العيد أفق مطرز بالورد والنور والعطر, توشك ان تلمسه, وأن تراه, وهو قاب قوسين أو أدنى. فهل يكتب عن شيء تحت هذا الأفق غير العيد؟ هل هناك ما تقوله لإمارات الخير وهي توشك ان تطل ــ كالعروس ــ في حلة العيد, الا كلمات ناظم حكمت الجميلة : ... فلتبقي في فرح؟ وما ان تكتب كلمة العيد, ما ان ترتسم حروفها على شغاف القلب وطرف اللسان, حتى يقفز الى البال والذهن معادلها الذي لا يغيب ويرتبط بها ارتباط الصوت وصداه... الطفولة. اذن, عن العيد والطفولة نحكي. ومن بئر الأيام الباكرة في العمر دعنا نستمد مياه الذكريات, كما يقول عمنا جبرا ابراهيم جبرا. وفي كتاب الذكريات سطور تتحدث عن عمر سحري, يقع في الأرض الندية بين الطفولة الباكرة ومطالع الصبا. وقد كنت في هذا العمر السحري, على وجه الدقة, عندما أمضيت ليلة عيد تظل في القلب, ويبقى فجرها الساحر في البال على الرغم من مضي السنين في طريقها مسرعة بلا هوادة, ومن دون لحظة تمهل. والحكاية انه في بلدة نائية, عند أطراف الصحراء, وعلى مرمى حجر من الخضرة الغامرة, أتاح قدر مدهش لي ان أتابع مع الكثيرين, على امتداد أسابيع طويلة, واحدا من أولئك الشعراء والرواة والعازفين على الربابة, وهو يمضي ليلة اثر اخرى عبر اسابيع بأكملها في سرد السيرة الهلالية, منذ بدايتها السحرية, وصولا الى أرض تونس الخضراء. كانت ليلة العيد هي الليلة الأخيرة في لقاءات هذا الراوي الكهل, ذي الأداء المذهل, مع جمهوره. وطارت ساعات الليل, كأنها فراشات فرح ملونة, ووجدت نفسي, أنا الصغير الذي لا تتجاوز سنوات عمره عدد أصابع يديه, وقتها, حائرا في توديع الراوي بربابته الساحرة وحكاياته التي لا تنتهي أو الاستمرار حتى آخر الليل ومطالع الفجر معه, ومن ثم مواجهة عواقب لا تحمد لدى العودة الى المنزل. القرار بالبقاء وسط جمع المستمعين الحاشد حسمه المقطع الذي كان الراوي يجتازه في سرد السيرة الهلالية, فقد كان الكهل الأسمر ذو الملامح القوية, والصوت الساحر, المتدفق كنهر لا يعرف التوقف, يحكي عن مرحلة عجزت فيها حكمة أبي زيد الهلالي عن شق الطريق أمامه, وعن فتح الطريق أمام الهلالية في تغريبتهم الخالدة, فلم يجد أمامه إلا ان يضع السيف في الرقاب. إنها المعركة اذن. ولكن أي معركة؟ انبعث الراوي الكهل واقفا, وخطا خطوات قلائل أمام مقعده, ورفع ربابته عاليا, وانطلق يحكي عن الفرسان, وعن الغبار, وعن صليل السيوف, وشرر الحراب في اصطدامها بالدروع, قبل ان تشق طريقها الدامي الى الضلوع. لست أدري أي سحر في صوت هذا الراوي الكهل وربابته المترعة بالنغم جعلنا نتجمد في مقاعدنا, ونحن نراقب المشاهد تتتابع أمامنا, حتى لنكاد نسمع الصهيل, ويكسونا غبار المعركة, وينالنا رشاش من دماء المتحاربين. يبقى في الذاكرة مشهد تحدث عنه الراوي, فأطال, وقال فيه فأفاض, هو مشهد أبي زيد, وهو ينطلق على صهوة فرسه (الحمراء) . ليس بوسع شيء في الكون ان يمحو من ذاكرتي صوت الراوي الكهل, وهو يصف الفرس الشامخة, ويتحدث عنها, وهي (تشلِّع ركابها) في الطريق إلى المعركة, كأنها بطل أسطوري, يشارك مستقلا في القتال, ويؤدي دوره في الوصول الى تونس الخضراء وسهولها التي لا يحدها بصر. هذا الصغير المتجمد في مقعد, وكأنه شاهد على أسطورة تتجسد, سيقدر له ان يقرأ سبع ترجمات على الاقل في القاعة الغربية بمكتبة جامعة القاهرة تتحدث عن جياد أخيل السماوية وهي تدور كالريح حول طروادة في (الألياذة) . هذا الصغير سيشاهد مئات الأفلام عن المعارك التي ينعقد لواء البطولة فيها للخيول, وسيقدر