يستطيع الراديو ان يتباهى بسعة الانتشار وتهافت ملايين المستمعين على ما يبثه من مسموعات, ويستطيع التلفزيون ان يتيه على الاقران عجباً وخيلاء بعد ان وصلت رسالته المصورة المرئية الى كل اقطار كرة الارض المعمور منها وغير المعمور لكن تظل الصحافة المطبوعة الجريدة او المجلة هي العمدة في مجال الاعلام الجاد.. الحقيقي, المؤثر والفعال . كأنما يصدق على هذه الصحافة المطبوعة ذلك التعبير الدارج الذي كان يردده المطرب الشعبي محمد طه في مصر الستينات وربما السبعينات وهو:(ع الأصل دور) (بتشديد الواو) وكان يختم به مواويله البلدية التي كان يتغنى بها اذ يظهر على الناس, في التلفزيون بطربوشه الاحمر وجلابيته الغامقة ومن خلفه كان يقف (الاوركسترا) المصاحب للعم طه مؤلفاً من ضابط الايقاع شعبان شقيق المطرب شخصياً ومعه حامد عازف الصفارة او السفرتي كما كانوا يسمونه.. اما النجم البارز وسط هذه الجوقة الفريدة فكان (عم احمد) عازف او نافخ الارغول لا تراه الا وقد نفخ شدقيه وتوترت من ثم عروق رقبته وارسل عينيه تحدقان في المجهول وقد استوت من امامه تلك البوصة الفلاحي الطويلة تصدر أنغاما من طبقة الباص, الغليظة وتسود خلفية المسمع في وقار اجش وشجن عميق كي تفسح المجال.. امام نغمة الناي الملتاعة اليافعة الثاقبة في اطار تمهيد وئيد للمطرب وهو يستعد لاداء الموال الاخضر الوصفي او الاحمر المشبوب العاطفة على السواء (محمد طه) او الحاج محمد طه كما كانوا يسمونه كان من ابداعات زكريا الحجاوي المثقف الموسوعي الذي كان واحداً من اباطرة الكلام في مجالس الكلام في مصر على امتداد ثلاثة عقود انتهت برحيله في قطر الشقيقة في عقد الثمانينات على ما تعيه ذاكرتنا كان الحجاوي محدثاً وكاتباً للقصة والمقال والموال والتمثيلية ولكن الاهم انه كان شغوفاً بالفولكلور تراث الشعب وكان مؤمنا بأن الريف هو منبع الابداع وهو موئل المبدعين وكم ظل يجوب القرى والنجوع في ربوع وادي النيل, بين الدلتا والصعيد غواصا يفتش عن دانات المواهب الفطرية هنا او هناك.. ثم يأتي بها الى العاصمة ويقدمها على ارقى مسارح القاهرة بعد ان يتبنى اصحابها ويتولى صقلها مثل اي جواهرجي بارع متمكن. ولقد قيض للنفير, كاتب السطور, ان يعايش هذا العالم الغريب, الفريد عالم الطرب البلدي والابداع الشعبي.. عندما قدمنا (الميثاق الوطني) وكان اكمل وانضج وثيقة سياسية قدمها عبدالناصر وبلور فيها تجربته وطرح بين سطورها آمال حقبته ومشاكلها ودروسها المستفادة قررنا ان نقدم هذا العمل الفكري ــ السياسي ــ الايديولوجي في حلقات شعبية في اذاعة صوت العرب فكانت اشبه بترجمة المفاهيم العقائدية والمقولات السياسية والطروحات الفكرية المعقدة الى لغة ابسط واقرب الى وجدان بسطاء المواطنين من الفلاحين والحرفيين, ونقول اقرب الى وجدانهم لأننا قدمنا (الميثاق الوطني) على شكل ازجال شعبية والحان فولكلورية جرت على ألسنة مطربين ومؤدين لهم بدورهم صفة الشعبية من امثال