جمعتني رحلة بالطائرة مع صديق عزيز استمتعنا خلالها بتبادل الاحاديث عن الاسفار وما يصاحبها من قصص ومواقف في المطارات, ومطارات بلادنا العربية بالذات وما يصادفك من المواقف, فالمطار كما يقولون عنوان البلد, ومعاملة المسؤولين في المطار مع المسافر قد تعبر عن اسلوب تعاملك مع اهل المدينة .. بدأ صديقي يحكي عن موقف صادفه وقد صادف او يصادف كلا منا بشكل او بآخر, قال صديقي: لقد سافرت الى احد البلاد العربية الشقيقة في زيارة رسمية وطبعا كالعادة كان في استقبالي عدد من المسؤولين, فانتقلت مباشرة من الطائرة الى قاعة كبار الضيوف فلم اشعر الا بالترحاب وحرارة اللقاء والمقابلة العربية الجيدة وكرم الضيافة حيث ان المسؤولين تحملوا عني كل عناء الدخول فما هي الا دقائق معدودة حتى كانت حقائبي جاهزة, وسيارة خاصة, توصلني الى الفندق مكان الاقامة, فاعجبت بالمدينة ووجدت بها كثيرا من المعالم تحتاج الى زيارة خاصة. وهذا ما قررته في قرارة نفسي, وطبقته على الفور في اقرب فرصة حيث لم يمض عام على تلك الزيارة الرسمية حتى توجهت من إحدى المدن الاوروبية وأنا في طريقي الى بلدي لزيارة هذه المدينة العربية التي كنت في شوق اليها, وما هي الا ساعات قليلة وفي رحلة جميلة هبطت الطائرة في المطار وتوجهت ومن معي من المسافرين الى قاعة دخول المطار وكانوا جميعهم اجانب.. اخذت بطاقة الدخول فملأتها بالمعلومات المطلوبة وقدمتها الى الضابط المسؤول عندما جاء دوري... نظر الي الضابط وقال: حضرتك من الخليج؟ قلت: نعم. قال: مرحبا بكم وهو يبتسم فسررت جدا... ثم أخذ يتفحص الجواز وفجأة قال: هناك ورقة ناقصة.. وسلمني جوازي, سألت ما هي الورقة الناقصة؟ وكيف؟ فأنا لم اجد ورقة اخرى أملأها, فسكت عني واعطاني ظهره وتركني حائرا!! نظرت بالمسافرين الاجانب في الكابينة الاخرى فوجدتهم يملأون بطاقة واحدة فقط وتنتهي معاملاتهم!! نظرت الى جوازي فلربما تكون هناك فعلا ورقة ناقصة فلم اجد اي نقص.. وبعد انتظار ذهبت الى كابينة اخرى والى ضابط اخر فسلمت جوازي فاذا به يردد نفس الجملة: مرحبا: ورقة ناقصة!! سألته يا اخي هل المطلوب تأشيرة الدخول؟ فنظر اليّ وقال لي بلهجة قاسية وبأسلوب غريب: ورقة ناقصة وبس. لم اتمكن من مناقشته فتركته لعلني اجد الورقة الناقصة ولا حول ولا قوة لي. رميت بنفسي على احد المقاعد افكر وانظر الى من حولي وسألت احدهم بالله عليك يا اخي هل هناك ورقة اخرى علي ان املأها نظر اليّ وكأنه يستغفلني, فقال: لا توجد ورقة اخرى للدخول غير تلك التي معك. عند ذلك سمعت صوت (المكرفون) يعلن عن وصول طائرة من احدى الدول الخليجية فحمدت الله على ذلك لعل احدهم يساعدني ولديه معرفة بالورقة الناقصة. بضع دقائق معدودة ورأيت المسافرين يتوجهون الى قاعة الدخول واحدا تلو الاخر. فذهبت خلف احدهم لاسأله او اشاهد الورقة الناقصة وانا في حالة يأس وتعب.. واخيرا تبينت لي الورقة الناقصة عندما تصفح الضابط المسؤول جواز الرجل فنظر اليّ قائلا الم اقل لك.. واشار بكل برود اعصاب وبدون خجل الى ورقة نقدية خضراء من فئة الدولار الامريكي. وكان هذا الرجل يتردد بشكل دائم على هذه البلاد ويعرف من تلقاء نفسه الورقة الناقصة!! وكذلك انا قد عرفت وادركت كم كنت جاهلا فأكملت الورقة الناقصة وسلمت الضابط جوازي فختم الجواز فورا مع الشكر والترحاب. ولم انس ان اتقدم بالشكر للاخ الخليجي الكريم الذي انقذني فلولاه كان سيطول مكوثي في المطار وقد لا يسمح لي بالدخول ومعرفة الورقة الناقصة.. ويتابع صديقي حديثه ويقول ركبت سيارة اجرة متجها الى الفندق وانا اشاهد مدينة بائسة كئيبة خالية من كل نوع من انواع الحياة الا شعارات براقة وصور للرئيس وهكذا اختلفت نظرتي الجميلة عن تلك المدينة. وكان اول شيء افعله عند وصولي الى الفندق هو حجز مقعد في اول طائرة مغادرة الى بلادي.. ولكن لم أنس ان اجهز بعض المدولات لزوم المغادرة!!