يبدو أن رياح التغيير في هذا الزمن المتلاحق بالاحداث, والمتواصل بالمد التكنولوجي والاختراعات المثيرة, يبدو أن تلك الرياح اخذت فيما اخذت كل الرواسي القديمة والوجوه المنقوشة في الذاكرة واوراق من زمن ماض عجنتها وصاغتها بشكل آخر ضمن رؤية وشكل وقالب متجدد وحديث . فجميعنا يعلم بالتجربة والتعاطي اليومي ان كثيراً من الوجوه الحياتية التي نراها اليوم في خطوط الموضة, واشكال السيارات, وتصاميم الديكورات, والهندسة المعمارية, اغلبها ان لم يكن جميعها منقول عن حياة معاشة سابقة وزمن انسلخ ورحل, ذلك ان الجديد يستلهم كثيراً من المعطيات القديمة ويطوعها لتتناسب مع تفكير المجتمع الحالي الذي بدأ يعيش الارتداد لفترة الخمسينات والستينات ولكن بخطوط وافكار حديثة. وحتى لا اخرج عن صلب الموضوع امسك على جمرة التغيير التي بدأت شعارا واصبحت واقعا معاشا في ظل الاحداث المتلاحقة والتسارع الذي قاد دفته التطور المثير للاعلام وخاصة عالم الانترنت الذي الغى الحواجز والحدود واعطى للانسان حق المعرفة والدخول في عوالم اخرى كان الوصول اليها متعذرا وممنوعا. من هنا بات على الجميع مراجعة انفسهم وما يقدمونه من نتاج فكري وحضاري ومحاولة فهم هذا التسارع والاستفادة من معطيات الثورة التكنولوجية, ففي مجال الادب والشعر والثقافة اختلف المنهج بعد ان غابت القصيدة الكلاسيكية أو غيبت عنوة على حساب كلمات منثورة لا معنى لها, وبالتالي مات الشعر في حضرة الشعراء الذين تجاوزهم الزمن. والسؤال الذي يطرح نفسه, هل نقف مكتوفي الايدي امام هذا المد والتسارع الذي لا مجال فيه لالتقاط الانفاس؟! اذا كانت الاجابة نعم, لان هذا المد يكاد يغمرنا بالثقافات الاخرى, ويقلل من مقاومتنا لها, فأنا أرى وغيري كثيرون عكس ذلك, خاصة بعد محاولات وتجارب متواضعة من بعض الشعراء والادباء والمؤسسات الحكومية استطاعوا من خلالها تطويع المعطيات الحديثة لانقاذ التراث الحضاري, ولان لغة العصر لا تعترف الا بمن يسايرها ويتواصل معها اخذ هؤلاء جميعهم التعاطي بتلك اللغة والعمل بمنهج الثورة التكنولوجية على السائد والمكرر, ولهذا وجدنا تلك الجهود تثمر عن احياء تراث المتنبي والمعري وشوقي وحافظ وغيرهم من الشعراء, بشكل وقالب جديدين حيث التخاطب اليومي المتواصل على شبكة الانترنت, فالمعري من خلال رسالة الغفران يستطيع ان يخاطب دانتي صاحب الكوميديا الالهية ويسأله عن الحقوق الأدبية والفكرية لرسالته التي اقتبس جزءاً منها.. وهكذا تتعرف الأجيال التي ابتعدت عن القراءة والبحث والتنقيب تتعرف على تراثها وآدابها وفنونها وكنوزها الحضارية, من خلال شكل جديد من التعاطي الحضاري, كالانترنت وغيرها من الوسائط التكنولوجية التي قصّرت المسافات وأوجدت لغة مشتركة للتخاطب اليومي, ولهذا أرى ان الاتحادات الأدبية في الوطن العربي من البحر الى البحر مازالت حبيسة لقوالب قديمة وبالية تحدّها القاعات التي يمارس الشعراء والأدباء حضورهم فيها ويرتد صوتهم فيها اليهم من جديد, لأن الحضور يسجلون غيابا في العدد والتذوق والارتقاء بعد أن سرقتهم أمور أخرى من أنفسهم.. ولا يمثل ارتداد الشعر وهزيمته عموماً حالة خاصة بالوطن العربي, بل هو ارتداد وحالة عالمية يشكو منها الشعراء على امتداد العالم, خاصة ونحن نقترب من العام 2000 الذي لا يعترف إلا بالتفوق في كل شيء.. ولهذا وأمام هذا الأنحسار الشعري الذي يشهده العالم بعد تفوق المادة على الاحساس والتذوق ومتعة الأصغاء أخذ الشعراء هنا وهناك يبحثون عن مداخل جديدة ووجوه أخرى لاحياء واعادة هذا الفن الى الواجهة من جديد, ففي فرنسا مثلا انهمل مطر الشعر على الجميع في تظاهرة ثقافية مثيرة أطلق عليها (ربيع الشعر) , استمرت اسبوعاً, ولم تقف تلك التظاهرة بشعرائها والقائمين عليها صامتة, أو حبيسة الصالات والقاعات, بل سينهمر مطرها دون توقف بعد أن قرر الشعراء اقتحام المقاهي والمستشفيات والسجون والالتقاء بنزلائها وتقديم قراءات شعرية لهم تسري عنهم وتضفي لمسات ومشاعر ظلت غائبة.. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سيتعداه الى محطات المترو والقطارات والمدارس والجامعات وصالات السينما والحدائق العامة, كما ستخرج القصائد للناس من كل مكان, من القنوات التلفزيونية والاذاعية ومن الصحف والبريد والنشرات الجوية بعد ان اعلن آلان جيلو بيتري أشهر مقدمي النشرات الجوية في التلفزيون الفرنسي انه سيضمن حالة الطقس يومياً قصيدة من عيون الشعر الفرنسي.. ولكن هل يتوقف الأمر هنا؟ الأجابة بالطبع لا, خاصة إذا عرفنا أن بعض الشعراء دخلوا عالم (الفيديو كليب) وبدأوا فعلاً تصوير فيديو كليب شعري, في محاولة لنشر الشعر بعد ان ساهم الكليب في ايصال أصوات غنائية ضعيفة ومتواضعة فنيا وصنع منهم نجوما في عالم الغناء.. وقبل أن أختم أشير الى تطويع التكنولوجيا لصالح التراث بعد أن استطاع الشاب الكويتي سعد الشعلاني ان يحصل على براءة اختراع لانتاجه برنامج كمبيوتر يحتوي على 113 قانوناً تقوم على تصحيح أي قصيدة فصحى أو نبطية تتكون من صدر البيت وعجزه. ويعمل الشعلاني حاليا كما اعلنت وكالة الانباء الكويتية على تطوير البرنامج عن طريق ادخال فن الالقاء عليه, اضافة الى وضع الالحان والايقاعات المناسبة لكل قصيدة يتم ادخالها في البرنامج, مبينا انه يعمل ايضا على ادخال ما يقارب مليون لحن يستطيع المستخدم للبرنامج اختيار ما يريد منها.. عموماً يظل السؤال قائما.. هل ينتصر الشعلاني للقصيدة العربية في زمن أعلن الشعر فيه انتحاره علناً.. انه زمن الشعرولوجيا أيها المتأدبون!