محمد طه ومحمد العزبي وسيد حواس وكان الاخير يتميز باداء الشعر الشعبي على الربابة مجسدا بذلك تراث رواة الملاحم الشعبية الكبرى في السهرات والاسمار التي ترجع الى عهد المماليك او الفاطميين... ومنها السيرة الهلالية او ملاحم الظاهر بيبرس او علي الزيبق او خضرة الشريفة وغيرها. ولقد تولى كتابة هذا العمل فنان من عمداء زجالي تلك الحقبة هو المرحوم عبدالفتاح شلبي وانجزه في ابداع شعبي مقتدر واع وحكيم, ويكفي مثلا ان يتحدث عبدالناصر في الميثاق الوطني عن ضرورة ان يخصص الدستور للفلاحين والعمال نصف مقاعد المجالس النيابية باعتبارهم الاغلبية العددية من ابناء الشعب, وبحكم انهم كانوا الوقود الحقيقي للثورات الشعبية والوطنية التي انتفضت بها الجماهير دفاعا عن حريتها واستقلالها... الخ, فإذا بالشاعر الشعبي عبدالفتاح شلبي يترجم هذه المفاهيم الى شعر بسيط او يبدو بسيطا بساطة الفطرة الابداعية فيقول: فلاح وعامل... لهم دستورنا راح يضمن نص الكراسي, لتمثيلهم يكون أضمن دول اغلبية, وهما الساعد الايمن واي تنظيم سياسي, شعبي يجمعهم يرد روحهم, ويرفع شأنهم دايما. على هذا المنوال... عايشت هؤلاء الفنانين الفطريين اكلت خبزهم, واستمعت الى طرائفهم وشاركتهم ــ قدر ما استطعت ــ تحضير الالحان التي لم تكن مدونة في نوتة ولا كانت مصبوبة في اي من قوالب الموسيقى بل كانت مستقاة او منحوتة من مرددات الشعب ومحفوظات الوجدان التاريخي التي تراكمت نغما اصيلا على مر الاجيال وكان الحاج محمد طه يتمتع بذكاء الفلاح, فطريا ولماحا, وكم ارتجل في حضور الزعيم عبدالناصر مواويل عن العروبة والانجاز والسد العالي والتحديات... كانت القوالب الراسخة محفوظة شبه جاهزة في مخزون ذاكرته ومن فوق هذه البنية الاساسية الموروثة, كان بوسعه ان يبني من وحي اللحظة التلقائية مداميك جديدة من المعاني والايحاءات وكان ذلك نوعا من الارتجال المحسوب كما قد نسميه ولكنه كان محببا الى اسماع المتلقين في كل حال. ولانه كان ابن نكتة سمحا واسع الصدر فقد كان يستملح مثلا وصف الكوميديان سمير غانم جوقته من ملابس الجلاليب قائلا: ان محمد طه يطلع على المسرح ومن خلفه ثلاثة او اربعة من مخبري الشرطة يؤدون دور العازفين! ترى ما الذي جلب الى الذاكرة سيرة محمد طه و عم احمد عازف الارغول و(حكاية ع الاصل دور) ؟ لعل السبب هو انصاف الصحافة المطبوعة بوصفها الاصل وباعتبارها الافعل تأثيرا بين وسائط الاعلام في زماننا: وقد اثارت هذه الاشجان مقالة الكاتب الامريكي (ج ديون) في أحدث اعداد (الواشنطون بوست) التي جهد فيها ان ينصف المجلة والجريدة من سطوة التلفزيون وصولة الراديو ــ مشيرا الى دور الصحافة المطبوعة في كشف المستور من مشكلات وربما فضائح المفوضية الاوروبية . وكم صال التلفاز وكم جال المذياع في جنبات المفوضية اياها يبرز انجازاتها ويرفع مسؤوليها الى مراقي النجومية وربما عرض الاعلام المرئي او المسموع يوما الى شكله هنا او هناك من مشكلات