ليس مجرد نجم سينمائي مسرحي تلفزيوني, بل هو فنان مثقف سريع البديهة, صاحب رؤية فنية وسياسية جديرة بالاحترام ان لم تكن جديرة بالنقاش .. اختار طريق الفن في وقت متأخر نسبيا, بعد ان تخرج من كلية الطب بالقاهرة وسريعا ما لمع في ادوار فنية لها خصوصيتها. ورغم انه لا يتمتع بمواصفات (الفتى السينمائي الوسيم) فقد قدم ادواراً رومانسية كثيرة, يعتبرها البعض اليوم غير مقنعة.. ومع الاعمال الدرامية لأسامة انور عكاشة احتل مكانة خاصة لدى جمهور الدراما المصرية. في حوارنا معه يتقبل يحيى الفخراني النقد بارتياح شديد ربما بحكم خبرته واتساع ثقافته.. قطع مسافة كبيرة في حسم بعض القضايا الفنية, واصبحت آراؤه بخصوصها ناضجة وعميقة وواضحة. عن مشكلة السينما المصرية مثلا يصل الى جذورها بسرعة ويعتبرها مشكلة منافسة مع وسائل اعلامية اخرى, ولا سبيل الى تجاوزها الا بأن تكتسب السينما ادوات جذب خاصة وفي الموضوع قبل الشكل.. ماذا عن مشروع مسلسلك الجديد (الملك فاروق) ؟ الحقيقة انني الذي رشحت نفسي.. لاني صاحب المشروع وكان الاتفاق بيني وبين وزير الاعلام المصري صفوت الشريف منذ اكثر من عشر سنوات.. اتفقنا على تقديم عمل تاريخي عن تلك الفترة. واتضح انه عمل يحتاج الى من يتفرغ له, وبدأت المؤلفة في الكتابة, وأخذت ثماني سنوات في كتابة 15 حلقة, لانها بعد كتابة بعض المشاهد تستشعر ان احداثها غير مؤكدة في بعض الكتب , او ان هناك ملاحظة عليها, فتقوم بالمراجعة, وتكاد ان تكون الكتابة بهذا الشكل دراسة, اكثر منها كتابة حرة خيالية. هل يستعرض السيناريو الجانب السلبي أم الايجابي في حياة الملك فاروق؟ لا هذا ولا ذاك السيناريو حيادي.. يحاول ان يحكي ما حدث بالضبط.. وكل شخصياته حقيقية, ليس بينها شخصية مؤلفة.. ويحاول السيناريو ايضا مراجعة كل الاحداث او الكتابات المغلوطة عن الملك فاروق.. وقد ظهر بعد هذا التاريخ الطويل ان هناك اشياء شاعت عن الملك ليست حقيقية على الاطلاق, الدافع وراء بعضها تصفية حسابات, وبعضها (عبيط) اعلاميا, وقد ذكر كثير ممن عايشوا حياة الملك وتلك الفترة حقيقية مثل هذه الدعايات والتي تسقط حاليا.. ويحاول السيناريو ايضا ان يقول ما للملك فاروق وما عليه.. والمسلسل في حقيقة الامر ليس عن الملك فاروق كشخص وانما عن تلك الفترة من حياة مصر.. والمسلسل اسمه (فاروق الاول والأخير) ويتعرض للسياسة وقواها في ذلك الزمن.. الوفد والقصر والقصر والانجليز. هناك بعض النجوم الذين يحجمون على لعب ادوار شخصيات سياسية معينة, بحكم ان لهم موقفا منها او انها مرفوضة جماهيريا, والمعروف ان يحيى الفخراني فنان له رؤية سياسية.. ترى هل ترددت في قرارك تمثيل دور الملك فاروق؟ لا يوجد شيء اسمه (لا اقوم بهذا الدور) .. سمات الشخصية شيء والفكرة المطروحة في العمل شيء اخر.. ولا يوجد ايضا فنان ليس له اتجاه غير محدد.. رجل الشارع البسيط يمارس السياسة يوميا ربما دون ان يدري انه يمارس السياسة, حتى من خلال رفضه مثلا المشاركة في الانتخابات.. والفنان هو صوت الناس.. وليس صوت الحكومة ولا صوته شخصيا.. واعود الى نموذج (الشخصية السلبية) وقيام الممثل بأدائها دون خوف من انعكاس كراهية الناس للشخصية عليه, واحب ان اؤكد على ان هناك جوانبا مهمة يمكن ابرازها من خلال تقديم تلك الشخصية السلبية, واضرب مثالا.. شخصية (ابو جودة) رئيس الموساد الاسرائيلي التي لعبتها في فيلم (اعدام ميت) .. هو يهودي لكنه (وطني جدا) ومؤمن للغاية بقضيته. وهو عدوك ولكن يجب ان تراه كما هو.. واهتمامي بان اؤدي هذا الدور كان سببه مواجهة الاتجاه الاعلامي السابق عن