ليس مستغربا ان نصادف غربيين يديرون وجوههم صوب الشرق يحدقون بمعالمه وعوالمه وتشدهم تفاصيله الحكائية والواقعية, مئات من الاجانب مروا ويمرون على هذه البقاع, كل يحتضن أهدافه ووجهته ليس انهم يعيدوننا الى أيام حيث ازدهرت حركة الاستشراق فحسب, بل يقدمون الدليل القاطع على ان هذه الجهة في الكرة الارضية بقيت مسرحا يجذب أحلامهم أو مصالحهم وأغراضهم. وفي توجههم يتعلمون العربية وعلى الرغم من عدم منطقية مقارنتها باللغة الانجليزية في رغبة اتقانها وتداولها, الا ان اللغة العربية مازالت تحتفظ بسحرها لدى الكثيرين ومنهم جايل رامسي التي التقتها (البيان) وحاورتها حول مشروعها الذي يستهدف الأدب الاماراتي وتحضير دراسة عن كتّابه وروائييه. جايل رامسي سويدية الجنسية, باشرت دراستها للغة العربية في العام ,1980 ودخلت طالبة الى القسم العربي في جامعة استكهولم حتى خرجت منها ببكالوريوس في الأدب العربي المعاصر, وأخذت العديد من المنح الدراسية التي أهلتها للذهاب الى تونس, كما انها قضت عاما كاملا في الولايات المتحدة الامريكية بغية ترسيخ علاقتها مع اللغة في الجامعة, وقد سمح لها انتشار اللهجة المصرية بتعلمها من متذوقي أغاني أم كلثوم (شوف الزهور بقى واتعلم) . وعن رحلتها الاكاديمية والعملية أوضحت جايل انها اشتغلت في القطاع الحكومي واختصت بشؤون المستهلكين في وزارة المالية, وقالت: إنني مشتاقة الى المتابعة والتعمق في اللغة العربية والأدب الحديث, وكنت أرغب بالتعرف أكثر على العرب شعوبا وأوطانا ومجتمعات. وكانت الحكومة السويدية تشجع النساء على التحصيل العلمي, ولذلك قدمت التسهيلات واستطعت انهاء رسالة الدكتوراه في العام 1996 وتمحورت حول روايات يوسف السباعي الست عشرة وصدرت على شكل كتاب باللغة الانجليزية نشر في السويد. وخلال درب الدراسة الطويلة كتبت عدة مقالات وتطرقت في بعضها لنوال السعداوي ونتاجاتها الادبية, غير اني لمست اهتماما كبيرا ومركزا من قبل الباحثين سواء الاوروبيين أو الامريكيين بمصر بالذات, وتولدت لدي حينها رغبة في اختيار طريق آخر فقصدت الامارات. جاءت جايل الى الامارات في زيارة أولى دامت قرابة اسبوع في العام ,1992 وكان غرضها آنذاك البحث في الادب المحلي, وتقول: لم يكن لدي خطة موجهة, فدخلت عدة مكتبات وفي نيتي التعرف على البلد أولا, وتنقلت بين انحاء الامارات وجمعت العديد من الكتب والدراسات, ولم يبدأ مشواري البحث في ذاك الادب الا لدى عودتي الى السويد, وأول من تصفحت أعماله هو الكاتب محمد المر والذي شدتني قصصه واستوقفتني عدة ملاحظات. وفتح المر الباب لي ولأي قارىء سويدي يتقن العربية على عالم جديد شيق ومهم. وشعرت ان عالمه وناسه ليسوا غرباء عني رغم اختلاف العادات والتقاليد, ولاحظت في عالمه ان البشر سواسية فكلهم يفرح ويحزن ويعيش مشاكله الخاصة والعامة, وعلى مستوى الاسلوب الادبي وجدته واضحا وأقرب الى النمط الأوروبي في التعبير, وهو سهل القراءة يسير على الفهم ويستخدم الفكاهة والجدية في آن ويشتمل على معظم الجوانب الانسانية وهو عميق ومختصر سريع ايضا. مشروع سويدي * هلاّ توقفنا أكثر عند مشروعك وهل هو جماعي أم فردي؟ وإلام تهدفين بالضبط؟ ــ أنا أنتمي لكادر جامعة ابسالا في السويد, وسبق ان كنت طالبة هناك, ولنا في البلد مؤسسة ينضوي تحت لوائها كل الباحثين في الآداب والعلوم السياسية, ولديها عدة مشاريع, حوالي ثمانية بينها واحد أدبي تحت مسمى (الأدب من منظور عالمي) وهو متشعب وواسع وتتداخل فيه علوم اللغويات وعلم الاجتماع وغيرها. أما قسمي أنا فهو (ملتقى ثقافات أدبية في القرنين التاسع عشر والعشرين) وسوف يكون أدب الخليج في هذا الملتقى. وهناك عدة فرص للقاء بين الثقافات على العموم ويشكل أدب الامارات النقطة الأخيرة في مشروعي, وأقصر اهتمامي على الرواية والقصة. * لماذا الامارات بالذات؟ ــ أنا شخصيا تستهويني هذه المنطقة وهي تجذب كل المستشرقين اساسا. ففي القرن الثامن عشر اتى اليها سويديون ونرويجيون وطاب لهم السكن حتى انهم دفنوا هنا وكانت بلادنا متقدمة في مجال الاهتمام بالشرق وخف الآن بنسبة كبيرة حتى انه انتهى. وأنا أحاول استعادة ذلك الاهتمام في ناحيته الادبية. وكانت مصر منذ بداية القرن مركزا ثقافيا وكذا العراق وسوريا ولبنان وفلسطين لعدة اسباب وأنا آخذ هذا الرباط وأوثره في منطقة تمتلك سحرا لا استطيع تفسيره. * لكن الاستشراق حامت حوله شبهات ما زالت مصدر جدل وأخذ ورد؟ ــ في السويد نحن مطلعون على مسألة الاستشراق والموضوعات المتعلقة به ونحرص حرصا كبيرا الى التقرب من مختلف المواضيع ونعالج الادب من زوايا منفتحة ونجرب الخوض في منهج الكتاب ونتبع طريقة المفكر ادوارد سعيد. ولاشك ان هناك روادا في بلدان الشرق يعطون مناهجهم وأفكارهم الخاصة الشرقية الصحيحة. والجديد الذي نطرحه في مشروعنا اننا سنقف لو وفقنا من جهة الشرقيين وليس الغربيين وندخل عوالمهم رغم ما يقال باستحالة الامر. ثلاث زيارات * من سيدخل داخل دائرة دراستك, أي كتاب ستختارين ولماذا؟ ــ حتى الآن لم أختر الدائرة الكاملة لكتاب الامارات. ولكن الرؤية اتضحت قليلا خلال زيارتي الثانية في العام 1994 وكتبت بعض المقالات لكنني لم ألتق أي أديب. أما زيارتي الثالثة فهي الحالية وتستمر اسبوعين جلت في الاسبوع الاول على ندوة الثقافة والعلوم ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ورابطة أديبات الامارات. وكخطوة أولى سأكتب مقالة بالعربية بين 40 الى 60 صفحة لتأريخ الأدب الاماراتي ونقده والتمعن فيه بطرائق علمية. ومن الكتاب الذين انتبه لهم محمد المر, عبدالحميد احمد, علي أبو الريش, كريم معتوق, شيخة مبارك الناخي, سارة النواف, سلمى مطر سيف ومريم جمعة فرج. * هل تعتقدين ان دراستك ستضيف جديدا أو تعمقا للقديم في الامارات أو السويد؟ ــ هذه الدراسة ستفتح آفاق علوم جديدة في السويد. وبالنسبة للامارات اتمنى ان أزيد اضافة, لكن الاهم ان يكتشف اهلها ان لدى الغرب والسويد رغبة في معرفة آدابهم وأنماط حياتهم. وأريد ان أركز على فترة ما بعد الحداثة. اللغة العربية ساحرة * اللغة العربية حملت جمالياتها وسحرها لفترات تاريخية طويلة وحفزت الكثيرين الى الغوص فيها والتوغل في عوالمها, هل ما زالت محتفظة بذلك السحر برأيك لدى الأجانب؟ ــ بالتأكيد ان اللغة العربية باقية على سحرها لكني أرى ان طلبة اليوم الذين يقبلون على درس العربية قد يفتقدون الصبر والمواظبة, لكننا نتحمس لهذه اللغة لأن بيننا الكثير من العرب, وإني آسفة لأن حركة الترجمة من العربية الى السويدية قليلة غير ان لدينا تراجم لنجيب محفوظ وطه حسين ويوسف ادريس ونوال السعداوي وحنان الشيخ وأدونيس. وانتبهت جايل الى ان عدد طلاب اللغة ينخفض بعد السنة الاولى بسبب قلة الوقت الكافي للمتابعة وليس لفقد الاهتمام فاللغة العربية تحتاج تعمقا ومعرفة بعدة امور متصلة بها. وفي السويد عندنا ما لا يقل عن أربع جامعات تعنى بالعربية. كتبت رندة العزير