من الكتب الطريفة التي صادفناها مؤخرا كتاب لمؤلف انجليزي اسمه (هنري هوب هاوس) ويحمل عنوانا يقول : (بذور التغيير: ستة نباتات غيرت حياة البشرية) وكنت أعرف ان الكتاب طبعة أولى وان ما صدر في مطلع العام الحالي هو طبعة جديدة, مزيدة ومنقحة كما يقولون. وكانت طبعته الأولى قد صدرت بالتحديد في عام 1985 ولكنها تحدثت عن خمسة نباتات أو خمسة محاصيل أو مزروعات غيرت حياة البشر.. وهي على الوجه التالي: * الكينين الذي يشتقون منه العقار الناجع الذي يعالج الملاريا.. وما أدراك ما الملاريا التي تصيب وتفتك بالملايين من البشر وخاصة في المناطق الحارة, المدارية والاستوائية وخاصة مواقع الرطوبة التي تتوالد فيها ــ كما لا شك تعرف ــ أسراب وأحيانا جحافل البعوض. وكم عانت مصر مثلا من وباء الملاريا اللعين وقد سجله عمنا أبو الطيب المتنبي في القصيدة الميمية الرائعة التي أبدعها ابان اقامته في مصر وقد جاءها مفارقا هواه الشغوف الأول في قصر الأمير الحمداني سيف الدولة في حلب.. وجاءها أبو الطيب قاصدا النوال وغير متورع عن السؤال من حاكم مصر في تلك الأيام وهو كافور الأخشيدي أو (الأستاذ) كافور كما كانوا يطلقون عليه والاخشيد كانوا حكاما للمحروسة وقد خلفوا دولة أحمد بن طولون.. المغامر العراقي الشاب الذي جاء مندوبا عن مندوب عن مندوب ليتولى مجرد تصريف الأمور في الفسطاط ـ فإذا به ــ أحمد بن طولون يعلن استقلاله بمصر ويقيم دولة باذخة دخلت تاريخ مصر الاسلامي من باب واسع سامق.. كيف لا وما زال مسجد ابن طولون ماثلا في شموخ عند مشارف القاهرة القديمة وله مئذنته الفريدة ــ الملوية كما يصفها المعماريون وهي على شكل قرطاس مقلوب ولا يماثلها في عالم المعمار الإسلامي ــ على ما نعلم ــ سوى المئذنة الأصل التي شيدها الخليفة العباسي المعتصم في مدينة سر من رأى ــ سامراء في العراق وهي بدورها شاهد بارز على ابداعات دولة بني العباس حتى في عصرها الثاني ــ ولولا سحابات الغبار التي لاقتنا خلال زيارتنا إلى سامراء.. لصعدنا إلى منارتها كي نشرف على حاضرة المعتصم, وهو أمر قد تعاوده في قابل الأيام وبعد أن يفك الله أسر العراق الجريح. جاء الاخشيد من آسيا واسم عاهلهم الأول هو (محمد بن طغج) (تأمل خشونة اللقب الجامع في غلظة وجلافة بين صوتي الغين والجيم) وقد أوكل أمر أبنائه إلى تابعه العبد الأثير كافور الذي ما لبث ان استقل بالأمر ودانت له مصر بعد رحيل سيده فكان ان تعاصر مع قدوم المتنبي في مصادفة زمانية لم تكن سعيدة بحال من الأحوال وقد بدأ المتنبي علاقته الوجيزة المبتسرة مع كافور بقصيدة نفاق بليطة والشهادة لله. فكم كان المتنبي منافقا.. وبليغا كذلك وقال فيها: قواصد كافور, توارك غيره ومن يقصد البحر يستقل السواقيا ومع ذلك فقد خانت المتنبي براعة مهارته التقليدية المشهورة في براعة الاستهلال, فالقصيدة لها مطلع في غاية الخيابة يقول: كفى بك داء ان ترى الموت شافيا وحسب المنايا ان يكن أمانيا ما علينا.. المهم ان أبا الطيب أنهى اقامته القلقة التاعسة في مصر بالدالية الشهيرة التي يصلح ترديدها دوما في مثل ايامنا.. أي مع حلول عيد الأضحى الذي خاطبه الشاعر ــ كما هو معروف ــ متسائلا: بأي حال عدت يا عيد.. ثم ناعيا على مصر ان ضرب الفساد في أطنابها (المسألة متأصلة إذن من أيام عمنا المتنبي وربما من أيام الفلاح الفصيح زمن الفراعين). ما علينا أيضا.. اللهم ان المتنبي قال عن الفساد بيته الشهير: نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد ومن الدالية إلى ميمية الملاريا التي أجاد الشاعر وصفها أو فلنقل تشخيصها