جميل ان تبدأ يومك مع شاعر, فكيف اذا كان هذا اليوم المبتدأ مع الشاعر محمد علي شمس الدين, الذي وصلت الى مكتبه بعدما (علقت) لاكثر من ساعة في (عجقة) سير كادت ان تضغط على رأسي الى حد التسكير , لكن نحمد الله انني لم اضطر الى تناول حبتين من مسكن (البنادول) فاثناء الحديث مع شمس الدين اخذ رأسي بالتفتح التدريجي على وقع مادار بيننا في حوار طيب ورشيق, فلا الاسئلة كانت جاهزة ولا الاجوبة ايضا اتفقنا ان يكون الحوار تلقائيا نقرأ بعض القصائد التي قرأتها قبل مجىئي اليه باسبوع ومنها يخرج السؤال بعد ان ندخل في تفكيك لهذه القصيدة او تلك واحيانا كنا نقرأ ونقرأ دون ان نعثر على سؤال فبعض القصائد بل لنقل بعض الشعر لا يحتاج الى اسئلة فهو بذاته جواب عن هذه الاسئلة ومحمد علي شمس الدين كشاعر متمرس وكبير يقدم لك جوابا عن سؤال يجول في الرأس ولا يبقى في هذا الرأس وجعا بل يمده بمصل الكلمات واكسجين الصور وماء اللغة, لذا خرجت من عنده ومن دون ان يقدم قهوة او خلافها خاليا من وجع الرأس ومرتاحا وازعم ان هذه واحدة من وظائف الشعر. * في قصيدة (ميم) الان على شفة الرؤيا/ لا يهبط نحو البئر/ ولا يصعد نحو الامطار/ لماذا تركت (ميم) معلقا في الفضاء. ــ (ميم) كأبيه او كجده ابن سينا كائن معلق بين قطبي السماء والارض, الفردوس والجحيم, الابار والغيوم, وهو ايضا كائن سري صاحب هواجس وافكار حول الفلاحين واساطيرهم في القرى والمناخ السائد في قرى الجنوب اللبناني للدين كمصدر غيب ورجاء ومحرك يومي للحياة ايضا. فضلا عما في الحرث من معنى احيائي للتربة كعمل رعوي وللنساء ايضا حيث ان الزواج هو حرث . أما الحرث في الآبار فهو هذه الأعمال جميعا إنما داخل أسرار كبيرة في المياه في بئر عميق, أصل الحياة مائي على كل حال. * نعطي للسرد مكانا في القصائد, هل تساند الأقصوصة الشعر أم العكس صحيح, أم ان العملية الابداعية عملية جدلية فيها رحابة للقصة في الشعر كما للأخير في القصة؟ ــ كثيرا ما أحرك القصيدة بالحكاية أو بالقصة, ربما بالحوار أحيانا والغنائية الايقاعية, اكسرها بالسرد, حيث ينبغي التنبه للمحافظة على دخول السرد والقصة كعناصر تأليف القصيدة, فأنا أكتب النص الشعري الحر, وبهذا لست مدرسيا أي ان أرض القصيدة تتسع لكل ادوات الكتابة التي أزرعها فيها بعناية ما أسميه فلاح الغيب. العالم قاس وقاتم * في قصيدة (مقهى على البحر الميت) صور ومفردات موغلة في الحدة والقسوة مثل ذنب دلافين, مخلب, الخ.. لماذا؟ ــ لأنني أتصور الأصل البحري لهذه الكائنات وهنا في هذه القصيدة المسماة (مقهى على البحر الميت) اتصور نفسي على شكل ذئب أو ذئبين معا يمشيان على سطح الماء وفي مناخ غامض يعود كل شيء إلى أصله في الحرب حتى الذئب, لابد ان يكون أصله سرطانا, وغموض الحياة في البحر كفيل بان يجعلني أضرب رأسي في الصخرة شبيها بسفينة ثقبتها موجة عمياء فانداحت مياه البحر فيها, بالفعل العالم قاس وقاتم ومكتمل على غموض وكآبات. * في الديوان انحياز للموت ما سر هذا الانحياز؟ ــ لأنه الأصل ـ الحياة تتحرك في فلك اسمه الموت, كل شيء مؤسس عليه, الحب, الشهوة الحضارات, البناء, الحروب, المغامرات المنازل الأبطال كل شيء يمشي بجاذبية الموت. * في قصيدة (الكرسي) ربط المكان بالزمن خلال حركة مسرحية فانتازية كيف قامت هذه اللعبة ؟ ــ هي لعب مسرحي بالامكنة والأزمة والأشياء, هي قصيدة رشيقة وفانتازية, حيث الكرسي يطير من النافذة ويلحق به صاحبه في الهواء وتلحق بهما كل أدوات المنزل, ويطير الجميع في فضاء لا أسميه وأسأل في نهاية القصيدة أين؟ انها الفانتازية يا صاحبي! * تتحدث عن التاريخ العربي والاسلامي عن مجد هذا التاريخ في الأندلس هل نعتبر حديثك بمثابة نقد لهذا البكاء الذي لم يتوقف بعد؟ ــ ونقد لمن يبكي على الرسم الأندلسي الدائم وحيث بكاؤنا يحجب عنا رؤية الحاضر وكأنه حجر كبير يسد علينا الفضاء. * شعرت ان بعض الكتابة في الديوان الجديد تميل إلى الكتابة بدم القلب؟ ــ الكتابة في الأصل دموية وحتى وهي مائية فإنها شبيهة بالمياه بين الصخور, كل كتابة نزف عروق, ولعل الشعر هو كما عرفه فريد الدين العطار النيسابوري في كتابه (منطق الطير) الجنون في القلب. * كيف تعاطى النقاد والصحافة مع ديوانك (يحرث في الآبار) ؟ ــ استقبل هذا الديوان بأخبار طيبة من النقاد والقراء معا وهو بالفعل ديوان تتداخل فيه السنوات مع غلبة في البدايات واللغة رشيقة وطائرة والموضوعات جديدة والصيغة مركبة من جذر ميثولوجي ديني محمولة على أجنحة مشهدية وسينمائية معاصرة وهذا هو الجديد في الديوان. * كيف ترى مستقبل الشعر في زمن تراجعه وانحساره؟ ــ هناك صعوبة في نشر ديوان شعر في هذه الأيام, والصعوبة مادية من جهة ونشر ديوان يكلف الناشر مبلغا من المال وهو لا يأمل بالتعويض عما دفعه لأن سوق الشعر غير رائجة, لذلك تجد معظم الشعراء يمولون دواوينهم بأنفسهم, هذا بالشكل, أما بالأساس في الشعر الحيوي فهو قليل ودائما كان مثل هذا الشعر قليلا انا أنظر إلى الشعر إلى انه (اقلوي) من حيث الكمية والنوعية والاستقطاب. * لماذا اختلفت مع الهيئة الادارية لاتحاد الكتاب اللبنانيين وانسحبت منها؟ ــ مسألة قديمة , وكل ما في الأمر أنني جربت من الداخل التعامل مع اتحاد الكتاب اللبنانيين ووصلت إلى قناعة مفادها انني غير صالح لمثل هذا الاتحاد, أي ان موقفي وموقعي وقناعاتي ومزاجي وكتابتي على الصدام الدائم بهيكلية هذا الاتحاد الادارية وتوجهاتها وممارساتها فأما ان يستقيل الاتحاد مني أو استقيل منه , وقد فعلت الثانية. اختار من الديوان قصيدة (السياف) يعطيك السيّاف الفرصة

كي تلفظ آخر أقوالك

لا تأخذ الخدعة

ودع السيف يجول على صمت الكلمات

ارفع كفيك على اعلى

وجبينك للريح

ورأسك أعلى

فوق النطع

وفوق الظلمات

واصمت

ليضج بصمتك صدر العالم.

بيروت ــ علي سرور