في تاريخ كل منا لحظة هي الأهم في حياتنا. كل ما سبقها من سنوات هو تمهيد لها, وكل ما يتلوها من سنوات هو صدى لها. واللحظة الأهم في حياة محمد مهران عندما كان في الثامنة عشرة من عمره, وكانت الدنيا في عام 1956. وقبل ان اتابع حديثي أعرف ان الكثيرين سيتوقفون ويسألون : من هو محمد مهران؟ على اعتبار ان هذه الاستراحة يقرأها الكثيرون وهذا مالا أظنه وأقصد ما اكتبه, حتى لا يغضب زملائي من كتّاب الاستراحة. وهؤلاء (الكثيرون) لو اعترفنا بهم لهم حق , فبطلنا هذا لا ينتمي الى الاسماء التي تطنطن لها وسائل الاعلام في زماننا هذا, ولذلك يجهله الكثيرون, ولكن يعوض هذا انه يعرفه الكثيرون, ويقرأونه ككتاب مفتوح. ولكي لا ادخلك في متاهات تعتبر من ألاعيب الكتاب اقول لك باختصار وبمباشرة ان محمد مهران أحد اساطير العصر الحديث مثلما كان الشاطر حسن والسندباد وشهريار في العصور السابقة. ولا أدري متى عرفت محمد مهران لأول مرة, وربما كان ذلك ايام لحظة عمره الهامة اي في عام 1956 ولكن بدأ أول اتصال بيننا منذ عام تقريبا, عندما تحدث الي تليفونيا وقال انه حصل على رقم تليفوني من الاستاذ عادل عبدالناصر أخ الزعيم الراحل. ولم أصدق ان الذي حدثني هو الاسطورة التي أراها تفوق كل الاساطير. وحاولت ان ارد له المكالمة بأخرى, ولكن شيئا ما كأنه الهيبة جعلني لا أبادر بذلك. وان كان فضولي اشتد لمعرفة هذا الرجل. وفي العيد الماضي اخذت الاولاد والاحفاد وسافرنا الى (بورسعيد) وهي مدينة ساحلية جميلة وهادئة, احبها كثيرا خاصة لانه ليس لي فيها علاقات اجتماعية قوية تحول الاجازة الى زيارات ومجاملات ولذلك فأنا اهرب اليها كثيرا. وكان في اجندتي امر واحد هو ان اتصل بمحمد مهران, لكنه عرف من الصديق المصدر الشهير سعيد شيمي انني في بورسعيد, فاتصل بي في الفندق قلت له انني كنت على وشك الاتصال به, فقال لي انه سيأتي الي مع (الحاجة) ! ولكن لنعود الى (اللحظة الاهم) لتعرف معى محمد مهران, كان ذلك في عام 1956 عندما امم عبدالناصر شركة قناة السويس, وكان محمد مهران شابا كأي شاب, تطوع في الحرس الوطني مثل كثيرين في سنه, وتدرب على فنون القتال. وفي 29 اكتوبر بدأ العدوان الثلاثي (بريطانيا, فرنسا, اسرائيل), وذهب محمد مهران الى مقر الحرس الوطني حتى دون ان يجد اهله, وكان عضوا في كتيبة تتكون من ثلاث سرايا, وكان على صغر سنه قائدا للسرية الثانية, التي اوكل اليها حراسة منطقة الجيل, حيث يقع فيها احد المطارات. وفي يوم 7 نوفمبر بدأت القوات البريطانية في انزال جنود بالمظلات في منطقة الجيل, وكان محمد مهران وسريته قد لجأوا الى كمائن لاترى, واطلقوا النار على المظليين واصابوهم خسائر كبيرة. بعد فترة نزلت طائرة مروحية, تحمل خمسة من العسكريين, وقدر مهران انها قوة استطلاعية تهدف الى اختبار المكان, وتهيئ لانزال على مستوى كبير, ولذلك منع رجاله من اطلاق الرصاص على الطائرة المروحية التي كانت على طبق من ذهب امام الفدائيين. وطارت الطائرة المروحية, وما كادت تختفي حتى امتلأت السماء بالطائرات التي تلقى المظليين, وكانوا هدفا لمهران ورجاله ولكن المعركة لم تكن متكافئة لا من حيث العدد ولا من حيث السلاح والذخيرة. واخذ الحماس زميله (زكريا) فخرج من كمينه ليقاتل المظليين بالسلاح الابيض, وهكذا تصدى الكمين, فأصيب مهران برصاصة في رأسه افقدته الوعي. واستعاد