حين قال: وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور الا في الظلام بزلت لها المطارف والحشايا فعافتها, وباتت, في عظامي مسكين أبو الطيب.. شرب مقلب الملاريا حتى الثمالة تعاوده الحمى الراجعة مع حلول الليل وتسكن آلامها عظامه.. فلا يجد البلسم الشافي إذ لم يكن الكينين قد اكتشفوه بعده, ولا كان يجد من يسهر على راحته ومداواته.. اللهم الا ذلك الخادم الأحمق الخيبان الذي كان يرافقه في أسفاره.. لعله نفس الخادم المنحوس الذي كان يصاحبه في سفره الأخير مجتازين بادية الصحراء إذ يطلع قاطعو الطريق على الشاعر المسكين ــ وإذ يهم المتنبي بالفرار على أساس ان يا روح ما بعدك روح.. لكن ها هو الخادم الفصيح يهتف به على سبيل التأنيب والتذكير ان كيف تهرب يا سيدنا المتنبى وانت القائل بالفم المليان: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم قال الراوي: هنالك نظر الشاعر الى خادمه قائلا: قتلتني يا ابن كذا وكذا.. ولوى المتنبي عنق فرسه يقتحم المعركة وقاتل حتى قتل. وايا كان نصيب الرواية من الصحة او موثوقية التاريخ, فلا شك انها نهاية تراجيدية جديرة بعبقري قوال في قامة احمد بن الحسين المعروف باسم (ابو الطيب المتنبي) لا اكتمك انني اتذكر هذه النهاية الفاجعة, واحاول ان ارسم شخصية الآخر.. وهو الخادم الذي اورده موارد التهلكة.. وفي كل مرة ابتسم اذ يعاودني المشهد الشهير في السينما المصرية, مشهد ستيفان روستي رئيس العصابة وقد نالته رصاصة من احد مساعديه! وساعتها قال روستي جملته التي اصبحت اشهر من ان تنسى ينعى فيها خيابة التنشين والتسديد او التصويب نحو الهدف ـ نشنت يا فالح!.. الله يخيب اللى علمك النيشان. نسينا ان نقول لك والقلم ثرثار, ان باقي المزروعات او المحاصيل الخمسة التي اثرت في تحويل مسارات حياتنا هي بعد حكاية الكينين, السكر والشاي والقطن والبطاطس. ولقد كانت المحاصيل خمسة, كما اسلفنا ـ في صدر الحديث, حين اصدر الاستاذ هوب هاوس الطبعة الاولى من كتابه منذ 14 عاما.. ثم هاهو يزيدها محصولا آخر لتصبح ستة بالتمام والكمال في الاصدار الجديد للكتاب الذي نزل الاسواق في الفترة الاخيرة اتدري ما هو المحصول السادس الذي شارك ـ كتر الله خيره ـ في تغيير حياة البشرية؟ انه نبات (ايريثروكسيلوم) في اصله اللاتيني ضمن تصنيف اجناس النبات وعائلات المزروعات.. وهو ببساطة محصول الكوكة الذي يستخرج منه ـ بعد اذنك ـ مادة الكوكايين أخطر السموم المخدرة في عالم اليوم ويقوم على زراعته ـ كما هو معروف ـ فلاحون في قارة امريكا الجنوبية وخاصة في كولومبيا البلد اللاتيني الذي يشمل اكبر كارتلات احتكار تجارة الصنف وهي مافيا زراعة وتجهيز وتهريب المخدرات.. ارباحها بليونية ونفوذها تحنو له جباه كثيرة قد تصل الى رؤساء دول وحكومات. لا نكاد ندري سببا وجيها في ان يختار المؤلف نبات الكوكايين ليضمه الى قائمة المحاصيل التي غيرت التاريخ.. ربما تعود الاسباب الى الخطورة الصحية الجسيمة لهذا النبات اللعين, او الى ما تولد عنه من ارباح مليارية يمكن ان تهز موازين الاسواق في اركان الدنيا مع ما تفرع عنها من عمليات غسل الاموال والجريمة المتعددة الجنسية, عابرة الحدود, ايا كانت الاسباب.. فلا نكاد نجد مبررا في ان يقترن القطن او السكر بالكوكة التي يصنعون منها افدح المخدرات.. ولا نفهم كيف يوضع الكينين الشافي من الملاريا جنبا الى جنب مع الكوكايين الجالب لدمار الجسم والنفس والجيب على السواء. ثمة مبرر واحد.. قد يتبادر الى اذهاننا قد نعبر عنه بعبارة العم استيفان روسي الخالدة: ـ نشنت يا فالح..!