لم يتركني صاحبي امضي الى حال سبيلي بعد ان اوضحت له ما اقصد اليه من معنى رمزي لقتل الاب, وعاجلني بما ردني الى الموضوع مرة اخرى وقال لي في نبرة محذرة ان الحديث عن القتل الرمزي للاب لابد ان يزداد وضوحا في اذهاننا على الاقل . قبل ان تنقله الى غيرنا ممن قد لا يحسن فهم ما نرمي اليه فيستخدم عبارة قتل الاب استخداما فجا, يستبدل بمعناها الايجابي معناها السلبي, وما اكثر العبارات التي تتطاير حولنا وأصل معناها موجب ولكن الاستخدام العجول لها, فضلا عن اختزالها واقتطاعها من سياقاتها ينتهي بها الى ان تتحول الى قنابل عنف موقوتة في خطابنا الثقافي المشحون بالعنف الى ابعد حد يضاف الى ذلك يا صديقي ان العلاقة بالاب حتى على المستوى الرمزي ليست علاقة واحدة.. ثابتة البعد او وحيدة الاتجاه.. وانما هي علاقات متعددة ولها تجليات متباينة.. والاهم من ذلك انه حتى الحضور الرمزي للاب حضور متعدد. اعنى انه حضور آباء وليس حضور أب واحد.. مطلق .. وحيد الصفة فهناك الاب الرحيم مقابل الاب الرجيم وهناك الاب الذي يدفع الى المغايرة وينمي ممارسة الاختلاف في الابن, حتى في علاقته به لا من حيث هو مصدر سلطة ولكن من حيث هو مصدر رعاية وأمان. واذا كان الادب الذي انت متخصص فيه يتضمن صورة (الاب كارامازوف) في رواية دستيوفسكي الشهيرة فهناك صورة الاب المغايرة الصورة التي تشبه صورة سيد سيد الرحيمي الاب الذي ظل يبحث عنه ابنه صابر في رواية (الطريق) لعمنا نجيب محفوظ, خصوصا حين مضى صابر على امتداد الرواية, يبحث عن ابيه الرحيمي ليجد في كنفه الاحترام والامن والتحرر من ذل الحاجة الى مخلوق.. ويجد في رحابة الحرية والكرامة والسلام. ألا تذكر كل ذلك؟ قلت لصاحبي المشاكس: أذكر ذلك كله. ولكننا نتحدث عن معنى بعينه للاب الرمزي. هو المعنى السلبي الذي يتحول به رمز الاب الى رمز للسلطة التي تقمع تطلعات الحرية ورغباتها في أعماق الابن, أو من يقع موقع الابن من السلطة التي تأخذ شكل الاب القامع, ومن المعلوم ان المعنى الرمزي لا يؤدي ما يؤديه المعنى الحقيقي من دلالة, شأن الرمز في ذلك شأن المجاز الذي يراد به لازم معناه ولا يراد به معناه المباشر كما يقول علماء البلاغة القديمة واحسبك توافقني ان المقصود بالتمرد على الاب الرمزي في سياق كلامنا هو التمرد على الرمز الذي يتحول به كل قديم الى سلطة قمعية تعوق فعل التطور الخلاق.. ونحن نرى ذلك في المعرفة كما نراه في الابداع, بل رأينا في تراثنا الشعري عندما تحول الآباء الرمزيون من الشعراء القدامى الى سلطة قمعية تعوق مغامرة التجريب, وتهدد ممارسة المغايرة والاختلاف فتمرد الابناء الرمزيون من الاجيال الشعرية اللاحقة على ابائهم الرمزيين وكان هذا التمرد هو اساس حركة التجديد التي اطلق عليها اسلافنا من النقاد اسم (خصومة القدماء والمحدثين) . ولولا هذه الخصومة التي هي نوع من انواع الفعل الرمزي الذي يقضي به الابن المتمرد على الحضور القمعي للاب الجامد ما حدث الجديد في الشعر العربي القديم وما وجد المحدثون امثال بشار وأبي نواس وابي تمام سبيلهم المستقل الى الابداع, وما وجد امثال المتنبي وابي