الفتى وعيه ليجد نفسه في معسكر للاسرى ملىء بالجنود البريطانيين, وكان جريحا مرهقا, شديد الاحساس بالعطش فطلب شربة ماء, لكن احد الجنود قال له: للاسف ناصر لم يرسل لك ماء لتشربه! واستمر الجندي يستفز مهران, الذي هاجم الجندي, لكن زميلا لهذا الجندي القى على مهران قنبلة مضادة للافراد, اصابته بجروح كثيرة في ساقيه. وكانوا قد اخذوا بطاقته وعرفوا منها انه قائد السرية الثانية, وطلبوا منه معلومات تفصيلية عن القوات الفدائية لكنه رفض ان يتحدث في هذا. وعندئذ قال له احدهم: لقد تسببت في عمى احد ضباط بريطانيا, ولذلك سنرسلك الى حيث ينتزعون عينيك لكي يبصر الضابط مرة اخرى. ولم يخطر على بال مهران انه يقصد نص ما قاله. كان يعتقد انه مجرد تخويف. ونقلوا مهران إلى القاعدة البريطانية في قبرص حيث استقبله أربعة من الجنود الأشداء قاموا بتعذيبه لفترات طويلة, ولكن يظهر طبيب انجليزي يأمرهم بأن يكفوا. يقول مهران انه أحب الطبيب, ولم يكن يعرف انه قد قابل أخيرا الكابوس الأكبر في حياته. قال له الطبيب انه قد تسبب في أن يفقد ضابط بريطاني بصره. ولذلك قرروا ان ينزعوا قرنيتي مهران, لنقلهما إلى عيني الضابط الانجليزي الا اذا... وتعلق مهران بالأمل, وقد بدأ يدرك أخيرا ان الأمر ليس مجرد تهديد أجوف. قال الطبيب الانجليزي: من الممكن أن ننقل قرنية واحدة, ونترك لك عينا تبصر بها بشرط أن تسجل للاذاعة البريطانية هجوما على جمال عبدالناصر, وحديثا منه أن المصريين استقبلوا القوات البريطانية الغازية بهتافات الترحيب. وكانت كل أحلام مهران في تلك اللحظة دقيقة واحدة من الراحة, يلقى بعدها الموت لا مباليا. فوافق على عرض الطبيب. وأتى الطبيب بشخص آخر ربما كان من رجال الاعلام, وأحضر جهاز تسجيل. واختبر الجهاز, ثم قدم محمد مهران على انه أحد مواطني بورسعيد. وانه يريد أن يتحدث بصراحة ودون ضغط وكل من يسمع للاذاعة البريطانية. وأشار الطبيب لمهران الذي كان قد كسب دقائق كثيرة من الراحة, فالقى خطابا حادا سريعا أنهاه بالهتاف لمصر ولجمال عبدالناصر. وعاد الجنود الأربعة ليعذبوه بأقسى مما كانوا يفعلون. ثم توقف التعذيب فأدرك ان الساعة المتوقعة قد أتت. ومر بالطبيب وهو في طريقه إلى غرفة العمليات, فرجاه أن ينفذ المساومة التي عرضها: عين واحدة. لكن الطبيب سخر منه. شخصية هذا الطبيب أثارتني جدا. فكيف يتحول طبيب في أكثر بلد متقدم طبيا ونحن نتحدث عن الخمسينات إلى وحش من وحوش التعذيب. شخصية أخرى أثارت اهتمامي أيضا, وهي شخصية الضابط الذي نقلوا له قرنيتي انسان على قيد الحياة ومرغم على هذه العملية, ومجبر على أن يهب له بصره. وهي شخصية أثارت حولها حكايات أسطورية. فلقد قيل انه أتى إلى بورسعيد لزيارة مهران, وزاره في المتحف الحربي الذي عين فيه بأمر من الرئيس عبدالناصر. واستمع إليه خلسة وهو يشرح لبعض الزائرين, فوجده حادا في حديثه, وهذا ما لاحظته أنا أيضا, وفاق من هذه الحدة, فعاد إلى بلاده. وقيل أيضا انه تزوج من فتاة كان قد خطبها قبل الحرب, ولاحظت الفتاة في شهر العسل اختلافا في نظرات زوجها. فلما سألته حكى لها القصة, فاعتبرت قبوله لانتزاع البصر من شخص مسلوب الإرادة عملا غير شريف, وتركته. وقيل أخيرا ان هذا الضابط انتحر بعد ذلك. أيا كان ما حدث, فهذه هي المرة الأولى التي ينتزع فيها بصر أسير حرب ليهدى إلى عدوه. أو هذا ما أظنه!