن ابن عمه مصطفى الذي يحب المصطفى, والناس في بلادنا الجارحين كالصقور, هؤلاء الذين كان غناؤهم ينز كاللهيب في الحطب, وانتقلنا بعيني صلاح عبدالصبور لنرى مشاهد من رحلات السندباد الليلية, ورثينا الفتى زهران, وكررنا مقاطع من الظل والصليب, وتقمصنا أقنعة بن الخصيب وبئر الحافي, خصوصا حين فقدنا الرضا بما يريد القضاء وطوفنا مع الحلاج الذي رأيناه مثلنا رجلا من غمار الموالي فقير الأرومة والمنبت. وكنا نتصور الشاعر نموذجا لحكيم متعقل يسعى إلى ان يكشف عن النظام في العالم, ويجعلنا ننتسب إلى هذا النظام, ورددنا مع صلاح عبدالصبور الأسطر التي تأولناها لتغدو وصفا للشاعر, وهي الأسطر التي تقول: كان يريد أن يرى النظام في الفوضى,

وأن يرى الجمال في النظام...

وكان في المساء يطيل صحبة النجوم

ليبصر الخيط الذي يلمها

مختبئا خلف الغيوم

ثم ينادي الله قبل أن ينام:

الله, هب لي المقلة التي ترى

خلف تشتت الشكول والصور

وكنا نمد أبصارنا مثل هذا العاشق للجمال لنؤكد النظام في عالمنا, مدركين ان ثمة نظاما موجودا يحمينا وندين له بالولاء, قد يختفي هذا النظام خلف تشتت الشكول والصور, أو تغير الألوان والظلال, أو حتى خلف اشتباه الوهم والمجاز, لكنه موجود, نستند إلى وجوده الذي نرتكن إليه, ونبحث عنه كما بحث صابر عن أبيه سيد سيد الرحيمي. ومضينا على ذلك إلى ان انقلبت الدنيا رأسا على عقب, ودخلنا في الليل, الرحم, الغابة, الخوف الداجي, وغرقنا في أنهار الوحشة والرعب المتمدد والرؤيا الهولية وسقوط الحاضر في المستقبل. قال صاحبي: تقصد إلى كارثة العام السابع والستين التي أسميناها نكسة هروبا من الوقع الفاجع لكلمة الهزيمة أو الكارثة؟! قلت: نعم. أقصد إلى ذلك. قال: معك كل الحق, فهذه الكارثة أفقدتنا جميعا اليقين, وهدمت الكثير من المطلقات التي عشنا بها طويلا, وأفقدتنا المحور والمركز, وألقت بنا في العراء القاسي بعد أن فرت من أبهاء الوطن الأسطورة. وأذكر أنك كنت تنشدنا في أعقاب كارثة العام السابع والستين شعر صلاح عبدالصبور الذي كنت تحفظه, ولا ترى له نظيرا بين الشعر العربي المعاصر في هذه السنوات, وكنت مثلنا تبحث عن وردة الصقيع وعن المعنى حيث اللامعنى, وكنت تردد كثيرا هذه الأسطر التي حفظناها عنك, هل تذكر هذه الأسطر التي تقول ان لم تخني الذاكرة: لا أدري كيف تغلغل في وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد ولكن ما علاقة هذا كله بما تتحدث عنه من استبدال أب بأب, ومن التمرد على الأب المعتاد باللجوء إلى الأب النقيض, في المدارات المغلقة للثقافة البطريكية التي مازلنا نحياها, ومازالت تتحكم فينا, رغم كل محاولات تمردنا عليها؟ قلت لصاحبي: العلاقة هي ما ذكرته أنت نفسك عن الوطن الذي فرت من أبهائه الأسطورة, وعن انعدام المعنى في كل شيء فكارثة العام السابع والستين جعلتنا ندرك انه لا يجود نظام أصلا نرتكن إليه, وان الفوضى التي أصبحنا نعيشها لم يكن وراؤها سوء الفوضى, وان الخيط الذي كان يمكن ان يلم النجوم التبعثر في السماء انقطع, فلم نعد نرى سوى التبعثر والتشرذم والتشظي والتجزؤ, ولم يكن هناك من ضوء يهدينا, أو حتى قلائد من جمان , كما قال أبو العلاء المعري قديما, لم يكن هناك من شيء سوى رعب العدم الذي اتخذ شكل مهزلة أرضية هائلة تحولنا نحن إلى أبطالها وضحاياها في مسرحية عبثية لم نعد نعرف لها بداية ولا نهاية, وأدركنا انه لم يعد يكفينا