الاسرائيليين, والذي صورهم باعتبارهم مجرد (بخلاء وأغبياء) واننا نستطيع (بحركة خفيفة) ان نهزمهم ونسحقهم.. كان من الضروري والمهم ان نصحح هذا التصور الخاطئ عن العدو الاسرائيلي لكي نستطيع بالفعل مواجهته.. وقبل تصوير هذا الفيلم ذهبت الى مختصين مصريين تعاملوا مع المخابرات الاسرائيلية وسألت ان كان احدا رآه وماذا كان يلبس.. فقالوا لي انه كان يرتدي احيانا قميصا ابيض وشورت, اي انه لم يكن كما توقعت او تخيلته من قبل كشخص يرتدي البدلة والكرافتة طول الوقت, وكنت قد اعددت قبلها مجموعة من البدل والملابس للدور.. اي انه كان بسيطا حريصا على ان يحبب الناس اليه حتى يحتويهم ويقدمون اليه المعلومات التي يريدها.. لذلك كنت حريصا واقرب الى الواقع.. ولا يقتصر الامر على شخصية عدو.. بل يمتد الى اي شخصية سلبية اخرى, وعلى المستوى الاجتماعي ايضا مثل الشخصية التي لعبتها في (الخروج من المأزق) عن مسألة توظيف الاموال.. ما رأيك في اتجاه اسامة أنور عكاشة نحو ادخال عناصر عربية في أعماله.. هل هذا يساعد على مزيد من النجاح في العمل عند المشاهد العربي؟ او يساهم في ترويجه اكثر؟ او انه يعطي العمل صبغة قومية؟ لا أعتقد ذلك.. وانما احساسي ان اسامة انور عكاشة يقدم ما ينفعل به. وقضية العراق ولبنان كل المنطقة انفعلت بها, ولا يمكن في هذا السياق ان يقدم عملا يتعرض لمرحلتها الزمنية ولا يقدمها.. هناك انتقادات نتيجة لضعف مستوى بعض الاعمال الفنية المصرية ما تعليقك؟ هناك بالفعل اعمال ضعيفة.. لكن مثل اي دولة فيها انتاج غزير, لابد ان تجد اعمالا ضعيفة واعمالا قوية, واي دولة تنتج عملا واحدا او عملين في السنة الواحدة, اذا لم تنفذهما جيدا ماذا يمكن ان يقال عنها!! مصر تنتج قرابة 200 مسلسل في السنة فلابد اذن ان يكون بينها عدد لا بأس به ضعيف المستوى والسينما الامريكية تقدم (بالكتير قوى) خمسة افلام جيدة في العام الواحد, ولكن النظر الى عدد الافلام الامريكية في السنة اجمالا تجده كثيرا جدا.. منذ سنوات والحديث ساخن في مصر عن مشاكل السينما, وصدرت دراسات وتمت حوارات وندوات ولقاءات عنها هل يمكن ان تلخص رأيك بخصوصها؟ المشكلة ليست مصرية, بل عالمية.. وجود التلفزيون والفيديو والمحطات اضر بالسينما لاشك فأنت تستطيع ان تشاهد الفيلم وأنت في بيتك وعلى راحتك وبدون اي اعباء اضافية, كالمواصلات وتذكرة الدخول.. اضافة الى ان السينما كدار عرض في مصر ليست مبهرة بالدرجة الكافية وفيها مضايقات كثيرة للاسرة وبالتالي السينما في العالم كله وليس في مصر فقط في حاجة الى ان تطور نفسها, لكي تكتسب عناصر جذب خاصة, والامريكان نفذوا من هذه الازمة من خلال انتاج سينما لا يمكن ان تراها الناس في التلفزيون وتحتاج الى مؤثرات صوتية خاصة, لا تستطيع ان تجدها في تلفزيونك بالمنزل.. ولكنهم وقعوا في محظور آخر هو ان عناصر الابهار هذه ينتهي مفعولها بسرعة لغياب الفكر والمحتوى.. مثل فيلم (تيتانيك) او (ايرفورسو وان) .. هي افلام تجعلك مشدودا الى الشاشة لمدة ساعتين ولكن بعد ان تخرج لا تجد شيئا عالقا في ذاكرتك.. هناك اذن مشكلة محتوى وفكر.. استاذ يحيى.. لماذا لم تزر اراضي الحكم الذاتي حتى الان؟ لم ازر غزة واراضي الحكم الذاتي حتى الان ولا اقوى ان ازورها الى ان تنتهي القضية الفلسطينية.. ومنطلقي في ذلك ليس فقط منطق رافض التطبيع ومعارضيه من المثقفين المصريين, وانما ايضا انني كفنان يجب ان يكون تمثيلا لصوت الناس, ومادامت الناس ضد التطبيع فانا لن اذهب لغزة او اريحا او اراضي الحكم الذاتي, وعندما تقول الناس نعم للتطبيع اقول نعم.. ولا يمكن ان استجيب لدواع ايا ما كان مصدرها.. الحكومة او العلاقات السياسية.. في فيلمك مع ليلى علوي وفريد شوقي كنت فتى تحلم به ليلى علوي (الفلاحة) بسبب وضعيتك الاجتماعية كشخص متعلم ولكن الاغراء الوجداني والعاطفي كفتى وسيم لم يكن متوافراً او واضحا او مقنعا. ولكن في (نصف ربيع الاخر) كانت شخصيتك اكثر اقناعا, تستحق التنافس عليها بين امرأتين. وهذا يجعلنا نتساءل ان قصة الحب الرومانسية التي مثلتها من قبل لم تكن مقنعة بالقدر الكافي! من الافضل ان نتفرج على تلك الاعمال السابقة برؤية زمانها السينمائية وليس فقط الحياتية.. ولو نظرنا مثلا الى الاعمال الرومانسية العالمية الحالية مثل اعمال ماري ستراب وآل باتشينو و(داستين هوفمان) وتجد ان ما يقدمونه هو من اعلى الرومانسيات العالمية بالفعل. لان قصص الحب الحقيقية في الدنيا لم تكن في معظمها بين اثنين في منتهى الجمال, بالعكس كلما كان جمالهما اقل كلما صدقهما الجمهور اكثر.. لان السيدة الجميلة بكل عطائها في الحب, وكذلك الرجل الــ (سمارت) عطاؤه في الحب أقل.. وانت مثلا تستطيع ان تجلس مع سيدة شديدة الجمال وبعد عشر دقائق تبحث عن وسيلة لتركها.. وهناك سيدة يزيد جمالها طوال العمر كله بالعشرة.. والنقطة الاساسية ان السينما زمان كانت سينما خيال وحلم, فكان ما يعرض على الشاشة غير الحقيقة.. كان المتفرج جوعان ولا يجد في جيبه ثمن طعامه, ويوفر ثمن التذكرة بالكاد. ويدخل السينما ليرى البطل يأكل على (سفرة) شديدة الترف والثراء, ويقبل سيدات شديدة الجمال لمدة ساعة ونصف.. السينما في ذلك الوقت كانت تغذي لدى المشاهد حلم معادل لما يحتاجه.. وبعد قليل انكسر هذا الاتجاه وجاءت سينما الواقع.. حيث التأكيد على وسامة الشخصية لا وسامة الشكل لكي تكون اكثر قدرة على الاقناع.. لكي يصدق المشاهد انه يحب بجد.. وبالتالي استطيع ان اقول ما تتحدث عنه من قصص حب مثلتها ولم تكن مقنعة انها كانت زمان وليس الان, وان المشاهد يتفرج عليها بإحساس اليوم, ويقيس بواقعية السينما اليوم فيجدها كذلك. هناك افلام تنجح جماهيريا رغم ضعفها فنيا, في حين تفشل افلام عالية فنيا وبدون ذكر امثلة من أعمال الاخرين.. ما رأيك؟ هذه قضية محسومة.. بصرف النظر عن الامثلة المقصودة.. هناك افلام لا تنجح وقت عرضها وتظل عمرها أفلام غير ناجحة ولا تذكر في تاريخ السينما المصرية.. وهناك افلام لا تنجح وقت عرضها ولكنها تظل موجودة يعيد المتفرج اكتشافها فيما بعد.. والمهم ان نبذل في اي عمل كل الجهد المطلوب ولا نقلق اذا لم ينجح الفيلم في اسابيع عرضه الاولى لاسباب كثيرة منها ان دور العرض السينمائية لها متفرجها الخاص حسب كل وقت. وربما لا يستقطب الفيلم جماهيرا في الوقت الحالي, لكنه يستقطب جماهيرا اكبر في وقت اخر. على المدى الطويل.. ومن خلال تجربتي السينمائية.. لي افلام (يقال عنها كسرت الدنيا) وظلت معروضة 29 اسبوعا مثل فيلم (الاوباش) .. هذا الفيلم لا تسمع عنه الان.. ولكنك تسمع الان عن فيلم (خرج ولم يعد) الذي ظل في دور العرض ثلاثة اسابيع فقط وتسمع عن فيلم (عودة مواطن) الذي استمر اربعة اسابيع فقط في دور العرض. او (الحب قصة اخيرة) الذي عرض اسبوعا ونصف في السينما وهذه الافلام الثلاثة تحديدا وضعت ضمن احسن مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية.. ولم تنجح الافلام الثلاثة في دور العرض! من هنا يكون السؤال: اي الافلام جماهيري او ايها ناجح؟ بالطبع هو الفيلم الذي يذكره الناس ويعيش وتراه الاجيال التالية. اما الفيلم الاخر الذي يكسر الدنيا في اسابيع عرضه.. ينتهي بعدها تماما.. حوار: أيمن شرف