له ان يعشق الموسيقى, موسيقى الفالس التي تواكب استعراضات مدرسة فيينا, وعروض الجياد الرائعة فيها. هذا الصغير سيقدر له ان يرى بعضا من أبرز جياد الدنيا وهي تتسابق أمام ناظريه في مشاهد نادرة تتحدى الخيال. لكن شيئا من هذا كله لن يبقى في دمه, مندلعا كالنار, مثل مشهد الفرس الخالدة (الحمراء) وهي تنطلق بأبي زيد الى أفق المعركة, وهي (تشلّع ركابها) والراوي سيبقى ــ ربما بلا انتهاء ــ وهو يعزف على ربابته العتيقة تلك, ويضرب الارض بقدمه, وينشد عاليا بطولة الأبطال ومجد الخالدين وتضحيات المقاتلين الذين توقفوا طويلا أمام مشاهد الملاحم الخالدة, وهي تتحدث عن الابطال وهم (يعضون التراب) كما يعبر مؤلف (الالياذة) , من حقهم ان يتذكروا طويلا هذه المشاهد. لكن الصغير الذي كنت من حقه ايضا ان يتذكر ذلك الراوية الكهل وهو يوغل في الليل منشدا روح البطولة والابطال, ومغنيا قصائدهم, وشجاعتهم, وقدرتهم على التضحية حتى النهاية. وفي آخر الليل, والعيد فجر يولد وردا وضياء في الأفق, قدم الراوي الكهل وعدا لمستمعيه بأن يعود في قابل الأيام ليروي لهم باقي السيرة الهلالية, حيث انتهت رحلته في البلدة الصغيرة, وعليه ان يشد الرحال الى غيرها, ولم تنته السيرة بعد. هذا الوعد لم يقدر للكهل الأسمر ذي التقاطيع النبيلة ان يفي به أبدا, فقد رحل عن عالمنا الفاني قبل ان يدور العام وتحمله جولاته التي لا تنتهي الى البلدة الصغيرة الغافية عند حواف الصحراء. لكن بذرة عشق الجميل والنبيل والمفارق للعادي والمألوف, عشق البطولة والابطال, وحب القيم التي عاشوا بها وماتوا ايضا, قدر لها البقاء طويلا, وربما أكثر مما تصور الكهل المنشد. ربما ليس صدفة ان صغيرا آخر كان معي في هذه الليلة ذاتها, يعمل الآن طبيبا متخصصا في عمليات دقيقة بالقلب في لندن, ذكرني في حوار هاتفي مؤخرا بالكهل العجوز وأناشيده الاسطورية عن أبي زيد و(الحمراء) والزغابة. الصديق نفسه حرص على القول انه لا أحد في الدنيا يتصور مدى حرصه على ان يدفع أي شيء, أو ان يقدم أية تضحية, لو كان هذا من شأنه ان يغير الواقع عبر عصا سحرية من نوع ما ليعيد هذا الشاعر الكهل ذا الربابة المليئة بالشجن, ليفي بوعده الذي لم يقدر له ان يتحقق أبدا. وما أعرفه اني مضيت في فجر العيد الساحر ذاك عائدا الى الدار ومتوقعا ان أدفع الثمن غاليا في شكل حساب عسير من الأهل. عند الباب قدم لي أبي هدية ذلك العيد, التي لا أنساها, فعندما حدثته بجلية الأمر وبالسر في تأخري هذا كله, وهو ما جعل العائلة تمضي الليل في قلق بانتظاري والبحث عني, لم يتحفني بالعلقة الساخنة التي يمكن لأي صغير في مثل عمري ان يتوقعها جزاء وفاقا, وإنما ابتسم في تسامح, مضى كإطلالة فجر العيد وقال: ــ كل سنة وانت طيب يا ابني, ربنا يهديك وينوّر طريقك! فرحة العيد التي أطلت من هذه الكلمات لا تزال تعاود الاطلال مع فجر كل عيد جديد يمر بي. ولست أشك في ان كلا منا لديه قصة من هذا النوع, يرويها, ترتبط بالفرح, وبفجر العيد. ربما لهذا, بالضبط, يتعين علينا ان نتيح المجال لصغارنا لينسجوا بطريقتهم الخاصة, شباك فرحهم الخاصة التي تصلهم بالفرح وبالعيد. وربما لا يكون من المبالغة القول ان كل طفل يملك عبقريته الخاصة التي تجعله يبدع نسيجا من هذا النوع يميزه عن غيره من الصغار, ويجعل حكاية كل عيد جزءا من نسيج الفرح الذي سيحمله معه حتى نهاية العمر. ويبقى ان نقول لامارات الخير ولدبي الجميلة, كلمات يرددها القلب قبل اللسان.. انت العيد.. وانت الفرحة.. فلتبقي في فرح.