قريتي, مثل كل القرى النائمة في حضن النيل من الاف السنين, لها معالمها التي تنفرد بها وتميزها عن غيرها . وحتى لا يسبقنى القارىء اللبيب الى استنتاج ما اقصده, فإن ما اعنيه بكلمة (المعالم) ليس مسجد القرية ولا المدرسة الجديدة ولا كتاب عم جعفر ولا الدوار الكبير او حتى سوق الثلاثاء او سويقة السبت ولا ساقية الجن الاحمر او جميزة سيدي سالم المهيمنة على ناصية الدرب النازل من الطريق الزراعية, والتي يعرفها كل سائقي سيارات النقل الذين يجدون تحتها عادة اكواب الشاى الاسود ولزوم مالا يلزم من انفاس الدخان المعطر. كما انى ايضا لا اقصد المعالم ذات الصفة الرسمية مثل جناب العمدة وفضيلة شيخ البلد والمأذون الشرعي الذي تستقر في جيوبه ودفاتره كل حالات الزواج والطلاق, وايضا معظم عقود البيع والشراء والرهن والقروض غير الحسنة.. او شيخ الخفر الذي يصر على ان يسمى نفسه حكمدار البلد. فهؤلاء جميعا معالم مشتركة موجودة في كل القرى. وانما ما اقصده هو المعالم الانسانية غير الرسمية.. بسطاء الناس الذين تقفز اسماؤهم وصورهم الى الذاكرة كلما زحزحت نسائم الزمن القديم باب خزانة الذكريات. ففي قرية كفر المنسي مثلا, وهي اسبق من قريتنا الى البندر, نجد اعلم معالمها عم عرفة السكراوي.. وكنا لا نراه في قريتنا الا في يوم السوق يطوف بحوارينا الضيقة ومعه عصاتان, احداهما رأسية اطول منه مرتين وعلى قمتها جرس يدق مجلجلا مع خطواته, والاخرى افقية محدودة فوق كتفه تتدلى منها مثل الضفائر سلاسل من حلوى بدائية قريبة الشبه من النوجا ولكنها ليست نوجا, وانما هى خليط من الدقيق والعسل الاسود وربما بعض التراب, على شكل عيدان طول الواحد منها نصف قدم.. ويسميها هو حلاوة زمان.. ونسميها نحن نبوت الغفير. وكان لعم عرفه منطقه الخاص في علم الاقتصاد.. وبالذات في باب التوزيع. فهو يوزع نبابيته على الاطفال الفقراء بالمجان. ولكنه يتقاضى ضعف الثمن او ربما ثلاثة اضعافه من ابناء الاغنياء, فاذا ما فكر احدهم في الاحتجاج قال ببساطة.. هذا ثمن ما اخذه ذلك الولد هناك! اما معلم (بسكون العين) قريتنا فكان حماد ابو حميدة وكان في صبانا يماثلنا سنا, أو ربما اكبر قليلا, يلعب معنا الحكشة (وهي طريقة غير متطورة للعبة الهوكي كما اكتشفت فيما بعد) في الليالي القمرية ولا يعرف احد اين يبيت. وكان نحيلا طويلا مثل عود الحطب, ولكنه كان (اشطر) فلاح في القرية, ولم يقبل ابدا ان يعمل اجيرا عند احد الملاك, ولكنه كان يؤجر نفسه باليومية لدى من يريد.. وفي الحقل كان المزارعون يتسابقون على اكترائه.. فهو الى جوار الشطارة كان معروفا بأمانته وعفة نفسه الى حد التطرف. وفي غير مواسم العمالة كان يختفى.. ليظهر مع تخضير الذرة او جنى القطن او قطع القصب.. وعندما سكنت بقريتنا اول سيارة ركاب كان يحرسها لصاحبها في وقت فراغه وينادى على الركاب.. ولكن حين يشاء له مزاجه ودون التزام. ونال دون كل رفاق عمره شهرة واسعة عندما عبر (حديدة) ست مرات في نفس واحد, و(حديدة) هذه هي الاسم الذي اطلقه اهل قريتنا على الموقع الذي يمر به النيل بالقرب من ارضهم. وكان حماد يلعب العصا مع الكبار برشاقة يحسده عليها الفرسان الثلاثة, وشهما