العلاء في داخل كل منهم الباعث الخلاق على الابداع الذي تميزوا به على السابقين عليهم وطبيعي ان يكون فعل تمرد كل واحد من هؤلاء فعل خروج على الاجماع لانه مغايرة فردية لتقاليد ثابتة واختلاف عنها في آن.. وطبيعي كذلك ان ينطوي كل واحد من هؤلاء على آبائه الرمزيين, لا لكي ينسخ حضورهم, او يكرر ما قالوه, أو يقلد ما كتبوه وانما لكي يضيف اليهم الاضافة التي تجعل من حضوره النوعي ازاحة للأب الرمزي بأكثر من معنى, ومن ابداعه الجديد انقطاعا عن التقليد داخل تقاليد الاتباع التي ينتهي اليها. ويعني ذلك انه حتى ابداع الآباء الرمزيين لا يمكن ان يوجد او ان يمضى في مساره الجديد, لو لم يضع الاباء ابداع آبائهم الاقدم موضع المساءلة خصوصا في زمن استقباله المختلف عن زمن ابداعه. قال صاحبي احسبني افهم من كلامك هذا ان المعنى المستخدم في التحليل النفسي للقتل الفرويدي للاب الرمزي في الابداع الشعري هو الشرط الضروري والحتمي لحيوية هذا الابداع وتجدده وان هذا المعنى المخصوص في علم النفس هو معنى عام في الحياة الانسانية التي لا يمكن ان تتجدد او تتطور إلا بتمرد الجديد الحي على القديم الميت او ثورة المتطلع الى الامام والمتوثب بالحركة على الجامد في موضعه والكاره للتحرك. قلت لصاحبي معك حق فيما فهمت واضيف اليه انني ادعوك الى ان تتصور حال تراثنا الشعري ـ بل حال تراثنا بوجه عام ـ لو خلا من التمرد على الآباء الرمزيين, وتقبلت الاجيال اللاحقة ما خلفته لها الاجيال السابقة واضيف الى ذلك ان كل حركة من حركات التجديد في الابداع او الفكر او العلوم او حتى الصناعات هي انقطاع عن القديم وتمرد عليه.. ومن ثم قتل للاب الرمزي خصوصا حين يتحول هذا الاب الى سلطة قمعية تفرض اتباعها ومحاكاتها وتقليدها والاذعان لها., وبقدر جذرية حركة التجديد, في كل انواع الابداع وكل اشكال الفكر بل كل انواع العلو والصناعات تكون جذرية فعل القتل الرمزي الذي هو فعل التمرد الابدي للحضور الانساني سواء في بحثه عن افق واعد يظل في حاجة دائما الى الكشف.. أو في كشفه عما يحقق الحضور الفاعل للابن في الوجود بعيدا عن سلطة الاب.. وبقدر سطوة الاب الرمزي وحدة سيطرته وصرامة نواهيه القمعية تكون درجة التمرد عليه وحدة الخروج على نواهيه ومعنى مواجهة قمعية بنقيضه الذي يغدو نوعا من القتل الرمزي للاب من ناحية ونوعا من المفارقة التى تستبدل بالآباء الرمزيين القدامى آباء آخرين غيرهم في التراث الماضي نفسه. قال لي صاحبي: قد فهمت الآن معنى التمرد على الاب الرمزي الذي هو شرط ضروري لتجدد الابداع بل تجدد الحياة في كل جوانبها واحسب ان المعاني التي يستدعيها هذا الفهم لا غبار عليها ولو امعنا النظر في حركة الاشياء.. واستجبنا الى دافع التطور الخلاق في داخلنا.. ولكن اسمح لي ان احترز بأمر, وهو ان فعل القتل الرمزي الذي يرادف التمرد على هذا النحو لا يقع عادة إلا في اللحظات المفصلية من التاريخ اعنى اللحظات التي يتولد الجديد من شروطها وليس في لحظات التجديد نفسها والى جانب هذا الاحتراز لابد ان اسألك عن عملية الاستبدال التي تشير اليها, خصوصا عندما اثرت الى