ينطوي النقد الأدبي على جملة من التصورات والرؤى والنظريات والمناهج النقدية التي ساهمت حضارات عديدة في بلورتها, ينطوي النقد كذلك على قدرة ابداعية ومعرفية خاصة لدى الناقد يستطيع من خلالها سبر أغوار النصوص الأدبية وفك مغاليقها . وإذا كان الأدب أدب حياة مثلما هو أدب لغة بعينها فإن فهم النصوص الأدبية وتحليلها يحيل إلى ضرورة فهم الحياة أولا. وفهم الحياة يقتضي فهم مجموعة من العلوم القاعدية التي تدرس المجتمع والانسان, ولقد مر حين من الدهر على أمتنا شهدت فيه نقاداً مثل طه حسين الذي درس علم الاجتماع كما درس علوم اللغة والأدب, ومثل محمد مندور الذي درس الاقتصاد والاجتماع والقانون والأدب.. وهكذا. وللنقد الأدبي اشكاليات عديدة على رأسها كيفية تطويع النظريات والمناهج النقدية الغربية لفهم الظواهر الأدبية العربية, فمن ناحية تطورت هذه النظريات في الغرب تطورا غير مسبوق أي في سياق تاريخي اجتماعي ثقافي مغاير للسياق العربي, ومن ناحية أخرى تخلف النقد النظري العربي عن انتاج نظريات مماثلة بحكم التخلف العام, ومن ثم أصبحت هذه النظريات والمناهج التي نشأت وتطورت في الغرب ضرورة ماسة للناقد العربي لفهم ظواهرنا الأدبية, لكن المشكلة في آليات استخدام هذه النظريات وتطويعها وفقا لمعطيات سياقنا الثقافي, ولقد اجتهدت أجيال عديدة من النقاد العرب في حل هذه الاشكالية, وفي هذا التحقيق نحاول استكشاف آراء ومفاهيم جيل جديد من النقاد في مصر لحل مشكلات النقد الأدبي, ويمكن ان نطلق على هؤلاء النقاد بشكل إجرائي (نقاد جيل السبعينات) , فهم الموجة الثالثة للنقد الأدبي الحديث في مصر, في الموجة الأولى كان طه حسين والعقاد ومحمد مندور ولويس عوض وعلي الراعي وعبدالقادر القط, وفي الموجة الثانية كان جابر عصفور وصلاح فضل وعبدالمنعم تليمة ومحمد عبدالمطلب ولطيفة الزيات وفاروق عبدالقادر وغيرهم, الموجة الجديدة التي نستطلع آراءها تضم اسماء مثل شاكر عبدالحميد ومحمد بدوي ومجدي توفيق ومدحت الجيار ورمضان بسطاويس ووليد منير علي سبيل المثال, وهناك أسماء أخرى مثل سامية محرز وحسن البنا عزالدين, ومصطفى الضبع, وعزازي علي عزازي, وصلا السروي.. وغيرهم. وفي موضوعنا اسئلة كثيرة حول ما اذا كانت لدينا نظرية نقدية عربية أم لا, وما هي الآلية التي ينبغي الاسترشاد بها لتطبيق نظريات النقد الغربي على أدبنا العربي, وهل هناك ملامح بعينها استطاع النقد الجديد استخلاصها للابداع المعاصر, ثم ماهو مفهوم هؤلاء النقاد الجدد للنقد ذاته؟ وماهي علاقتهم بآبائهم النقديين؟ النقد والحرية.. النقد هو الوجه الآخر للابداع, هكذا يقول د. رمضان بسطاويسي الاستاذ بجامعة عين شمس ــ فالنقد إبداع آخر, يُعبر عن الناقد في أدواته واختياراته للنصوص, وهو يعيد انتاج ما يتعامل معه نقدياً على نحو يتيح له التعبير عن رؤاه وثقافته. والنقد مرتبط بالحرية وسيادتها في المجتمع, لانه يستعمل لغة جذرية رديكالية, بينما الفنان يختفي وراء تمثيلاته الرمزية. ويقف الناقد وجهاً لوجه امام السلطة. لانه يستخدم لغة التصورات وليست لغة المجاز. والمشكلة الاولى ــ حسب رمضان بسطاويسي ــ ان الحرية المتاحة للناقد محدودة نسبيا, في مجتمعاتنا العربية, بالقياس لحرية