قال لي صاحبي: دعني اكمل مشاكستي لك, واذكرك بأنك لم تقل لي رأيك في مسألة الحضور المتعدد للأب, فأنت في اقتناعك بفكرة فرويد عن القتل الرمزي للاب, تمضي مع الفكرة الى نهايتها القصوى , وتكاد تجعل من كل قديم, ومن كل سابق, سلطة قمعية تغدو بديلا لرمزية الاب الذي قتله اوديب في تفسير فرويد للاسطورة اليونانية القديمة, وانا لا اوافقك على هذه الحدية في التفسير, فلابد من التمييز بين القديم في تجلياته المتنوعة والمتباينة والمغايرة, واذا كان كل سابق ليس عائقا بالضرورة, وكل قديم ليس شرا بالحتم, فإن الآباء الرمزيين في الابداع الادبي الذي تتحدث عنه ليسوا فردا واحدا, او ابا مطلقا, يجعل التمرد عليه شرط الابداع المغاير له, نحن يا صديقي ازاء حضور الاب المتعدد وليس الاب المفرد حتى لو كان في صيغة الجمع, قلت لصاحبي: اصدقك القول انني لا اجد عقليا ما يدفعني الى الخلاف معك فيما تقول. فالاب الرمزي ليس مفردا بالضرورة لانه يقبل التعدد والتنوع في تجلياته المتباينة, وقطعا, هناك الاب الرمزي الذي يقبل الامتداد, ويدعو اليه بالقدر الذي يدعو الى الاختلاف عنه والمغايرة له, وهناك الاب الحاني الذي يخفض جناح الرحمة على ابنائه, يتقبل منهم كل فعل, ويغفر لهم كل اساءة, لكن من غير ان يتدخل في حياتهم, كأنه صورة اخرى للآلهة في العبادات الشنتوية في اليابان, تلك التي تغفو في معابدها منتظرة من يوقظها من سباتها, او يأتي اليها طائعا مختارا. وهناك الاب الرمزي الذي اتحدث عنه, والذي تشير اليه اسطورة اوديب في تفسير فرويد لعقدة اوديب, وهو الاب الذي يتحول الى سلطة قمعية, امرية, مستبدة, طاغية, وذلك على نحو يغدو وجوده التسلطي في ذاته عائقا يحول دون تحقق حضور الابن او تطوره. هذا الاب الاخير, يغدو رمزا لكل سلطة تفرض نفسها على غيرها, او تتحكم في ارادة غيرها, او تنفي حق الاختيار عن المتصلين بها, متصورة انها الاعلى دائما وغيرها الادنى, وانها الاحكم وغيرها الاحمق, وانها الاعقل والارزن والاحصف وغيرها الارعن والاعق والاهوج, وقد تستند هذه السلطة الى ملامح عمرية في الثقافة التي ترتفع فيها درجات التعقل كلما ارتقينا سلم العمر, حيث الاكهل هو الاحكم والاصغر هو الاحمق في العرف السائد. وقد تستند هذه السلطة الى تأويلات دينية او اعتقادية, خصوصا في الثقافات التي يغلب عليها النقل او الاتباع او التقليد, حيث الاخذ عن النص المنطوق او المكتوب هو الاصل الذي ينفي الاجتهاد الذاتي او الابتداع المغاير. وقد تتجسد هذه السلطة في نظام سياسي, يدور حول زعيم واحد احد, مهما تعددت صفاته او مسمياته, كأنه المبدأ المطلق الذي تنبثق منه الاشياء لتعود اليه طائعة مذعنة, تأخذ بما يغدو قبسا من حكمته بوصفه المصدر الاوحد للمعرفة والسلطة على السواء. قال لي صاحبي: والبطريرك هو الاسم الاجنبي القديم لهذا النوع الاخير من الاب, فأنت تعرف, لاشك, ان البطريرك, في التاريخ الانثروبولوجي, هو الاب او الحاكم الذي لعب دور الاب المطلق للقبيلة العبرانية القديمة, ومن هذا المعنى الاول تفرعت المعاني الحديثة, وان بقيت نواة المعنى الاصلية باقية, وظلت الجماعة البطريركية هي الجماعة التي يلعب فيها الاب او اكبر الذكور سنا دور رأس العائلة او القبيلة او المجموعة, لا ينازعه احد في هذه الرئاسة المطلقة التي لا تعرف معنى الشورى او التكافؤ في العلاقات. ولاشك ان هذا النوع من الاب كان في ذهنك وانت تتحدث عن ضرورة التمرد على الاب, او شعائر قتل الاب بمعناها الرمزي عند فرويد, ولكن اعترافك الآن, بوجود صور متعددة للاب يعني موافقتك معى على ان هناك آباء لا ينبغي التمرد عليهم, آباء يمثلون الحرية والكرامة والسلام وغيرها من القيم التي بحث عنها صابر سيد سيد الرحيمي في رواية (الطريق) لنجيب