المفوضية بل كان المعروف ــ كما يقول الكاتب الامريكي ــ ان المفوضية يشوبها قدر لاتحسد عليه من الفساد والمخالفات.. لكن هذا كله كان ينبغي ان ينتظر الى ان تتصدى لمعالجته بالنشر والعرض والتحليل والتفنيد وسيلة اعلامية مطبوعة اسمها جريدة (لبراسيون) اليومية الصادرة في باريس. لقد كتبت الصحيفة الباريسية قصة واحدة كانت قشة البعير كما قد نقول لانها او كانت (ضربة المعلم) اذ كتبتها بشطارة وكفاءة وقوة واقتدار وهي قصة عقد قيمته 160 ألف دولار ضمته رئيسة المفوضية الاوروبية الى طبيب لاجراء دراسة متخصصة ومتعمقة حول وباء (الايدز) لكن الجريدة الاوروبية اللبيبة مضت لتكشف امام قرائها عن حقائق خطيرة منها ان الطبيب لم يتسلم العقد السخي لوجه العلم ولا الطب.. ولكن لانه كان من نفس المدينة التي تنتمى اليها السيدة المفوضة الاولى, يعني كان (بلدياتها) كما يقول المصريون, وان تقاريره الطبية التي قدمها وجدت طريقها ــ مع كامل الاحترام ــ الى سلة المهملات.. فقد اعتبرها المحكمون المختصون عديمة الجدوى فارغة المضمون, اذ كان المحروس طبيبا للاسنان! وفي هذا السياق يعلق (ديون) في مقالة (الواشنطن بوست) قائلا: ــ (ان الصحافة لا تستطيع ان تغير الاوضاع لكن الذي حدث ان ما نشرته جريدة (لبراسيون) ادى الى وضع المؤسسات الديمقراطية (مثل المفوضية الاوروبية) في ميزان الفقد وعلى محك التدقيق والتقييم ومن ثم افضى الامر الى اتخاذ اجراءات, وتلك قضية من شأنها التذكير بأهمية التحقيق الصحفي العميق والمسؤول) . في الراديو قد تضيع اجزاء مهمة وهيكلية من الحقائق بحكم كونه وسيلة تتعامل في حدود الاصوات والاسماع, وفي التلفزيون, ورغم بلاغة الصورة المرئية, قد تتداخل جوانب الترفيه مع جدية القضية المعروضة لكن الامر مختلف مع الصحافة المطبوعة تأمل مثلا كيف يكون الامر فعالا ومؤثرا, بل ودامغا لو طالعت وثيقة مهمة وخطيرة على صفحة جريدة محترمة ومجلة جادة ان الامر لن يكون على هذه الدرجة من الفعالية لو شاهدتها سيادتك على الشاشة الصغيرة, ناهيك عن ان المعرفة ــ في الراديو تتم فحسب عن طريق السماع وما فعلته (لبراسيون) في كشف انحرافات المفوضية الاوروبية, سبقت اليه (واشنطن بوست) في كشف وثائق فيتنام وفي متابعة فضيحة ووترجيت ومن ثم في الاطاحة برئيس اكبر دولة في العالم وكان اسمه ريتشارد نيكسون. فهل نحن متميزون للصحافة المنشورة ــ المطبوعة وللعاملين فيها الذين يطلق عليهم صاحبنا الكاتب الامريكي (ج ديون) وصف (الصحفيين الحقيقيين) ؟ ام ان المسألة لابد وان تصل الى تحقيق التكامل بحثا عن الحقيقة بين شتى وسائط الاعلام في اطار ما اصبح يطلق عليه وصف (الملتى ميديا) ؟ ام اننا مازلنا نعاني مرض الحنين المشوق الى الماضي,, فنكاد نغمض العين عن فعالية الاعلام المتلفز على حساب الاعلام المطبوع؟ ام ان المسألة, ببساطة, مجرد تمسك بالمقولة الحكيمة التي رددها يوما الحاج محمد طه.. وقال فيها منبها (ع الاصل.. دور..) ؟