قاد قافلة السيارات الاولى بين الكثبان بمهارة فكافأه الشيوخ بمزرعة، علمني فن (الدلالة) فخبرت الصحراء وتمرست على كشف خباياها، زايد اوصانا خيرا بالنخيل وبأمره اخذت اولادي لمدرسة الخزنة،(بلعياد)لا أقوى على فراقها وفي(الدلالة)اقبل التحدي محمد مبارك بن علوبة الخيلي(60 سنة)يعد نموذجا لابناء الامارات قديما الذين برعوا في ركوب البحر وحياة الصحراء وابدوا قدرة ومهارة فائقة في الغوص والاسفار وفي غيرها من الحرف والمهن الاخرى التي ارتبطت بهم وارتبطوا بها لكي يتجاوزوا من خلالها ما انطوت عليه حياتهم من قسوة وصعوبة بالغة . واذا كان التاريخ سجل لابن ماجد ابن (جلفار القديمة) هذا الماضي الخالد لتفوقه وبراعته في ركوب البحر فان هناك من خبروا دروب الصحراء وتفوقوا على انفسهم في ثبر اغوار خفاياها وكشف طلاسمها. ويعد محمد بن مبارك احد هؤلاء الذين ذاع صيتهم وتجاوزت شهرتهم الحدود وحاز على اعجاب وتقدير اهالي المنطقة والمناطق المجاورة واولي الامر فيها شيوخ آل نهيان الذين استعانوا به وبوالده من قبله في رصد دروب الصحراء ومسالكها الوعرة بين العين وابوظبي والمناطق الصحراوية الشاسعة التي تحيط بكل منهما. عاشق الصحراء ولانه ارتبط بالرمال والصحراء التي عشقها وصارت جزءا منه اشترط محمد بن علوبة الخيلي عندما اتفقنا على اجراء حوار معه ان يتم الحوار في (رملة بلعياد) تلك البقعة الصحراوية النائية التي تمتد في عمق صحراء الخزنة.. وقد ضاعف شرط الخيلي اصرارنا على السعي اليه ولقائه فغامرنا وبادرنا نحوه عبر دروب ومسالك صعبة لاتقوى على السير فيها الا السيارة الكبيرة ذات الدفع بالعجلات الاربع ويكون قائدها على درجة من المهارة والخبرة.. بعد رحلة شاقة طويلة وصلنا الى بلعياد حيث فوجئنا بالشيبة بن علوبة يجلس في خيمة نصبت في صحراء جرداء خاوية الا من عدد من الجمال وبعض الادوات البدائية البسيطة التي بالخيمة وسط اجواء تراثية غاية في الروعة. بعد وصولنا الى الخيمة تناولنا القهوة التي اعدها على طريقته وتركناه على سجيته يغوص في بحور الماضي ليسترجع الذكريات وسط هذه الاجواء التي كان حريصا على احاطة نفسه بها وكأنها بالنسبة له مصدر الالهام والمعين الذي ينهل منه الذكريات وسط عوالم النسيان. آخر رعيل الدلالين يقول محمد بن مبارك انه يعتبر نفسه من آخر رعيل الدلالين الذين يمثلون الآداء الوحيدة المتاحة قديما لفك رموز وطلاسم الصحراء ويضيف ورثت هذه المهنة عن والدي مبارك سيف بن علوبة الذي اشتهر بخبرته الكبيرة ودرايته ومعرفته بالصحراء.. ومازلت اذكر ذلك اليوم جيدا عندما استدعى شيوخ آل نهيان والدي الى ابوظبي وطلبوا منه ان يصطحب قافلة تضم 5 سيارات جديدة كانت تمثل الدفعة الاولى التي تم شراؤها في وقت كانت عملية الانتقال تتم اساسا على ظهور الجمال.. وذهب والدي الى ابوظبي ورافق السيارات من ابوظبي الى العين بكفاءة واقتدار وسط الكثبان الرملية والتلال.. وعندما وصل والدي بالقافلة الى العين بسلام.. جاءته تعليمات جديدة بالعودة ثانية الى ابوظبي واحضار كل من خلف العتيبة واحمد بن هلال الظاهري وكانا من كبار السن آنذاك من ابوظبي الى مقر الشيوخ بفلي المويجعي ثم اخذناهم انا ووالدي بعد ذلك الى الجيمي حيث يقطنان.. وقد صدرت الاوامر آنذاك بمنح والدي ضاحية نخل في المعترض مكافأة له على نجاحه في هذه المهمة الاولى الصعبة التي مهد بها اول طريق من نوعه بين ابوظبي والعين يخترق الكثبان الرملية بالصحراء. والدي معلمي الاول ويلقي ابن علوبة بنظرة عبر الصحراء غير المتناهية الاطراف كأنه يسترجع شيئا ويبادر يقول.. اخذت من والدي الخبرة والدراية بهذه المسالك الوعرة.. وكان حريصا على ان يصطحبني معه ليلا في رحلات طويلة عبر هذه الدروب على ظهور الجمال حتى صرت خبيرا بها اخترقها بجسارة رغم رهبتها دون خوف او وجل.. وحتى الآن وعلى الرغم من تبدل الظروف والاحوال فانا مستعد ان آخذك معي الى ثمانية او تسعة (موارد) ليلا في هذه الصحراء الشاسعة. ونظرا لدرايته الكبيرة ومهارته الفائقة بمسالك ودروب الصحراء استعانت الجهات المعنية بابوظبي بالدلال الخبير محمد بن