محفوظ. قلت لصاحبي: لا اريد. ان ابادلك المشاكسة, فأسألك عما اذا كان صابر قد وجد اباه سيد سيد الرحيمي حقا, وانما اوافقك على تعدد صور الآباء حتى على المستوى الرمزي, واضيف الى ذلك ان هناك من الآباء. من يدعو الابناء الى الحوار معه, ومن ثم مصاحبته بدل عداوته, كأنه يعمل بالمثل الذي يقول: ان كبر ابنك آخه او (خاويه) كما تقول اللهجة العامية المصرية. وهذا الاب الصديق هو النقيض البارز لذلك الاب الذي يحول بيننا والنمو المستقل عنه, او الانطلاق بعيدا عن قيده, كأنه المجلى الآخر لشيخ البحر في حكاية السندباد. الاب الاول تلوذ به, احيانا, هربا من سطوة الاب الثاني, او نبحث عن شبيه له, او مجلى, في نوع من الحنين الى الاصل الرحم او الملاذ الحاني, والاب الثاني هو الذي لابد من التمرد عليه, اوقتله رمزيا, سواء بالمعنى الذي قصد اليه فرويد, او المعنى الذي انطوت عليه حكاية السندباد.. وللاسف, فإن ذلك الحضور الرمزي للاب الطاغية البطريرك المستبد, هو الحضور الغالب على ثقافتنا في كل جوانبها, والغالب على انظمتنا السياسية ومؤسساتنا الاجتماعية وتقاليدنا الفكرية والابداعية على السواء, والا فقل لي لماذا نكتب كثيرا عن الماضي الذي يكتسب صورة هذا الاب القاهر ولا نكتب عن المستقبل الذي يجب ان نصنعه على اعيننا, ونستكشفه بعقولنا ووجداننا, بعيدا عن سلطة ذلك الاب, ولماذا نعادي التجريب والمغايرة وحق الاختلاف, ولا نمارس التسامح او الحوار؟ أليس ذلك لاننا نتمثل ثقافة بطريركية تحيل كل واحد منا الى صورة من هذا البطريرك الذي ننسخ حضوره في حضورنا؟! قال لي صاحبي: معك حق فيما تقول, ولكني اخشى نبرة التعميم والاطلاق التي يتضمنها كلامك, ولا تنس ان كل ظاهرة تخلق نقيضها, وكل فعل له رد فعل, قاطعت صاحبي قائلا: وهذا بالضبط ما اقصد اليه وما اسعى الى توضيحه لك, وهو ان الثقافة الغالبة هي ثقافة تقليدية الى حد كبير بطريركية الى حد بعيد, وان هذه الثقافة تخلق نقائضها الهامشية كما تخلق توابعها السائدة, والهوامش المقموعة لهذه الثقافة هي حركات التمرد الرمزي للابن او للابناء الذين يتمردون على المركز القامع ليستبدلوا به غيره, ولهذا قلت ان التمرد على الاب يأخذ احيانا شكل الاستبدال الرمزي الذي يضع ابا موضع اب, او يستبدل الاب الحاني الذي يرعى الاختلاف ويدعو اليه, بالاب القاسي الذي يقمع في الابن او الابناء كل فعل من افعال المغايرة, ومادامت هذه الثقافة دائرة في فلك التراتب المهيمن, عاجزة عن الخروج من دائرته, فلا سبيل الى استهلال التمرد عليها الا بفعل الاستبدال, حيث الفرار من الاب القامع الى اب مناقض اقل قمعا واكثر تقبلا للمغايرة, ولم يتركني صاحبي اكمل ما اوضحه له, وقاطعني قائلا: ولكن كيف يكون ذلك؟ قلت لصاحبي: استرجع معك, على سبيل المثال, الخصومة الشعرية بين القدماء والمحدثين في العصر العباسي الاول, حين ثار المحدثون من امثال ابي نواس وابي تمام على القدماء, وهجروا مذهب العرب السائد في الكتابة, واستبدلوا به غواية القصيدة المحدثة التي تصوغ تجربتهم الخاصة, لا تجارب السابقين عليهم, ولكن كلما توقفت عند شعر ابي تمام زعيم هؤلاء المحدثين على وجه التحديد, وتأملت هذا الشعر كما فعل المحدثون من السابقين, وجدت ان ثورة ابي تمام الشعرية, ومن ثم تمرده على الاب الرمزي, اتجهت ففي جانب منها الاتجاه الذي يستبدل ابا بأب, فأبو تمام هجر الاب المركزي الذي جسدته التقاليد الشعرية التي اسماها ناقد مثل الامدى (عمود الشعر) واستبدل بهذا الاب ــ المركز ابا هامشيا او آباء هامشيين من الماضي. فعثر بذلك على جذور قديمة استمد منها تمرده, وانتسب اليها, تماما كما انتسب ادونيس الشاعر المعاصر الى ابى نواس, وابي تمام وغيرهما من الشعراء المتمردين في تراثنا