يوم عرفة ــ يوم عظيم مبارك ــ تتجلى فيه رحمة الله على عباده ــ ويباهى الله بحجاج بيته الحرام الملائكة ويشهدهم انه قد غفر لهؤلاء الذين جاءوا من كل فج عميق شعثاً غبراً لا يقصدون إلا التوبة والتقرب إلى الله ــ عز وجل ــ وقد تجردوا من زينة الدنيا وقطعوا صلتهم بها وارتدوا ازارا ورداء أشبه بالكفن . وفي يوم عرفة تتجسد وحدة الأمة الإسلامية وترابطها على اختلاف اللون والجنس واللغة في هذا اليوم العظيم: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). وقد أراد الله عز وجل لهذه الأمة الاتحاد والاعتصام ولم يرض لها التفرق والتشرذم (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). وتظل الأمة متماسكة ما استمسكت بكتاب ربها وسنة نبيها ــ صلى الله عليه وسلم ــ وتتجلى الصورة الرائعة لهذا الاتحاد والاعتصام في يوم عرفة فالكل في صعيد واحد ويتجه إلى رب واحد وقبلة الجميع واحدة ويؤدون أعمالا واحدة ويعاون القوي فيهم الضعيف. يشير الدكتور جمال فاروق الدقاق الأستاذ بكلية الدعوة بجامعة الأزهر إلى ان الوقوف بعرفة من أهم أركان الحج. فالنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقول: (الحج عرفة) فمن فاته الوقوف بعرفة فلا حج له. وقد تحدد عرفة ليكون مكانا يلتقي فيه جميع حجاج بيت الله الحرام في اليوم التاسع من ذي الحجة. وفي هذا اليوم يجب أن يتضرع الحجاج بالدعاء طالبين الرحمة والمغفرة من الله سبحانه وتعالى طامعين في استجابة دعائهم وتضرعهم حيث وعدهم الله ووعده الحق: (ادعوني أستجب لكم). وقد روي عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ انه قال: (أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير) . فيوم عرفة ــ بحق ــ هو يوم الدعاء.. والدعاء مخ العبادة ــ فواجب الحاج أن يدعو بقدر ما يستطيع ويجتهد في الدعاء لنفسه ولأهله وللمسلمين, لان الموقف موطن اجابة. وإذا كان الحاج قد نهي عن صيام يوم عرفة, فإن غير الحاج يستحب له أن يصومه ففيه الثواب العظيم فصيام يوم عرفة يكفر سنة ماضية وسنة مقبلة وقد وقف رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في عرفة في حجة الوداع وقال: (وقفت وعرفة كلها موقف) . ويقول أيضا في الحديث الذي ترويه عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (ما من يوم يعتق الله تعالى فيه من النار أكثر مما يعتق في يوم عرفة) . لذلك يكون الشيطان أغيظ ما يكون في هذا اليوم لأن جهده الذي يقضيه طوال العام لاغواء الناس واضلالهم يضيع هباء في يوم واحد. يقول ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (ان الله تجلى على أهل الموقف ــ عرفة ــ فغفر الله لأهل عرفة وغفر الله لأهل المشعر الحرام وتحمل الله عن الجميع تبعات ما عملوا نحو العباد) . دعوة إلى الوحدة أما الدكتور عبدالله عبدالشكور مستشار رابطة العالم الإسلامي بالقاهرة فيقول ان لله في خلقه شؤون وله في أيام دهره نفحات. فقد فضل بعض الأماكن على بعض وفضل بعض الأزمان على بعض وفضل بعض الرسل على بعض من ذلك تفضيل الله تعالى للعشر الأوائل من ذي الحجة فقد أقسم بها تعالى في قوله: (والفجر وليال عشر) وهي أيام محببة إلى الله والعمل فيها مضاعف والأجر على الأعمال عظيم عن جابر ــ رضي الله عنه ــ قال: قال رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة فقال رجل: هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله قال ــ صلى الله عليه وسلم ــ: هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة. وروي عن النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ انه قال: (معشر الناس أتاني جبريل عليه السلام آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التبعات) . فقال عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ: يا رسول الله, هذا لنا خاصة؟ قال: (هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة) . فقال عمر: كثر خير الله وطاب) . ويشير إلى ان الله يوم عرفة يتجلى على عباده فيغفر لهم ويتوب عليهم ويعتق من النيران رقابهم. ويؤكد ان يوم عرفة دعوة صريحة إلى وحدة الأمة الإسلامية وعلاقة الاخوة والتواد والتراحم بين المسلمين (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).. كما ان يوم عرفة يتبرأ فيه حجاج بيت الله الحرام من الفرقة والخلاف اللذين حدثا بين أبناء الأمة فأصبح بعضها يضرب رقاب بعض ولا يشعر بحرمة دم المسلم التي دعا إليها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في مثل هذا اليوم في حجة الوداع (أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) . توحيد الصفوف ويضيف: لا شك ان هذه الخلافات جعلت المسلمين يهونون على أعدائهم ولم يعملوا بالآية الكريمة (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين).. بل أصبح العكس هو السائد فصار المسلم على أخيه عزيزا وعلى الكافر ذليلا, فلم يعد الإسلام كلمة تسمع ولا أمر يطاع وصار كل مسلم على هواه فانشق الصف وتعمق الخلاف واستفحل الشر. ويناشد المسلمين حكاما وشعوبا في هذا اليوم العظيم أن يوحدوا الصف ويعودوا إلى شرع الله حتى يعود لهم مجد وعزة السلف الصالح من هذه الأمة رحمهم الله الذين لم يكن أحد في عهدهم في الشرق أو الغرب يجرؤ على الاعتداء على مسلم مهما كان ضعيفا ويكفي في ذلك ما نعرفه عن المرأة التي صرخت في أرض عمورية وقالت: (وامعتصماه) فجند المعتصم الخليفة العباسي جيشا غزا به الروم وأعاد لهذه المرأة كرامتها. ويضيف: إن يوم عرفة هو تذكير للمسلمين بأن يخلصوا لله رب العالمين: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) وان يتذكروا يوم القيامة حيث يقف الناس مثل هذا الموقف وفي ذلك دعوة إلى أن يحاسب كل منا نفسه قبل يوم الحساب (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم) . حكم وأسرار ويشير الدكتور زكي محمد أبو سريع الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إلى بعض الحكم والأسرار التي يجب أن يعيها المؤمنون من الوقوف بعرفات ومنها: ــ التأكيد على ان الناس يرجعون إلى أصل واحد, وهذا يدعوهم إلى التراحم والتعاطف والتواد. يقول تعالى: (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم). ويقول ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) .. وفي ذلك تذويب للفروق الطبقية التي تظهر عند اتباع الملل المنحرفة ــ إذ نجد الجميع في ثياب واحدة ومناسك واحدة ويتجهون إلى غايات شرعية واحدة. ــ ايجاد الفرصة لتلاقي المسلمين وتعارفهم ودراسة قضاياهم وايجاد الحلول الشرعية لها في ضوء الدين الذي هم به مسلمون. ــ وقبل هذا كله امتثال أمر الله تعالى القائل: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم). ــ فتح أبواب الآمال والرجاء أمام المؤمنين وذلك بتوفيق الله تعالى لهم وقبول دعائهم في هذا اليوم العظيم. أخلاق عرفة ويؤكد الدكتور محمد عبدالسميع جاد عميد كلية الدعوة الأسبق بجامعة الأزهر ان موقف عرفة موقف جليل يفرح الله تعالى به ويباهي بعباده ملائكته فيقول: (انظروا إلى عبادي تركوا كل ما يملكونه وجاءوني شعثا غبرا يطلبون مغفرتي ورحمتي أشهدكم أني قد غفرت لهم) . مشيرا إلى انه في يوم عرفة يختفي التفاخر بالأحساب والأنساب ويتسابق الجميع إلى اعلان خضوعهم لله وخشيتهم منه كذلك يختفي الاستعلاء وطغيان النفس لذلك يستحق أهل عرفة مغفرة الله ورحمته لان الذي يرفع رحمة الله هو اللجج والتعالي والتفاخر على الناس ويدرك جميع المسلمين في هذا اليوم العظيم معنى الحديث النبوي (كلكم لآدم وآدم من تراب ان اكرمكم عند الله أتقاكم) . ويطالب الدكتور محمد عبدالسميع المسلمين جميعهم بأن تستمر فيهم أخلاق عرفة فهي أخلاق المسلم الحقيقي. وإذا استمرت هذه الأخلاق وارتفع المسلمون عن التباهي والتفاخر بما آتاهم الله من الدنيا وتواضع بعضهم لبعض واحترم الصغير الكبير ونظر القوي بعين العطف إلى الضعيف وتصدق الغني على الفقير.. وأدرك