مبارك في اعادة ترسيم وتخطيط العديد من (السيوح) (العلايم) , (الفروع) (الصفوف) (والمناكيس) المنتشرة في الصحراء. وقد انشأت له إحدى هذه الجهات مركزا متكاملا في منطقة (رملة بلعيار) وزودته ببعض المساحين والفنيين وبعض المعدات والادوات اللازمه حيث تمكن خلال بضعة اشهر بمعاونة فريق العمل الذي يعمل معه من تسمية وترسيم وتحديد مواقع العديد من هذه (السيوح) و(المناكيس) بالمنطقة مثل (بلعياد) , (بدع سالم) , (بوتيس) , (سرية) , (بالحصن) , (المهنا) و (بوكرية) . ويشعر مضيفنا الشيبة محمد مبارك الخيلي بمزيد من الفخر والاعتزاز بهذه الخبرة والدراية الكبيرة بغياهب الصحراء.. ويقول في ثقة انا الدليل رقم واحد اثبت كفاءتي وقدرتي وتفوقي على اكثر من اربعين من الدلالين والمساحين المحليين والاجانب (اشرح بالصحيح.. واضوي باليل مستعد وقابل للتحدي.. حدود زايد جميعها اعرفها جدا) . مازلت اقبل التحدي ونسأل محمد بن مبارك ما اذا كان مازال يمارس مهنة (الدلالة) للآن ام انه توقف عن حدود هذه الممارسة فيؤكد انه مازال على عهده بها يمارسها بين وقت وآخر عندما يأتي له احد (مضيعا) له ناقة فيذهب معه ويسأل عنها البدو في الصحراء المترامية التي يخبرها حتى يستدل عليها ويشير هنا الى ان كل قبيلة تضع على النوق الخاص بها علامات واشارات معينة تساعد على الاستدلال عليها (وكل قبيلة لها وشم ودخيلة) . (رملة بلعياد) ويعود بنا محمد بن علوبة الى سنوات الصبا والشباب حيث كانت (رملة بلعياد) هى الدنيا بالنسبة لاهلها الذين كانت حياتهم غاية في البساطة تعكس الوجه المشرق للتكاتف والتكافل الاجتماعي.. ومن خلال طقوس معينة يسمع الجار ويعرف ان جاره عنده (قهوة) فيأتي ليجلس ويشربها معه وينضم اليهما بعض الاهالي والجيران الذين يتحلقون حول النار يشربون الشاي والقهوة ويأكلون التمر. وكغيره من شياب الامارات عمل الخيلي في نقل السخام والحطب على الجمال من الصحراء الى دبي وابوظبي ولكنه لم يستمر في هذه المهنة طويلا حيث انتقل بعد ذلك للعمل في البحر على مراكب الغوص التي يمتلكها اشخاص من قبائل (ابو مهير) , (الرميثات) , (السويدي) ومازال يذكر من هؤلاء علي بن حاضر المهيري. جمعة بن راشد السويدي.. وعمل محمد بن مبارك في بداية عهده (غمريا) ثم تدرج بعد ذلك فأصبح (غيصا) ثم (سيبا) . ويضيف مسترجعا ذكرياته عن هذه الفترة قائلا: تركت العمل بالغوص والتحقت بالعمل على (رقوق البترول) بعدما عم الخير في عهد زايد الذي عمل لنا مزارع خضراء منتجة نأخذ انتاجها الى التسويق ونحصل على عوائد جيدة. مكرمات زايد عديدة ويعدد محمد بن مبارك الخيلي لصاحب السمو رئيس الدولة مكرماته ومآثره الكثيرة ويشيد بحرص سموه على حسن تربية النشأ وتعليمه وتهذيبه.. فقد كان لسموه الفضل بعد الله عز وجل في تعليم ابنائه الذين تقلد معظمهم وظائف راقية وانخرطوا مع اشقائهم في خدمة الوطن.. وقال: كنت اسكن في بلعياد وكان اولادي حينذاك وهم مبارك, وخليفة, سعيد, خميس, موزة, شما, بخيتة ومريم صغارا عندما دعانا صاحب السمو رئيس الدولة الى النزول باولادنا الى الخزنة القريبة لنكون قريبين من المدرسة لكي نعلمهم وقد جسد سموه بذلك بما يعرف عنه من حكمة ونفاذ بصيرة. (وكانت الحياة في الخزنة في ذلك الوقت الذي يعود الى ما قبل 25 عاما غاية في التواضع حيث كانت تفتقد الى الكثير من متطلبات الحياة الاساسية حتى الكهرباء) . ولارتباطة الوثيق بالصحراء وعشقه الكبير لحياتها لم يقو محمد بن مبارك على هجرها والبعد عنها فكان دائم التردد عليها لا يمضي عليه يوما او يومين حتى يعاودها يشده الحنين اليها يجلس في خيمته المنصوبة في الصحراء يرقب البوش من بعيد ويقترب منها يرعاها ويداعبها. ويقول بن علوبة ان صاحب السمو رئيس الدولة كما اوصانا بتعليم الاولاد وبحسن تربيتهم اوصانا كذلك خيرا بالنخيل.. فزرعناه ونقوم بتسويقه بعد ان نأكل منه الرطب. محمد بن مبارك الخيلي مع القهوة تتوارد الخواطر مع ابنه سعيد داخل الخيمة الحنين الى الماضي في الصحراء برفقة الناقة زايد اوصانا بالنخيل في (بلعياد) مازالت الاجيال تتواصل تصوير: قاضي مؤمن