استبدال اب بأب, فالحق انني لم افهمها تماما, وارجو ألا تكون تقليعة من تقليعاتك التي تفاجئني بها بين الحين والحين, فأنا اصبحت اقرب الى تقبل استخدام فعل القتل الرمزي على سبيل استعارة المصطلحات الوصفية من علم التحليل النفسي عند فرويد, ولكن ان يستبدل المبدع المجدد ابا رمزيا بأب آخر فهذا مالا افهمه الى الآن, بل ما ارى فيه تناقضا مع فكرتك نفسها, فالذي يتمرد على الاب بهذا المعنى لابد ان يتمرد على كل اب رمزي في تمرده على كل سلطة يمكن ان تعوقه عن الحركة الخلاقة الى الامام. قلت لصاحبي: اما احترازك فمع احترامي له, الا انني لا اميل الى المضي معه الى النهاية, ففعل التمرد هو الوجه الآخر الملازم لفعل الابداع, وذلك لان كل ابداع حقيقي, في اي اتجاه او مجال, هو خروج على القاعدة خرق للمألوف, مجاوزة للمعتاد, اكتشاف لأفق مغاير, وضع للذات المبدعة نفسها موضع المساءلة التي يمكن ان تتحول الى فعل من افعال النقض. وسواء تحدثنا عن مبدع مفرد او عن حركة جماعية من حركات التجديد فإن الجذر واحد سواء من حيث علاقة التجدد بالتمرد الفردي على انجاز الذات, او من حيث وضع هذا الانجاز باستمرار موضع المساءلة, او اكتشاف افق ابداعي يظل دائما في حاجة الى الكشف, او حتى من حيث علاقة التجدد بالتمرد الجمعي الذي ينقض به الجيل الجديد ما فعله الجيل القديم, ويضع انجازه موضع المساءلة كي يجاوزه الى ما يحقق به حضوره في التاريخ وبالتاريخ. قال لي صاحبي: واذن, فالتمرد يا صديقي هو الفعل الملازم للابداع, ما ظل ابداعا, اي ما ظل بحثا عن الجديد الواعد وتجسيدا لتوثب الطاقة الخلاقة في الانسان, قاطعت صاحبي بقوله: ولا اظنني اتوقف عند هذا الحد فحسب, بل اضيف اليه ان المبدع الواحد يمكن ان يتحول انجازه السابق, مع الوقت, الى اب رمزي تسلطي قامع من نوع مواز ويحدث ذلك حين يقع كاتب من الكتاب, مثلا, اسير انجاز مرحلة بعينها من مراحل عمله, مرحلة تدفعه الى تقليدها وتكرارها, كما لو كانت هذه المرحلة تحولت الى اب رمزي مواز, يفرض تقليده وتكراره الى ما لا نهاية, ولو لم يتمرد هذا الكاتب على سطوة مرحلته السابقة لما استطاع ان يبدع في مراحله اللاحقة والمثال القريب على ذلك ابداع نجيب محفوظ الذي لم يكتب الثلاثية الا لانه ــ في جانب منه ــ تمرد على نجيب محفوظ الذي كتب الروايات التاريخية, قال صاحبي: ويمكن ان اكمل ما تقول فأضيف ان نجيب محفوظ الذي كتب (اولاد حارتنا) هو الذي تمرد على واقعية (بداية ونهاية) و(زقاق المدق) و(خان الخليلي) , قلت لصاحبي: تماما كما ان نجيب محفوظ الذي كتب (ثرثرة فوق النيل) هو الذي تمرد على تمثيلات (أليجوريات) (الطريق) و(الشحاذ) , ونجيب محفوظ الذي كتب ملحمة (الحرافيش) هو الذي تمرد على ما قبلها, وهكذا.. الى آخر اعماله, ولو لم يكن نجيب محفوظ ينطوي على بذرة التمرد الدائم حتى على نفسه, ومن ثم ينطوي على فعل القتل الرمزي للاب الذي يمكن ان يغدو اياه, في كل مرحلة من مراحل الكتابة, ما كان نجيب محفوظ هو نجيب محفوظ: عميد الرواية العربية, وكاتبها الاول, وحامل لواء الادب العربي الى العالمية التي دخلها من اوسع ابوابها.