المبدع التي تتيح له ادواته ان ينتج دلالات عديدة, يختار منها القارىء ما يشاء, بينما الناقد ينتج دلالة واحدة, ويقول د. مجدي توفيق (ناقد ومدرس للادب العربي بجامعة القاهرة) ــ لا يزال الناس يتحدثون عن الناقد بوصفه معلماً للمبدعين, يقوم خطواتهم ويقودهم, فإذا اغضب هذا التصور بعض المبدعين قلبوه قلبا, وجعلوا الناقد تابعا لاهثا يلاحق المبدعين ولا يكاد يلحقهم ــ هذا كله على الرغم من ان آخر الناس الذين ينتفعون بالنقد هم المبدعون ــ فالمبدع بطبيعته له انفصاله عن الناس, وله شعوره بالتمايز وله رؤيته المتجاوزه للمتعارف عليه والتي تسعى في احيان كثيرة الى تحطيم مقاييس النقاد, والناقد كثيرا ما يغذي في المبدع هذه الطبيعة, ومن المؤكد ـ الكلام لمجدي توفيق ــ ان علاقة الناقد بالمبدع علاقة جدل متبادل كلاهما يواكب الآخر وكلاهما يلاحق الآخر وكلاهما يقود الآخر في وقت واحد. اما ما يشغل الناقد في حقيقة الامر فهو القارىء. فالناقد في آخر الامر قارىء جيد للنصوص ولا يأمل في شيء قدر أمله ان يخصب قراءات القارئين ويفتح لهم فيها آفاقاً اوسع. الناقد والمبدع ويرى د. مدحت الجيار ــ استاذ الادب العربي بآداب الزقازيق ــ ان نقاد السبعينات حاولوا ان يتلمسوا مواطىء اقدام زملائهم من الكتاب ونجحوا في وضع الظاهرة الادبية والشعرية بخاصة في مشهد عام له خصائص محددة. والنقاد السبعينيون اطلعوا على النماذج النقدية التراثية القديمة والجديدة وبالتالي حافظوا على جوهر الادبي. اي انطلقوا من كون النص الادبي علاقات لغوية ذات خصائص متعددة بتعدد الكتاب ومن هذا الجزء النامي استفادوا من تراث الجاحظ وعبدالقاهر الجرجاني وابن جني ومن ثم ابن خلدون وغيرهم. وطوروا هذا الجوهر بما تعلموه من النماذج النقدية الغربية. - ويضيف مدحت الجيار - كل ناقد مبدع لأنه يعيد انتاج النص برؤيته امام رؤى الآخرين, ونقاد السبعينات حرصوا على ابراز القيمة الجمالية في النص الادبي وتبنوا البنية والتشكيل في المقام الاول قبل الايديولوجيا. وحول فهمه لدور الناقد وتكوينه يقول الدكتور محمد بدوي استاذ الادب العربي بآداب القاهرة (اتصور ان الناقد لابد ان يكون قد تربى في نفس السياق الثقافي الابداعي, بمعنى ان تكون لديه خبرة هائلة بالنصوص. وتربية جمالية يتم تعميقها بجدل النص مع المقولات النظرية. باختصار ان يكون متمتعا بما اسميه (الحساسية النصية) وهذا ما يميز الناقد عن استاذ الجامعة. ولابد ان يكون لدى الناقد وعي كامل بالنظرية الادبية ومساراتها الدقيقة في تراثه القومي والتراث العالمي. واخيرا لابد ان يكون واعيا بالعلاقات المعقدة بين ذاته بوصفه قارئا وموضوعه اي النص بوصفه مقروءا. وفي هذا السياق أرى ان الجامعة لاتنتج نقادا بل تنتج اساتذة جامعيين قد يمتلكون المعرفة الكافية بتاريخ الادب ونظرياته والقدرة على قراءة النصوص واعادة صياغة أولويات المشهد الثقافي وترتيبه واعداده لبزوغ الجديد. واذا تصادف وجود نقاد بارزين خرجوا من الجامعة مثل محمد مندور ولويس عوض وعز الدين اسماعيل وجابر عصفور فان هؤلاء كانوا سيصبحون نقادا سواء تخرجوا من الجامعة او من غيرها. واذا كان د. محمد بدوي يركز على فكرة (الحساسية النصية) فان د. وليد