نموذج الشاعر المتعقل الذي يقودنا في رحلة البحث عن النظام في الفوضى, الشاعر الحكيم الذي لايرى الجمال إلا في النظام, فقد تساقطت الأنظمة ولم يبق نظام يقنعنا, ولم يعد الجمال في نظرنا هو النظام, فالنظام لم يعد له وجود بعد ان لم نعد نرى سوى التجزؤ والتشرذم والتمزق والانقسام والفرقة. وعندما وصلنا إلى هذا الادراك ابتعدنا عن صلاح عبد الصبور الأب الذي ظل إلى النهاية يعلمنا ضرورة ان نبحث عن النظام في الفوضى, وان نرى الجمال في النظام, وتمربنا عليه لأن عالمنا كان نقيض النظام وقرين الفوضى, ولا شيء ثابت فيه, إلا كل ما يناقض النظام ويدعو إلى الفوضى, فانقلبنا على صلاح عبد الصبور الأب, وقمنا بالشعائر الرمزية لقتل الأب الذي يجسد في نموذج الشاعر الذي انطوت عليه أعمال صلاح عبدالصبور, وبحثنا لأنفسنا عن أب نقيض يتفق مع عصرنا الذي غرق إلى قرارة الجنون. قال صديقي: الحق معك هذ المرة, ولن أشاكسك أو حتى اختلف معك, هذه الفترة التي أعقبت كارثة العام السابع والستين كان فترة غياب المعنى واليقين, ولذلك انتشرت تجليات (العبث) و (اللامعقول) في حياتنا, ولم يكن مصادفة ان يدخل توفيق الحكيم المتعقل جدا الذي استشعر نذر الكارثة إلى عالم (اللامعقول) وكتب (ياطالع الشجرة) قبل النكسة بسنوات معدودة, وان يسعى نجيب محفوظ إلى تجسيد العبث الذي غزا كل شيء في أعمال مثل (خمارة القط الاسود) و (تحت المظلة) و (حكاية بلا بداية ولا نهاية) . وفي الوقت نفسه كتب يوسف ادريس أقاصيصه الرمزية التي كان أشهرها (العملية الكبرى) التي فهمناها جميعا في دلالتها على كارثة العام السابع والستين. وكان ذلك إلى جانب المسرح الذي انتقل فيه يوسف ادريس من الأعمال الواقعية أو شبه الواقعية التي كانت لا تخلو من تفاؤل, مثل (اللحظة الحرجة) أو (جمهورية فرحات) وما أشبه, إلى أعمال قاتمة تؤكد غياب المعنى والمنطق من مثل (الفرافير) و (المهزلة الأرضية) وأنا أذكر هذه الفترة جيدا, لأنها كانت فترة الجحيم الذي خرجنا منه متمردين على كل شيء, تملؤنا الرغبة في ارتكاب الشعائر الرمزية العنيفة لقتل كل الآباء الذين قادونا إلى هذه الكارثة, ولكن من الأب الشعري النقيض الذي استبدلت به الحضور الرمزي لأبوة صلاح عبدالصبور؟ وما الصفات التي جعلتك تنجذب إليه كي تستبدل به غيره؟ قلت لصاحبي: كان أدونيس هو هذا الأب النقيض, لم أكن وحدي في ذلك, بل كنت واحدا من طليعة الشباب المثقف الذي فجعته كارثة الهزيمة وألقت به في دوامة الجنون, فقد وجدنا في شعر أدونيس ما يشبع رغبتنا في التمرد على كل شيء والخروج على كل قاعدة, والثورة على كل مبدأ ثابت, والاندفاع مع الأسئلة التي لا تكف عن توليد الأسئلة, ولا تقنع باجابة قط, واندفعنا مع شعر ادونيس, إلى التعرف المجدد على عالمنا الذي أصبح عالما يلبس وجه الموت, فبحثنا معه عما يزرع الفتنة, ويرعب وينعش, أو يرشح فاجعة ويفيض سخرية, وقلنا لأنفسنا ما قاله مهيار الدمشقي, ليس لنا اختيار غير طريق النار, غير جحيم الرفض, وتعلمنا ان نرى ما تحت الجلد, وما تحت الوعي, باختصار, وجدنا في فوضى عالمنا الذي تتحدث عنه قصائد أدونيس قطارا للحواس, ومراكب للأعضاء, وشرفات, ومعاول وثقوبا في أسمنت الحصار, وبدا لنا الأمر كما لو كان ادراك الفوضى وتجسيدها الابداعي وعدا ما, أملا, بحثا عن المتغير الذي يعصف بكل الثوابت المتحدة للنظام والاتحاد اللذين ظلا شعارا أثيرا, وأنت تعرف البقية.