المسلمون ان ما عند الله خير وأبقى, كل ذلك كفيل بذهاب الشح والبخل والأثرة من مجتمعاتنا الإسلامية وكفيل أيضا بنهوض المسلمين واخلاصهم في أعمالهم ويصبح المسلمون تماما كما كانوا في عهد رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين. سبب التسمية ويضيف: هناك عدة روايات حول سبب تسمية هذا المكان الذي يقف فيه حجاج بيت الله الحرام يوم التاسع من ذي الحجة باسم عرفة فقد قيل ان آدم هبط في مكان وهبطت حواء في مكان آخر وأخذ كلاهما يبحث عن الآخر حتى تلاقيا في هذا المكان فسمي عرفة. وفي قول آخر ان الملائكة قالت لآدم بعد أن نزل إلى الأرض ــ في هذا المكان ــ: (اعترف بذنبك وتب إلى ربك) فعرف ذنبه وتاب إلى الله سبحانه وتعالى فسمي المكان عرفة. ويروى أيضا ان ابراهيم عليه السلام عندما رأى انه يذبح ابنه إسماعيل جلس في هذا المكان يدبر فكره ويتروى ولذلك سمي اليوم السابق ليوم عرفة بيوم التروية وعندما تأكد ان الرؤيا حق وعرف انه لابد أن يذبح ابنه سمي المكان بعرفة. ويقال ان جبريل عليه السلام كان يعلم ابراهيم عليه السلام مناسك الحج في هذا المكان ويقول له عرفت؟ فيرد ابراهيم: عرفت. فجاء اسم عرفة. وقد يكون سبب التسمية ان الإنسان يعرف ربه ويأتي إلى هذا المكان وهو يعرف ذنبه ويستغفر الله في ذل وخضوع. ويقول الدكتور حمزة الزين الباحث بدائرة أوقاف دبي ان عظمة الإسلام تتجلى في العبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على المسلمين في حياتهم الاجتماعية والإنسانية والسمة العامة التي يقصدها تعارف المسلمين فيما بينهم والعمل على تماسكهم وتعاونهم فيما بينهم فالصلاة أمرنا فيها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ان نصليها في المسجد وفي جماعة وقال: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) فهي تهدف بعد عبادة الله سبحانه وتعالى إلى اجتماع المسلمين ويسمى الاجتماع الصغير ثم صلاة الجمعة من كل أسبوع والزكاة إنما تهدف إلى تعاون وتكافل المسلمين فيما بينهم. وأما الاجتماع الأكبر فهو يوم عرفة الاجتماع السنوي الذي يمثل فيه المسلمون من كل لون وجنس لا تفاضل ولا تمييز في اللباس وإنما يتفاضلون بالأعمال الصالحة وبتقوى الله عز وجل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم), إن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نتفقد أحوالنا في هذا اليوم العظيم ونتعرف على أحوالنا ومشاكلنا والعمل على حلها كما كان يحدث في صدر الإسلام حيث كان كل أمير من أمراء البلاد الإسلامية يذهب للحج ويترأس وفد بلده ويمثل دولته ويجتمع مع خليفة المسلمين لتدارس أحوال المسلمين ومعرفة مشاكلهم والعمل على حلها, وكان الخلفاء يطلبون من ولاة الأمور الحضور إليهم خاصة في موسم الحج. وشعار الإسلام الذي دعا إليه الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ في يوم عرفة: (الا ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام) وهذا بلاغ لكل أقطار الدنيا بأن الدم والمال والعرض يجب أن تحترم ويحافظ عليها, وقد اجتمعت العديد من العناصر في هذا اليوم العظيم, عناصر الأخوة واحترام الإنسان حيث قال عليه الصلاة والسلام عندما خرج من مكة إلى المدينة المنورة ناظرا إلى الكعبة ان حرمتك شديدة ولولا ان أهلك أخرجوني ما خرجت وان المسلم أشد حرمة منك فالإنسان في الإسلام له احترامه وله شخصيته التي لا يجب على أحد المساس بها. ويقول الشيخ أحمد إسماعيل الواعظ بدائرة أوقاف دبي: في هذا اليوم العظيم تنطلق أفواج ضيوف الرحمن عز وجل إلى صعيد عرفة للوقوف بها في هذا اليوم الذي يتجلى الله عز وجل فيه إلى السماء الدنيا ويباهي بهم الملائكة كما رد بذلك سيدنا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن السائل عما له من الطواف والسعي والوقوف فقال له رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: (وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فج عميق يرجون جنتي فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها أفيضوا مغفورا لكم ولمن شفعتم له) فهذا بيان عظيم من الله سبحانه وتعالى لأهل عرفة في هذا اليوم المبارك وهذا اليوم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وانه ليدنو يتجلى ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء) وأيضا يبين رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في الحديث الذي أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث يقول سمعت رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ يقول: (لو يعلم أهل الجمع بمن حلوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة) فهذه الأحاديث تبين فضل الله سبحانه وتعالى في هذا اليوم العظيم لمن نزلوا ضيوفا عليه معلنين اخلاصهم لله عز وجل ومعلنين صدق نياتهم وقربهم من الله سبحانه وتعالى وأيضا تلهث قلوبهم بالدعاء ونفوسهم بالرجاء داعين خالق الأرض والسماء أن يغفر لهم وسبحانه هو الغفور الرحيم يغفر الذنوب والمعاصي لمن يشاء, والحجاج في عرفات يخرجون في زمن واحد وفي لباس واحد متجهين إلى الواحد الأحد الفرد الصمد, الألوان مختلفة واللغات مختلفة معلنين وحدة الإسلام والمسلمين في كل مكان وان التفاضل بين المسلمين ليس بالغنى ولا بالجاه ولا بالسلطان وإنما كما قال رب العزة: (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). ويوم عرفة الذي تتحطم فيه الحواجز والفوارق بين المسلمين بعضهم مع بعض ويعيش المسلمون هذا اليوم معلنين وحدتهم الكاملة وتماسكهم الذي يجب أن تكون عليه الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان وان المسلمين لو نظروا إلى عظمة هذا اليوم وأخذوا الدروس المستفادة لهم في حياتهم وتذكروا خطبة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ في حجة الوداع حيث رسم الخطوط العريضة للأمة الإسلامية ليعيش المجتمع آمنا مطمئنا فلقد جاء عن بعض أصحاب النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قال قام فينا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ على ناقة حمراء مخضرمة ــ أي قطع طرف أذنها ــ فقال: (أتدرون أي يوم يومكم هذا؟) قلنا يوم النحر. قال: (صدقتم يوم الحج الأكبر, أتدرون أي شهر شهركم هذا؟) قلنا: ذو الحجة. قال: (صدقتم شهر الله الأصم لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح, أتدرون أي بلد بلدكم هذا؟) قلنا: المشعر الحرام. قال: (صدقتم) . قال: (فإن دماءكم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا وبلدكم هذا, ألا وإني فرطكم على الحوض أنظركم وإني مكاثر بكم الأمم) . ففي هذا القول العظيم لسيدنا رسول الله بيان لما يجب أن تكون عليه أمة الإسلام حتى يعيش المجتمع الإسلامي آمنا لا عداوة ولا بغضاء فإن الله قدم حرمة الدماء والأموال والأعراض والمسلمون يتعرفون على هذه المعاني السامية في هذا اليوم العظيم وسيدنا رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ قد وقف في هذا المكان المبارك ودعا إلى وحدة الأمة الإسلامية حيث قال: (أيها الناس انما المؤمنون اخوة ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت اللهم فاشهد, فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده كتاب الله ألا هل بلغت اللهم فاشهد, أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم وليس لعربي على عجمي إلا بالتقوى ألا هل بلغت اللهم اشهد) . قالوا) نعم. قال: (فليبلغ الشاهد الغائب) . لو نظر المسلمون إلى هذه المعاني والمبادئ القويمة والأسس المتينة التي أرساها سيد الأولين سيدنا محمد الحريص على الأمة الإسلامية ما وجدنا عليه المسلمين الآن من شقاق وتنازع وخلافات وفرقة ولكن من المؤلم أن يتناسى المسلمون هذه التعاليم فتدب الخلافات وتتمزق الأمة ويتفرق شملها حتى أصبح المسلمون لقمة سائغة في فم الأعداء والله ينادينا (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا).