يبقى عبد الكريم برشيد واحدا من كتاب المسرح المتميزين في المغرب والعالم العربي بمجموعة من الاعمال: (عنترة في المرايا المكسرة) , (امرؤ القيس في باريس) , (النمرود في هوليوود) , (ابن الرومي في مدن الصفيح) , وهو الى ذلك يجمع بين الكتابة والبحث في جماليات المسرح والتنظير له من خلال مابات يعرف بـ (المسرح الاحتفالي) . وهذا الحوار مع برشيد محاولة لاثارة الاسئلة من جديد عن المسرح العربي, والمغربي بشكل خاص, في ظل التحولات الراهنة. اين وصل المسرح المغربي؟ - المسرح المغربي حاليا يعرف نوعا من النكوص والركود قد يكون ذلك نوعا من محاسبة الذات, وقد يكون ايضا السكون الذي يسبق العاصفة, فالتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي يعرفها المغرب قد تتطلب وقفة وذلك من اجل مراجعة كثير من المسلمات. يمكن ان نقول ان مسرح الهواة, كمؤسسة, اصبح الآن متجاوزا, خصوصا بعد ان سحب المسرح المدرسي والمسرح الجامعي البساط من تحت اقدام هذه المؤسسات, لذا فالهواية الحقيقية تتمثل في المدرسة والجامعة. اما خارج ذلك فان على المسرحيين ان يعملوا على تطوير مؤسستهم المسرحية, وان يوجدوا شكلا من الاحتراف القائم على احترام الجمهور, وعلى احترام الفن المسرحي. وهذا شيء نجد له تجسيدا عمليا في المسرح التونسي الذي استطاع ان يكون شعبيا وجماهيريا دون ان يسقط في الاسفاف, او ينحدر الى منحدر التهريج ليكون مجرد طريقة لدغدغة شعور الجمهور. في ظل التحولات التي يمر بها العالم العربي سياسيا واقتصاديا وفكريا, كيف يمكن للمسرح ان يعبر عن راهنيته؟ - المسرح العربي حاول ان يكون في مستوى الاحداث والتغيرات المختلفة في العالم العربي, حيث كانت هناك محطات اساسية في مسار هذا المسرح تتجلى في الدعوة الى التأصيل والتجذير التي عرفت في اواسط الستينات وقد ارتبطت بحزيران النكسة العربية, وفي السبعينات تأثر بالحركات اليسارية في الغرب الاوروبي. ونشأت تيارات متعددة في المسرح العربي كانت تتأرجح بين السياسي والثقافي مع ترجيح ظاهري للجانب السياسي, هذه المحطات في مجموعها تكشف عن حقيقة اساسية وهي ان المسرح العربي ينصت الى نبض الشارع, ويحاول ان يترجم الهزات العنيفة التي يعرفها العالم العربي. لا مسرح سياسي هل تؤمن, فعلاً, بالمسرح السياسي؟ ــ يمكن القول ان المسرح لا يمكن ان يكون سياسياً, لانه فن يقوم على اساس الحوار وعلى تعدد الرؤى والمواقف, في حين ان السياسة كما تفهم في العالم العربي هي الحزبوية الضيقة, وهي مخاصمة مكشوفة وسافرة للآخر, ولهذا فإن المسرح العالمي لم يزدهر الا في المواطن المفتوحة, باريس ــ مثلاً ــ حيث يحضر الفكر في معناه الشامل, قبل ان يحدث التخندق الحزبي الضيق فالمسرح رسالة قبل كل شيء, وشكسبير ــ اكبر بكل تأكيد ــ من ان يكون يمينياً لانه رسالة انسانية لكافة الناس, اما المبدع المرتبط بفئة او طبقة او مرحلة تاريخية لا يمكن ان يذهب بعيداً, وهذا ما يفسر ان اكبر الابداعات الفنية هي الابداعات التي يختفي فيها الكاتب وتظهر فيها الشخصيات والاحداث. شكسبير في مسرحه هو اكبر الغائبين, وصوته ضائع بين اصوات شخصياته, في حين اننا نجد في ابداعات المسرحيين الصغار لا صوت يعلو فوق اصواتهم, وبذلك يفضحون انفسهم بأنفسهم ويعطون خطابات جاهزة ومحدودة لا يمكن قراءاتها الا من منظور واحد. نتوقف عند المسرح الاحتفالي. ما موقعه بين تيارات ورؤى مسرحية جديدة؟ ــ له موقع جيد رغم الرؤى والمواقف المتباينة والمعارضة. لذا اقول ان اكبر دليل على وجود المسرح الاحتفالي هو وجود المعارضين هؤلاء الذين يخاصمون الاحتفالية موجودون بكل تأكيد وهم يخاصمونها لانها مختلفة معهم, او لانها تخيب افق انتظارهم, او لانها ايضاً ليست ذلك المسرح المدرسي الذي يعرفون. اتساءل, لماذا كل جديد يملك صداميته؟ اذا كانت هذه الاحتفالية ما زالت مصدراً للاخذ والرد, وما زال الصراع حولها حياً, فإن ذلك ليس له سوى معنى واحد هو ان هذه الاحتفالية متجذرة في التربية المغربية والعربية, وانها ليست نزوة او تقليداً, ولا مجرد حلم ليلة صيف. كنا دائما مقلدين نحاول ان نجتر القواعد والقوالب كما هي, وبالتالي فالاحتفالية بعنفها وهفواتها وجديدها وتجديدها كانت شئيا مخالفا للمعتاد الاحتفالية, من هذا المنطلق, لم تمش في الطريق المعبد ولكنها حاولت ان تخلق طريقا جديدا, وترى العالم بمنظار جديد, وان تفكك الكثير من المفاهيم الشائعة ولذلك فقد اقترنت اول الامر بالتيار (الماركسي) و (البريختي) . اعتقد ان النظرة الى الاحتفالية باعتبارها نوعا من التخلي عن مواجهة القضايا الاجتماعية والرغبة في التغيير اصبحت متجاوزة بعد 22 عاما من ظهور البيان الاحتفالي الاول واكد التاريخ ابتداء من التسعينات ان الاحتفالية دعوة الى التواصل وحوار الكلمة والتلاقي. الاحتفالية اذن كانت على حق لانها راهنت على حقيقة الانسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة ثم هناك الجانب الجمالي في الاحتفالية والذي لايمكن اغفاله فالاحتفالية شكل من اشكال مغربية وعربية واسلامية حاولت ان تطور مفهوم الفرجة الشعبية وان توجد مجالا للتواصل مع الاخر المحمل بعناصر ثقافية مغايرة, الاحتفال المسرحي كما اقترحته هذه الاحتفالية كان جديدا ايضا وكانت هناك تجارب على مستوى المغرب من خلال مجموعة من المخرجين وكانت هناك ايضا تجارب على المستوى العربي. موقف فكري وفلسفة يرى بعض النقاد في المغرب ان لكتاباتك طابعا فلسفيا, ما تقول؟ ــ هذه تهمة لا أردها وان كانت شرفا لا أدعيه. أعتقد ان أية كتابة مسرحية لها موقف فلسفي واضح من العالم, كما اعتقد انني حاولت ان اعيد للمسرح في المغرب والعالم العربي حقيقته المضيعة وهي: موقف فكري, ورؤية انسانية مفتوحة, واضيف ايضا, كيف نملك فلسفة في الحياة ولانملك فلسفة في كتاباتنا؟ ما موقع الكوميديا في كتاباتك المسرحية؟ ــ لا اؤمن بالكوميديا ولا بالتراجيديا اؤمن فقط بالمسرح وبالاحتفال المسرحي, وبهذا اللقاء المفتوح الذي يعيش الصدق, ويموت بالاحتفال لا اكثر. انني اتصور ان يكتب الكاتب مسرحية وان يفترض فيها كوميديا من غير ان يضع الجمهور في حسابه ومن غير ان يضع في اعتباره طبيعة العلاقة معه ولا الظروف التاريخية التي يمكن ان يقدم فيها هذه المسرحية لهذا احيل على القولة المشهورة والمعروفة وهي ان الكاتب يكتب مسرحية وان الجمهور يشاهد مسرحية ثانية, وان المخرج يقدم مسرحية ثالثة. وان الناقد يتحدث عن مسرحية رابعة. كيف تنظر الى مسرح الطيب الصديقي؟ ــ لا شيء تضيفه اعمال الطيب الصديقي الجديدة الى الفضاء المسرحي في وقتنا الحالي كما كانت سابقا. اعرف ان الطيب الصديقي فنان مبدع له في الستينات والسبعينات حضور قوي, لكنه بعد ذلك ظل يرواح مكانه, لا ارى اعماله الجديدة يمكن ان تضيف الجديد لما قدمه من قبل في (مقامات بديع الزمان الهمداني) او (سيدي عبدالرحمن المجذوب) و (الحراز) . هل هناك مسرح شباب في المغرب؟ ــ المعروف عن المسرح المغربي ان له محطات متعددة واجتهادات شخصية تشكل احدى هذه المحطات ولذلك فالمطلوب من الجيل الجديد ان يواصل المسيرة الابداعية في المسرح وان يعطي رؤية خاصة للعالم ولمتغيراته الجديدة خصوصا واننا نتوفر على طاقات شابة جديرة بالاحترام جاءت باضافة جديدة في العمل المسرحي, كما نتوفر ايضا على مخرجين دارسين المهم ان يتواصل الابداع وان يبقى هاجس العطاء, وهاجس التجديد حاضرا وحيا في النفوس الشابة وفي العيون الجديدة والمتجددة. هناك تراكمات منذ الاربعينات فالذين يبدعون الان لاينطلقون من فراغ ولكن من ارضية صنعها الرواد الاوائل وصنعها كل الذين مهدوا لنا الان وحفروا الارض في ظروف صعبة جدا, واليوم نعيش نهضة مسرحية حقيقية هناك مسارح تنهار وهناك اعلام يهتم بالمسرح كما ان المسرح دخل الى الجامعات والمدارس هذا التراكم الكمي لابد ان يفرز تراكما نوعيا. حوار - رضا الاعرجي - الرباط