على مدى سنوات لا حصر لها جعل مئات الآلاف من البشر همهم ان يشوهوا هذه البقعة الصغيرة من الأرض التي نعيش عليها. دفنوها تحت أكفنة الاسفلت, وبدلا من العشب الاخضر والاشجار الغناء أقاموا غابات من الاسفلت المسلح .. والنجوم السابحات كالمصابيح في السماء حجبوها بستائر كثيفة من دخان المصانع وعوادم السيارات وانفاس المدخنين, والعصافير الجميلة طردوها وراء الأفق, فلم نعد نسمع شدوها أو نرى أجنحتها, وهي تصفق للشمس تدعوها للشروق أو تودعها ساعة الغروب. ومع ذلك يبقى الربيع.. حتى في مدينتي. هذه الكلمات ليست من عندي, وانما هي مقتبسة مع بعض التصرف ــ من فاتحة تولستوي لروايته الشهيرة (البعث) والتي يعتقد معظم النقاد انه كان يسرد بها قصة حياته, وانه هو نفسه بطلها (البرنس دمتري ايفانوفيتش نخيلودوف) . غير أن حديثنا هنا ليس عن تولستوي, وانما هو عن الربيع. واذا كان تولستوي, وأهل الشمال عامة, يحتفلون كل هذا الاحتفال بالربيع فان الامر قد يختلف كثيرا عن احتفالنا به. في صبانا, كانت علامة مقدم الربيع تفتح زهور البازلاء. والمفروض أن القلوب تغني لتفتح الزهور.. هكذا يقول الشعراء من قديم الأزل حتى تهاويم الحداثة. بالعكس.. مع كل ما في زهرة البازلاء من جمال وألوان.. بأن ظهورها كان يحمل لأفئدتنا الصغيرة هما تنوء به الجبال.. أو هكذا كنا نتصور على الأقل, لأنها لم تكن بشيرا بمقدم البلابل والورود.. وانما هي نذير بأن موسم الامتحانات قد قرب. فلم يعد هناك مجال للعب أو طرب.. وانما كل شيء من أجل المعركة.. من اجل الامتحان, حيث يكرم المرء او يهان! وكان الله في عون أبنائنا هذه الأيام! بل كان الله في عون الآباء والأمهات. وهم يحملون ويحملن أضعاف ما يحمل الصغار من قلق وهم. وليتهم لا يفعلون.. أو على الاقل ليتهم يتظاهرون أمام أبنائهم وبناتهم بأنهم أقل توترا وقلقا مما يبدون! منذ أيام, كنت في زيارة لبعض الأقارب, أسرة من أهلي لديها فتى وفتاة في المرحلة الثانوية.. ووافق وصولي وجود حالة طوارىء من الدرجة جيم, ومرحلة الذروة من ثورة كدت معها أن أولي الأدبار لولا أن قدمي سبقتني للدخول.. وأغلقت الشغالة الباب فلم أعد استطيع التراجع. وكان المشهد مثيرا بحق.. بالصوت والصورة. على الأرض كومة من الكتب والأوراق.. وبعضها لا يزال يتطاير في الهواء. والأم في حالة انهيار على مقعدها, تفتح فمها وتغلقه كأنما الكلمات تتصارع في حلقها. والبنت جالسة على مقعد في حالة تحفز ولسانها منطلق في عصبية لا يكاد السامع يفهم منها شيئا.. والولد واقف فوق كومة الكتب والكراسات يدكها بقدميه وكأنه يدق عدوا من بني اسرائيل.. ويصيح مشوحا بيديه: ــ ها هي الكتب.. ذاكروها أنتم.. والمصحف!! لن أذاكر لكم كلمة بعد اليوم. ويبدو ان البنت كانت تردد نفس الكلمات ولكن عصبيتها الزائدة جعلت صرخاتها غير مفهومة. هدأت العاصفة نوعا ما بعد ادراكهم لوجود الضيف.. الأم مكتفية بدموعها الصامتة التي اصبحت الآن اكثر غزارة.. والبنت المنفعلة تراجعت في مقعدها عن حالة التحفز ولكنها كفت عن الصراخ. أما الولد الذي انتبه الى وجودي أخيرا فقد وجه حديثه نحوي قائلا في حسم.. ــ قل لهما يا عمي.. أنا لن أذاكر لهما بعد اليوم.. أقسم بالله العظيم. قلت متظاهرا بالحكمة ومصطنعا أقصى ما استطيع من هدوء. ــ أنت لا تذاكر لهما يا حمادة. أنت تذاكر لنفسك.. لمستقبلك. فتح الفتى عينيه وفمه مذهولا كأنما قلت خرافة لم يسمع بها احد من قبل. سحبت الاب الى غرفة الاستقبال.. وما ان انفردنا حتى انفجر. ــ أرايت؟ أسمعت؟ يالخيبة الامل! يا للمصيبة! قلت له وأنا أحاوره: ــ هدىء من روعك يا صاحبي واسمعني.. انها ليست غلطة الولد أو البنت.. وانما هي غلطتك.. وغلطة السيدة الفاضلة زوجتك اذا جاز لي القول. فزاد انفعاله.. ولكنه راعى حق الضيافة.. فاكتفى بالقول في شبه تهكم: ــ قال الملك لبيدبا الفيلسوف, وكيف كان ذلك أيها الحكيم؟ أجبت: ــ لأنكما من أول العام الدراسي وأنتما تضغطان عليهما أكثر مما يجب. ذاكر.. ذاكري.. فإذا انصرف أحدهما لحظة عن المذاكرة تقع المصيبة.. نهي وزجر وحديث لا ينقطع عن خيبة الأمل وأيمان مغلظة (والله مانت نافع) و(واله مانتي نافعة) .. إلخ. باختصار, هذا الاهتمام الزائد منكما سلب من الولد والبنت احساسهما بالمسؤولية حتى رسخ في وجدانهما شيء أبعد ما يكون عن الحقيقة, ألا وهو انهما انما يذاكران من أجل رضائكما, من أجلكما, وليس من أجل نفسيهما. طبعا يضاف إلى ذلك عامل الارهاق.. والقلق الطبيعي قبل الامتحان, وأهم من هذا كله مرحلة المراهقة التي يمران بها. بماذا تنصح اذن؟ ـ خففا من الضغط.. وامنحاهما فرصة للاحساس بمسؤوليتهما, وفرصة أخرى للفسحة أو للاستراحة كل ساعة أو ساعتين, أو بين مادة ومادة.. وتظاهرا على الأقل بعدم القلق, فهذا أجدى لهما ولكما.