منير مدرس الادب العربي باداب حلو انه يركز على فكرة (الناقد المبدع) ويقول (الناقد المبدع هو الاكثر فاعلية دائما في التعامل مع الظاهرة الادبية. انه يمارس القول النقدي بوصفه ابداعا وفلسفة. وقد قال (بارت) يوما: ان الناقد الحديث حل محل الفيلسوف في العصور القديمة, فالنقد التحم بالرؤية الفلسفية حقا واستعار خطاب الفلاسفة, واذا كان الفيلسوف مازال موجودا على حدة فان الناقد فيلسوف من نوع خاص واقصد من نوع تأملي يستعين بأدوات متعددة للكشف عن روح الكلام. نظرية عربية للنقد اما عن وجود نظرية عربية للنقد الأدبي وكيفية تعامل الناقد العربي مع النظريات والمناهج النقدية الغربية, يرى د. محمد بدوي ان البحث عن نظرية عربية للنقد الادبي من عدمه مغالطة كبرى لأن النقد الادبي يحاول ان يصبح أقرب الى الانضباط العلمي, ويقول (عندما يصل النقد الادبي الى هذا الانضباط يصبح لا وطن له, فعلم الادب وكافة الحقول المعرفية المهتمة بالادب الآن ذات نتائج تقترب من العلم الصرف, لكن يمكن الحديث عن تقاليد علمية وفكرية في نقد الادب تكون ناتجة عن خصوصية الظاهرة العربية, اما القول بوجود نظرية عربية, او خاصة بأي قوم آخرين تشبه القول بوجود نظرية للاقتصاد العربي والمحاسبة العربية, وعلى هذا أرى ان الناقد العربي لا يمكن ان ينغلق على نفسه فلابد له من الاستفادة من نتائج وبحوث علماء الادب في العالم كله وفي هذه الحالة ـ الكلام لمحمد بدوي ـ لن تكتمل له صفة العربية الا في حالة التعامل مع نصوص عربية أي عليه ان يكيف ما يتعلمه من الآخرين مع خصوصية النصوص ومعطيات الثقافة العربية الواسعة الممتدة في الزمان) . ويقول د. رمضان بسطاويسي اذا كان المقصود بالنظرية النقدية (رؤية العالم) والاساس المعرفي الذي يستند اليه الناقد في رؤيته للعمل الفني فلدينا نظريات نقدية عربية بهذا المعنى لأن الثقافة العربية بمصادرها المتعددة تمتلك هذه الرؤية وهذا الاساس المعرفي, اما اذا كنا نفهم من النظرية النقدية الادوات الاجرائية في التحليل فهذا غير متاح لدينا, فالفكر النقدي لدينا فكر شمولي لم يتحول الى خطة تفصيلية في التعامل مع النص ولذلك فان حضور النظريات الغربية يتأتى من اجاباتها على سؤال محدد, كيف يمكن التعامل مع النص او مع العمل الفني. وكيف يمكن ترجمة النص عبر آليات النقد أي اعادة بناء النص. صحيح لدينا في الفكر العربي نظريات لدى ابن سينا وعبد القاهر الجرجاني وابن رشد والفارابي ولكن لم توضع موضع الاستخدام إلا حين تقاربت مع النظريات المعاصرة واشكالية النقد العربي هي جزء من اشكالية ثقافة عامة حول العلاقة بين الأنا والاخر وهي اشكالية لها تقاطعاتها السياسية والاجتماعية والناقد يلجأ للمناهج التي تتيح له الارتقاء بالعالم والى مستوى رؤية للعالم وهو مايسمح للذات بأن تقضي على حالة الاغتراب اما الهجوم على المناهج النقدية المستحدثة من قبل بعض النقاد يضيف رمضان بسطاويسي فإنه يشير الى عيوب في تكوين الناقد وعدم مقدرته على الانتفاع بالادوات المنهجية التي اختارها لتقصي موضوع نقده اكثر مما يدل على عيب في المنهج المبدع اوقصور متأصل في الادوات المنهجية المستخدمة ولكن نقل كثير من المناهج دون وعي لانه في الاساس تعبير