أكد الدكتور عبدالرحمن العدوي استاذ الفقه المقارن بكلية الدعوة الاسلامية بجامعة الازهر وعضو مجمع البحوث الاسلامية, ان باب الاجتهاد يجب ان يكون مفتوحا امام اهله والمتخصصين, مغلقا في وجوه الذين يتجرأون على النصوص الثابتة وليس لديهم رصيد علمي يؤهلهم للإجتهاد ويعملون على نشر الفرقة والاختلاف وتشكيك الناس في امور دينهم. واشار في حديث خاص لــ (البيان) الى ان المجتمع الفقهية قادرة على مواجهة القضايا المستجدة وتحقيق مصالح الناس مثل التأمين واعمال البورصة والاسهم والسندات والهندسة الوراثية وجراحات التجميل واطفال الانابيب والاستنساخ وزراعة الاعضاء البشرية وغيرها. واوضح ان الاجتهاد لايكون في الثوابت والاصول لانه لا اجتهاد مع النص, مشيرا الى وجود مساحة واسعة يجتهد فيها المجتهدون تتمثل في دائرة الفرعيات. وقال ان المسلمين يجب الا يختلفوا في الفروع حتى لا تتفرق صفوفهم موضحا ان المسلم يجب ان يأخذ ما يطمئن اليه قلبه في حالة وجود اكثر من فتوى في المسألة الواحدة. واضاف ان التقريب بين المذاهب الفقهية يحتاج الى دراسة علم المقارنة ودراسة كل دليل والتعرف على كيفية استنباط الحكم ومعرفة منشأ الخلاف. ما أهمية الاجتهاد في الحياة المعاصرة؟ وهل نحن في حاجة إلى الاجتهاد؟ ــ الاجتهاد له أهمية خاصة في حياتنا المعاصرة, لعدم وضوح الرؤيا لدى بعض المثقفين وحملة الاقلام الذين يزعجهم اختلاف الآراء وتعددها في المشكلات الاجتهادية مع ان ذلك دليل احترام الاسلام لعقل الانسان وحرية التفكير وكذلك نحن في حاجة للاجتهاد بسبب ما ابتليت به امة الاسلام في ايامنا هذه من جرأة البعض على ثوابت العقيدة والشريعة والقول فيها بآرائهم عن جهل او سوء قصد... وكذلك لحاجة الامة الماسة لمعرفة احكام المستجدات التي تحتاج الى جهود كبيرة من العلماء لاستنباط الاحكام من عموم الأدلة وتطبيق القواعد الشرعية على الجزئيات المستجدة وقياس ما لا حكم فيه على مافيه حكم للاشتراك بينهما في علة, كل هذا يحتم على العلماء واهل الاجتهاد بيان الاحكام الشرعية وبذل مافي وسعهم حتى يتوقف غير المؤهلين عن الحكم في دين الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. احترام العقل الا يعد فتح باب الاجتهاد لكل مؤهل له من باب احترام الاسلام لعقل الانسان وتفكيره؟ ــ الاسلام يحترم عقل الانسان وتفكيره في كل ما يأمر به من العقائد والعبادات وهذا من تكريم الله للانسان والاخذ بيده ليكون ذا عقل وتفكير سليم يؤهله للخلافة في الارض وتحمل أمانة الله التي اشفقت منها السموات والارض والجبال, والاسلام في تقديم عقائده للناس يخاطب عقولهم ويقدم لهم الادلة التي تدعوهم الى التفكير في هذه الحقائق حتى يكون ايمانهم عن اقتناع ويقين, والقرآن الكريم يحتفي بعقل الانسان احتفاء بالغا ويدعوه الى التفكير والتأمل وإدامة النظر في ملكوت الله وآياته في اخبار السابقين وحتى لا يكون ايمانهم مجرد تقليد دون دليل. وقد نعى القرآن على المقلدين الذين يقولون: (إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون) ويجعل الذين يعطلون عقولهم من شر الدواب: (ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) . وهذه الحفاوة بالعقل والتفكير مبثوثة في القرآن الكريم اكثر من ثلاثمائة مرة مثل: (أفلا يعقلون, أفلا ينظرون, لعلهم يتذكرون, أفلا يتدبرون, لعلهم يتفكرون) ... وهكذا. أدلة قرآنية البعض يزعم ان التزام الانسان بعقيدة معينة فيه حجر على حريته في التفكير وإهدار لعقله فما تعليقكم على ذلك؟ ــ هذا اذا وجد في العقائد الاخرى فإنه ليس موجودا في العقيدة الاسلامية, لان الاسلام حرر عقل الانسان, لذلك قدم العقائد مع ادلتها العقلية واعطى الانسان الحرية الكاملة في التفكير والاقتناع فلا إكراه في الدين: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ثم يكون جزاء الانسان حسبما اختاره لنفسه. من ذلك مثلا في عقيدة التوحيد يقدم القرآن الدليل العقلي الذي يجعلها ثابتة في العقل راسخة في النفس (لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا) ... (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله اذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) . وفي عقيدة البعث والجزاء والحساب نجد عناية القرآن بلغت انظار الناس الى آيات الله في الكون الدالة على قدرته وخلقه: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم) وقوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي انشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) . وهكذا جعل الله الانسان حرا... لكن حتى لا تتحول الحرية الى فوضى يلتهم فيها القوي الضعيف ويختل نظام المجتمع نظمت الشريعة الاسلامية حياة الانسان ورسمت له طريق الخير والفلاح في دنياه وآخرته وضبطت سلوكه مع نفسه ومع الاخرين. الكتاب والسنة هناك دعوة الى التقريب بين المذاهب الفقهية لتحجيم الخلافات بين المسلمين وتضييق الفجوة بين تلك المذاهب فما اهمية مثل هذه هذه الدعوة؟ ــ الخلاف في المسائل الفقهية لا يدور اطلاقا حول الاصول الاسلامية كالصلاة في اوقاتها وعدد ركعاتها وكونها تتكون من قراءة وركوع وسجود... لكن الخلاف يأتي في المسائل الفرعية لانها مسائل خلافية وينتهي فيها كل مذهب الى حكم حسب الادلة التي يعتمد عليها, فهناك مثلا مذهب يرى الجهر بالبسملة قبل الفاتحة في الصلاة بينما مذهب آخر يرى ان البسملة ليست جزءا من الفاتحة فلا تقرأ إلا في الفصل بين السور فحسب, فهذه مسألة اجتهادية, وعلى كل حال فإن الاجتهاد لا يخضع لهوى العلماء ولكنه ينبىء على فهمهم للكتاب والسنة. اذا كان المرجع الاول هو الكتاب والسنة, فمن اين ينشأ الخلاف؟ ــ الاختلاف ينشأ من اعتماد بعض المذاهب على حديث معين وتأخذ منه الاحكام, بينما هذا الحديث نفسه لا يعتمده صاحب مذهب آخر والاختلاف ــ كما ذكرت ــ لا يكون في الامور التي تمس جوهر العقيدة ونحن عندما نصلي خلف امام لا نسأله على اي مذهب هو, بل نصلي على اي مذهب يصلي عليه الامام. وحتى نعمل على تقريب وجهات النظر لابد من دراسة علم المقارنة ودراسة كل دليل والتعرف على كيفية استنباط الحكم ولابد ان نعرف منشأ الخلاف واذا كانت الثوابت والركائز لا خلاف حولها فليس من الفطنة ان يختلف المسلمون في فروع الفروع مثل هل نضع اليدين فوق السرة أم تحتها في الصلاة؟ هل نضعهما على الجنب الأيمن أم الجنب الأيسر من القلب؟ هل نصلي الجمعة بآذان واحد أم بآذانين؟ شروط الافتاء ما أهم الشروط الواجب توافرها فيمن يتصدى للافتاء؟ ــ ان يكون اهلا للفتوى... وان يعرف الحكم ودليله ومن أين استقى هذا الدليل؟ وان يكون عالما برأي ائمة المذاهب في المسألة المعروضة عليه ولا مانع ان يشير الى ان هذه المسألة فيها عدة آراء ثم يشير بالرأي الذي يرى انه الاقوى مستندا في ذلك الى الادلة ولكن لا يشترط ان يكون عالما بالمسائل كلها فمن الممكن ان يكون عالما بالمسألة الواحدة التي يفتى فيها فقط, فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فبلغها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع) والذي لا يعرف يقول: لا أدري. وهذا لا ينقص قدره, وقد ورد ان الامام مالك ــ رضي الله عنه ــ قال في عشرين مسألة: لا أدري. وقديما قالوا: من قال لا أدري فقد أفتى. إطمئنان القلب لكن اختلاف الفتوى قد يثير البلبلة في النفوس فماذا يفعل المسلم اذا وجد نفسه امام آراء متعددة في المسألة الواحدة, كما هو الشأن مثلا في قضية التعامل مع البنوك؟ ــ الامر هنا يتوقف على اطمئنان قلب السائل فمثلا اذا فرضنا ان رجلا مات وترك زوجة وطفلين ومبلغ اربعين الف جنيه فماذا تفعل المرأة اذا ارادت ان تستثمر هذه الاموال؟ هل تنزل هي واولادها الى السوق ام الاولى ان تضعها في البنك؟ واذا وضع المال في البنك فهل في هذا مفسدة؟ لقد قال العلماء ان المضاربة مع مجاهلة الربح حلال, فالاولى ان تكون حلالا ايضا في حالة تحديده... اما بالنسبة للقروض فإن البنوك تمتنع عن اعطاء القروض الاستهلاكية وتقرض فقط من اجل الانتاج والاستثمار واذا اردت ان تقترض من اجل مشروع انتاجي فإن البنك لن يقرضك الا اذا اطلع على المشروع ليرى كم ستربح ثم يأخذ نصيبا من هذا الربح ثم ان التعامل مع البنك يكون بينك وبين هيئة اعتبارية لا مع شخص بعينه. وعند اختلاف الفتوى فإن المسألة تتوقف على اطمئنان قلب السائل فإذا قام في نفسك شك او استشعرت شبهة الحرمة فإن عليك ان تمتنع عن هذا التصرف الذي يثير في نفسك الشك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإثم ما حاك في صدرك ولو افتاك المفتون) . اما الاخذ برأي عالم واحد ولو خالفه الف عالم, ويقول السائل اخذ برأي فلان فقط فهذا يفرق بين المسلمين ولا جدوى منه. الثوابت والمتغيرات ما الفرق بين الثوابت والمتغيرات؟ ــ الثوابت هي القواعد والاصول المحكمات التي قامت عليها الدلائل العقلية والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. فصارت ايمانا لا شك فيه ويقينا لا اضطراب فيه وهي الاساس الثابت بالنصوص القطعية الثبوت مثل العقائد والعبادات والاحكام القطعية التي لا تقبل التأويل او الاجتهاد, وهذه يجب الايمان بها والتسليم لها لأن من جحدها كان كافرا. اما المتغيرات فهي الاحكام التي تقبل الاجتهاد في ادلتها لأن هذه الأدلة ظنية في ثبوتها ودلالاتها او جاءت في صيغة تتفاوت الافهام في معناها وقد اقتضت حكمة الله ــ تعالى ــ ان يجعل في شريعته هذا النوع من الادلة والاحكام وان يجعل فيه من المرونة ما يناسب تغير الزمان والمكان وما يلبي حاجات الناس في معاملاتهم وعباداتهم, فالمتغيرات باب مفتوح للاجتهاد امام المجتهدين والعلماء. اما الذين يتملكهم الغرور ويظنون انهم قادرون على فهم الادلة واستنباط الاحكام مع ان الواحد منهم لا يستطيع قراءة آية واحدة من القرآن قراءة صحيحة ثم ينشرون على الناس أباطيلهم ويقدمونها للناس على انها فقه نشأ عن اجتهاد منهم. ويتجرأون على القول بآرائهم فيما علم من الدين بالضرورة. وهناك فريق آخر يقول في جرأة ان علينا ان نأخذ الاحكام من مصادرها الاصلية من القرآن والسنة دون نظر في اجتهادات المجتهدين وائمة الفقه السابقين, وهذا لا يستطيعه الا المؤهل والملم بجملة من العلوم والمعارف مع الاستعداد العقلي والنفس وصدق النية والاخلاص والاستقامة على اواصر الله. الباب مفتوح هل استطاعت المجامع الفقهية ان تلبي احتياجات المسلمين وتحقق مصالحهم وتواجه القضايا المستحدثة؟ ــ المجامع الفقهية قادرة على استنباط الاحكام المناسبة للقضايا العصرية, وباب الاجتهاد مفتوح امام المجتهدين الذين توافرت فيهم شروط الاجتهاد ولم يغلقه أحد أمام أهل الفقه القادرين على الاجتهاد. اما الذين ليسوا اهلا له والذين يتخذونه وسيلة لتحقيق اهوائهم ونشر الفرقة والاختلاف بين المسلمين والذين يؤلون النصوص الشرعية تأويلا سقيما لا أساس له من العقل والنقل والذين يتخذون الاجتهاد وسيلة للتشكيك في أصول الدين وقواعده الثابتة فهؤلاء يجب ان يغلق باب الاجتهاد في وجوههم, وأهل الفقه مطالبون بكشف زيف هؤلاء والرد عليهم حتى ينصرف الناس عنهم وسيبقى باب الاجتهاد مفتوحا أمام أهله. القاهرة ــ البيان