تجده دائما عند الحاجة واقفا بعصاته الى جوارك ثم لايسألك عن السبب الا بعد ان تنتهي الخناقة. وبالرغم من جسده النحيل الا انه كان شديد الاعتزاز بقوته.. ولا يتصور انه اذا اضطر للدخول في معركة مع محمد علي كلاي ان هذا يمكن ان يغلبه. ثم استدعي حماد للتجنيد.. وغاب شهورا قبل ان نراه في ثياب الجندية عندما جاء للقرية في اول زيارة.. وكان فرحا بثوبه, وبحذائه الطويل, وشاربه الذي تركه ينمو فوق شفتيه, وبحكاياته الكثيرة عن الشاويش رزق ومغامراته معه. وامتدت فترة حماد بالجيش سنوات.. وعلمنا انه بعد ان انتهت فترة التجنيد تطوع ليصبح مدربا, او (تعليمجي) كما يقولون, وطوحت بنا الايام.. فلم نعد نلتقي الا فيما ندر, عندما يتصادف ان نتواجد بالقرية معا في عيد او مناسبة. حتى كان ذات يوم في شهر يونيو 67 ــ بعد النكسة بأيام. لا اذكر المناسبة التي حملتني الى قريتي في ذلك اليوم, ولكني اذكر جيدا انى كنت احس بالعار يجرى بين قدمي, ويحلق كأسراب الجراد فوق رأسي وانا انقل الخطا, واحىى الاهل في الطريق.. وكأنهم, وكأني نتحاشى ان تلتقى عيوننا. وفي المساء, وبينما انا جالس مع بعض الاهل في مندرة احد الاعمام والحديث ثقيل خافت وئيد الكلمات كأنما كلنا متفقون اتفاقا غير مكتوب ولا مسموع على الا نطرق سيرة الهم الراكب فوق رؤوسنا جميعا.. اذا بحماد ابو حميدة يهل بالباب قائلا بصوت خافت.. السلام عليكم.. حمد لله على السلامة يافندي. اخر مرة شاهدته فيها كان بثوبه الرسمي وعلى كتفه اربعة اشرطة, ولفت نظري ان طرفى شاربه كانا مسنونين مثل شارب ابو زيد الهلالي المرسوم فوق حصانه على جدار بيت الحاج فواز.. وقوامه اكثر امتلاء, وصدره يبدو اكثر فتوة. اما هذا الذي اراه الان فهو, نعم, حماد ابو حميدة, ولكنه ليس الباشجاويش الذي رأيته من سنتين.. طرفا الشارب تهدلا في مسكنه.. والكتفان محنيتان كانما تذكرتا فجأة ايام الهزال. ــ حمد الله على السلامة يافندي. تلامست يدنا, بينما انا احس ــ او اتخيل نبرة سخرية في كلمة (يافندي) .. وارى سحابة دموع تطل من عينيه. قلنا, بيدينا وعيوننا اشياء كثيرة قبل ان اشده, ليجلس بجواري. قلت, وانا اخشى اني ايضا ستخنقني الدموع. ــ لم اكن اتصور اني سأراك حيا ياحماد.. انما يمكن ان اتصور الجيش كله يهرب امام زحف اليهود الا حماد ابو حميدة. رفع ناظريه نحوى.. اختلطت سحابة الدموع بجمرة الغضب.. قال وهو يكاد يحطم يدى في قبضته. أنا لم اهرب يافندى. قلت, وفي داخلي وسواس يهيىء لي ان ارد عليه سخريته. ــ لعلك قاتلت.. وهم الذين هربوا. قال كأنه يبكى: ــ يا فندي اسمعني وبلاش تريقه.. حضرة الضابط امرنى بجمع السرية قائلا اجروا في هذا الاتجاه وركب سيارته وانطلق.. فجرينا خلفه. ــ هكذا؟ الا تسمى هذا هربا! ــ اقسم برب العزة ورحمة امى, اني كنت اجرى وانا اعتقد اننا نخترق اراضى العدو ونزحف في قلبه: ولم انتبه للحقيقة الا وأنا على ضفة القناة! ــ كيف؟ ألم تعرف ان كنت تجرى للشرق او للغرب؟ ــ شرق ايه وغرب ايه يافندى؟ كنا نجرى.. وطائرات العدو تواجهنا.. من اين تأتي هذه الطائرات؟ من ارض العدو طبعا.. كيف لنا ان نعرف انها تلف وتدور لتهاجمنا من ناحية مصر؟