طيف من الألوان يشاغل عينيك لو نظرت الى فاترينة خارجية لمحلات بيع الكاسيت.. أم كلثوم تجاورها شفيقة.. وعبدالحليم يجاوره عبدالباسط حمودة .. وفريد الأطرش يجاوره طارق الشيخ.. لم يعد سوق الغناء في مصر مقتصرا على أساطينه القدامى.. أم كلثوم.. عبدالوهاب.. فريد.. عبدالحليم.. وغيرهم من الأسماء التي صاغت وجداننا في السنوات الماضية.. أو من الاجيال التالية مثل الحجار والحلو وعمرو دياب, ومدحت صالح, ومحمد فؤاد.. عليك ان تترك أذنيك فسحة من الوقت في اشارات مرور بالقاهرة المزدحمة, لتستمع في الميكروباص الى شفيقة تاجرة الخضار والفاكهة بمدينة طنطا والتي تغزو الآن سوق الغناء في مصر.. والمكوجي شعبان عبدالرحيم الذي ترك المكواة بلهيبها ليقف أمام الميكروفون مغنيا.. الجمهور أطلق عليها (أغنية الميكروباص) .. من الطبيعي ان تستمع لسيد امام صبي الخياط الذي فقد بصره فتحول مطربا ويقول: (بكرة تشوف يا ناكر خيري.. زماني من زمن غيري) .. وبحشرجة تحمل تأوهات لا يعرف أحد سببها أو مصدرها, احتل صبي الخياط بكلمات أغنيته قمة مبيعات الكاسيت في العام الماضي, وأغراه هذا النجاح ليكمل أغنيته بأغنية جديدة هذا العام: (أنا مش قلت لك ولا غيري يعبرك) .. أما عبدالباسط حمودة (الخراط) سابقا فاختار لنفسه لقب أمير الاغنية الشعبية! ولا أحد يعلم هل هو يعترف بذلك بأن ملكها محمد عبدالمطلب أو محمد رشدي أو كارم محمود أو محمد قنديل.. المهم انه رأى في نفسه الأمير بكلمات أغنية لا يخلو ميكروباص من اقتنائها: (ناس كلامها عجب وناس كلامها دهب) .. ثم نقل امارته بعد ذلك الى: (بحبها شويتين متعقدهاش كده.. أضحك لك ضحكتين ما تحبكهاش كده) .. وبعد نجاحها قام باعادة أغنية أحمد عدوية: (الا دا يا عشاق إلا دا.. بحبك والحب عبادة) في اشارة منه لنوع السيارات الروسية (اللادا) .. طارق الشيخ الحاصل على دبلوم صنايع فله مرثيات بكائية يسميها احيانا (مواويل) فاقت في مبيعاتها مواويل أدهم الشرقاوي.. (عادل الخضري) صاحب التضاد الأشهر في عالم الأغاني: (لو انت نار أنا ميّة.. لو انت قسوة انا حنية) .. وجد محبوبته نائمة فغنى لها (صحوه.. نايم ليه) .. في هذا العالم من الطبيعي ان تجد كبير شعراء أغنية الميكروباص راسب ابتدائية اسمه (محمد زعلوك) . نعود الى شفيقة التي تصاغ حولها العديد من قصص الغرام التي ألهبت كبار تجار الاسكندرية وطنطا من خلال كلماتها: (أنا عشت سنين طويلة وكان القلب خالي.. ما الحب عذاب وحيرة وسهر طول الليالي) . الأسماء كثيرة.. وأغنية الميكروباص تلعلع على الأرصفة والطرقات.. لكن كيف تدار هذه العملية؟ خالد العيسوي له في السوق خمس مجموعات غنائية يقول لـ (البيان) وبصراحة يحسد عليها: (طوال حياتي وأنا أعمل في الفن.. كنت أغني في الافراح الشعبية حتى حصلت على فرصتي, وانتج لي صاحب محل ادوات صحية كبير اول شريط, وتقاضيت مبلغ 250 جنيها.. اما الان فأنا اتقاضى 3000 جنيه عن الشريط.. يرفض العيسوي التسليم بوجود اغنية هابطة.. ويقول: لايوجد شيء اسمه اغنية هابطة هناك اغاني مزاجية تصاحب الانسان في كل اوقات مزاجه! الشيء الوحيد الذي يعكر صفو شعراء وملحني اغنية الميكروباص كما يقول رضا المقربي: (مؤلف اغاني) انهم ليسوا اعضاء في جمعية المؤلفين والملحنين شأنهم في ذلك شأن عبدالوهاب وبليغ حمدي والموجي والطويل والابنودي وعبدالوهاب محمد وغيرهم يقول المقربي: انا لا أستطيع الحصول على حق الاداء العلني لمؤلفاتي الغنائية التي وصلت الى 400 اغنية وقدمها اكثر من 50 مغن, المقربي يشكو ايضا من انخفاض سعر كتابة الاغنية حيث يتقاضى مابين 150 و 300 جنيه من الاغنية الميكروباصية الواحدة ويحسد مؤلفي الاغنية الشبابية الذين يتقاضون 5 الاف جنيه من الاغنية الواحدة. ويتمنى ان يلتفت اليه الحجار وعمرو دياب. مقاهي وسط البلد هو المكان الذي يرتاده فريق الاغنية الميكروباصية بمكوناته من مؤلفين وملحنين ومغنين وبين مشروبات الشاي والقهوة ودخان الشيشة يتم الاتفاق على الفكرة والكتابة على الفور ثم اللحن, يتلوه التسجيل يعني حاجته على المزاج وبأقل تكاليف تخلق في النهاية (اغنيات مثل) احمد حلمي اتجوز عايدة, وكتب كتبهم الشيخ رمضان, والثلاثة هم في الاصل اسماء ميادين مشهورة في القاهرة.. ومنذ عام حين نشط حيوان السلعوة في الهجوم على بعض اطراف مدينة القاهرة, واصبحت هجماته الليلية حديث الرأي العام.. اجتمع اركان اغنية الميكروباص على مقهى, وخلال ايام قليلة غنى شعبان عبدالرحيم (سلعوة عوت عوتها بيخافوا منها ولاحوا) الحملات البوليسية على اوكار توزيع الشرائط الغنائية المزورة تثبت ان 75% من انتاج سوق اغنية الميكروباص لايعرض على الرقابة او المصنفات الفنية, وتنشر بصورة كبيرة في الميادين الشعبية مثل ميدان العتبة وشبرا الخيمة ورمسيس واصحابها مازالوا يطالبون بمساواتهم بكبار المطربين والمؤلفين والملحنين في حق الاداء العلني. القاهرة ـ مكتب البيان