عن بينة حضارية مغايرة يجعل النقد لدينا يقع في الاستعارة الايديولوجية والتحيز المنهجي فيمكن الاستفادة من الادوات المنهجية التي تتيحها لنا المناهج النقدية المعاصرة لكن لايمكن استعارة الايديولوجيا التي خرجت منها هذه المناهج وتصبح هذه الايديولوجيا عائقا امام الناقد في اكتشاف الموضوع لانها تحيل القارىء الى رؤى اخرى غير تلك التي ينتجها النص, ذلك ان المنهج المستعار من حضارة اخرى يستند الى ايديولوجية محددة في تلك الحضارة لاينتسب اليها من يستعيد هذا المنهج او ذلك لذلك فإن تطبيق هذا المنهج على معطيات محددة يوقع الناقد في سلسلة من التحيزات المنهجية بسبب الاغتراب بين الموضوع المدروس والمنهج المستخدم في دراسة هذا الموضوع. ومن شأن هذاالاغتراب المتبادل ان تكون النتائج منحازة سلفا الى اختيار حضاري غريب لم يختبره الباحث اصلا اما التبادل المنهجي الاقرب الى عدم الخطأ فهو ذلك الذي يستخلص فيه الفكر النقدي نهجه من صميم المادة المدروسة ذاتها متجنبا في كل ذلك فرض اي عنصر خارجي يجلبه الباحث معه من خارج الموضوع المدروس ولذلك كان من الضروري التماس المنهج داخل العمل الادبي لان العمل الادبي سيكون قادرا بالتأكيد على الافصاح للنقاد عن المنهج المطابق لحقيقته. غياب الدعم والتشجيع وفي نفس سياق البحث عن نظرية نقدية عربية وكيفية التعامل مع المناهج الغربية يقول د. مجدي توفيق: نستطيع القول بأن لدينا نظرية نقدية عربية, ونستطيع القول بأنه ليس لدينا نظرية نقدية عربية وكلا القولين صحيح. فإذا أردت بكلمة نظرية وجود تصور نظري للأدب ومشكلاته فهذا قائم والناقد العربي لا يعاني من عجز عن تصور الأدب تصورا نظريا معقولا أما إذا نظرت إلى المعنى الشائع للكلمة نظرية وهو طرح أفكار جديدة غير مسبوقة لها طابع الشمول والمذهب ولا مثيل لها عند الغرب فإن هذا المعنى لا ينطبق على النقد العربي الحديث. ولا شك اننا في تصورنا النظري العام للأدب على المعنى الأول لكلمة نظرية مدينون للغرب في أشياء كثيرة ومدينون للنقد العربي القديم في بعض الأشياء. ومن جهة ثانية فإن ما نتداوله بيننا من نظريات تسمى مذاهب وتيارات معار لنا من الغرب في أغلبه. والمأساة - يقول مجدي توفيق - في جوهرها تعود إلى مؤسساتنا التعليمية وسياساتنا العلمية فكلها تشجع على النقل والتحصيل قبل الابداع والاكتشاف وكلها تحفز الباحثين على الموضوعات المحدودة ولا تشجع على البحوث المؤسسية للعلم, البانية للمنهج, الطارحة للفروض الجديدة, الطامحة لصوغ أدوات مستحدثة للبحث والكشف) . أما د. مدحت الجيار فله نفس الرأي الذي يرى ان النقد الأدبي ليست له نظرية عربية لأن النقد الآن نقد عالمي ليس فيه عربي أو غير عربي وإنما يوجد ناقد عربي حيث يكون النص العربي. ويعزف وليد منير على نفس المنوال الذي ينفي وجود نظرية عربية للنقد الأدبي متكاملة الأبعاد والزوايا لكنه يرجع ذلك إلى عدة أسباب منها حداثة العهد بقراءة التراث قراءة معاصرة وانجذاب البعض نحو البنية التراثية بحالها القديم أو البنية الغربية للفكر بشكل كامل وانعدام التقويم والنقد للعقل العربي ومن ثم انعدام اعادة انتاج الثقافة انتاجا جديدا تنطوي فيه الوحدة على التنوع) . القاهرة ــ فتحي عامر