الشعري, وذهب ادونيس في ذلك الى حد تشبيه ابي نواس بالشاعر الفرنسي بودلير وتشبيه ابي تمام بالشاعر مالارميه. وليس من الضروري ان نوافق ادونيس على هذا التشبيه, فالاهم من الموافقة او المخالفة انه يكرر بمعنى من المعاني الموقف نفسه الذي اتخذه ابو تمام, حين بحث ابو تمام في تراثه عن بدائل مغايرة ينتسب اليها, وينطلق منها, ويضيف اليها, في سعيه وراء المغايرة التي جسدتها قصيدته, ويستوى ان نصف موقف ابي تمام الذي هو موقف ادونيس في بعد من ابعاده بأنه موقف تمرد او موقف تبرير دفاعي, فالمهم ان عملية استبدال الآباء هي الاستهلال الحتمي في عملية التمرد عليهم خصوصا في الثقافات البطريركية, او هي بعض الشعيرة الرمزية التي يقوم بها المبدع حين يسعى الى المغايرة والاختلاف اللذين يتحولان الى شرط اولي لحضوره الابداعي الفاعل في دنيا الابتكار لا التقليد. قال صاحبي: ولكن هل يعني ذلك ان الحضور القمعي للسلطة البطريركية القامعة في الابداع او غيره هو حضور ثابت, مطلق, يتكرر باستمرار, بعيدا عن التاريخ وقوانينه. ان كلامك يوهم ذلك, والمقارنة التي عقدتها بين صديقك الشاعر الحداثي ادونيس والشاعر العربي المحدث القديم ــ ابي تمام ــ تؤدي الى ذلك, كما لو كان الحضور القمعي للاب الرمزي هو هو نفسه في زماننا او زمن ابي تمام, وهذه مسألة فيها نظر كما يقول علماء الكلام من المتفلسفة قديما. قلت لصاحبي: لن ارد عليك بالسلب او الايجاب, وانما ارد بهما معا, فمادمنا نتحدث عن الحضور البطريركي الذي يغدو سلطة قمعية فنحن نتحدث عن جانب نسبي وجانب مطلق من ظاهرة واحدة هذه الظاهرة يمكن توضيح بعض جوانبها بالاشارة الى الدور الذي تلعبه عناصر الثبات في الثقافة, من حيث هي عناصر مقاومة للتجدد والتغير, ومعادية للتمرد عليها بما ينتهي بها الى ان تتحول الى قوة قمعية مقاومة للجديد, ويقابل هذه العناصر عناصر اخرى هي عناصر التحول او التغير التي تسعى الى القضاء على نقائضها, او على الاقل ازاحتها من موقع السطوة المهيمن, والصراع ازلي بين هذه العناصر وتلك, وكما تتخذ عناصر الثبات الصورة الرمزية للاب القامع, تتخذ عناصر التحول الصورة المقابلة للابن المتمرد الذي يقترف الشعيرة الاوديبية, وعندما نتحدث عن هذا الصراع فإننا نتحدث عن شيء مطلق بمعنى من المعاني, شيء يتسم بديمومة الحياة نفسها في تقدمها الذي ينتج عن صراع عناصر التغير فيها مع عناصر الثبات. ومضيت في توضيح فكرتي, وعلامات الاستغراق واضحة على وجه صديقي الذي لم يفارقه الاهتمام بكلماتي التي تقول: ولكن هناك, بالاضافة الى ما هو ثابت او مطلق, الجانب النسبي, المتغير, التاريخي اذا احببت, فنحن لا نتكلم عن عناصر ثبات في المطلق, وانما عن عناصر ثبات في هذا القرن او ذاك من قرون التاريخ, وفي هذا العصر او ذاك من عصور الابداع او الفكر, او حتى في هذا الوضع الاجتماعي الاقتصادي السياسي من اوضاع المجتمعات الانسانية ولذلك فإن التمرد الرمزي على الاب, او شعيرة اغتيال الاب القامع, عنصر مشترك ما بين ابي نواس وأبي تمام والمتنبي وأبي العلاء واحمد شوقي وعائشة التيمورية وجبران خليل جبران وأدونيس ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي وصلاح عبدالصبور ومحمود درويش ومريد البرغوثي وعبدالمنعم رمضان وفاطمة قنديل وغيرهم او غيرهن من الشعراء والشاعرات, ولكن مكونات هذا العنصر وتجلياته وملامحه او خصائصه امور متغيرة من عصر الى عصر, ومن اتجاه الى اتجاه, ومن جيل الى جيل, وذلك هو وجه الاتفاق والاختلاف بين ادونيس الذي استعير منه فكرة الثابت والمتحول وأبي تمام الذي حلم بأن يكشف قناع الشعر عن حر وجهه, كما حلم بأن يطير القصيدة عن وكرها الذي سكنت فيه واليه طويلاً بسبب الحضور المتعدد للأب القمعي الذي نتحدث عنه.