حسناً.. ثم ماذا نصنع الآن؟ هكذا تساءل الكاتب الامريكي الساخر (آرت بكوالد) في احدث مقالاته التي كتبها في اعقاب اسدال الستار على الفصل الاخير من حكاية مونيكا لوينسكي.. وبعد السؤال مضى بكوالد يقول : لقد انتهى الامر بالنسبة للجميع.. مقدمو البرامج الحوارية على الشاشة الصغيرة وقد خصصوا كل شغلهم على امتداد اشهر عدة للتنقيب والتفتيش بل والتفعيص في كل تلافيف القصة ــ الفضيحة ــ وانتهى الامر ايضاً بالنسبة لقبائل المحامين وعصابات دهاقنة الاعلام القادرين على لفلفة كل قضية والتغرير بجماهير المتلقين ولوي عنق الحقائق وتلبيس تلك الحقائق بالاكاذيب والعكس صحيح.. وقضى الامر كذلك بالنسبة لخطوات المراقبين والمحللين والضيوف الدائمين في برامج الراديو والتلفزيون وهم بهذه الديمومة وجوه اصبحت ثابتة, واصوات اصبحت معروفة في بيوت الناس واهتمامات الناس وادمغة الناس. انتهى الامر بالنسبة لكل هؤلاء.. على الاقل لفترة ما من عمر الزمن.. فماذا نحن من بعد صانعون؟ وبعد السؤال, يعود صاحبنا الامريكي الساخر الى التطوع ببعض ردود حين يقول في نبرة حسرة: لم يعد بوسعنا ان نواصل حياتا (في امريكا) دون فضيحة ما تشغل اهتمامنا وتملأ علينا البيت, لم يعد لدينا مثلاً رئيس جمهورية نقدمه الى المحاكمة بقصد عزله من المنصب الرفيع ولذلك اصبح من اهم واجباتنا القومية ان نفتش عن فضائح جديدة, ربما لن تكون من الوزن الثقيل الذي تجسده محاكمة رئيس الولايات المتحدة شخصياً ومع ذلك فلتكن اي فضيحة والسلام كي نغذي بها تلك الشهية المفتوحة للفضائح التي خلقها الاعلام في نفوس الناس شهية لا تشبع من تناول الاخبار السيئة خلال ساعات اليوم الاربع والعشرين. ثم يمضي بكوالد في محاولة اقتراح اصناف جديدة من الفضائح يتساءل مع قارئه قائلاً: هيه ما رأي سيادتك مثلاً في فضيحة دوري (الفولي بول) الكرة الطائرة التي اكتشفوا ان حكامها يتقاضون رشاوى لتزييف نتائج المباريات, فضيحة ضعيفة أليس كذلك؟ اذن فلنحاول تقويتها او بالادق النفخ فيها.. فنقول مثلاً اننا اكتشفنا مشاركة في هذا التزييف يقوم بها.. مثلاً يعني.. الزعيم الكوبي فيديل كاسترو الذي سنقول انه امر بنفخ الكرات الطائرة بغاز الهيليوم بدلاً من الهواء واذا لم يرق للناس اسم كاسترو فلنبحث عن رئيس دولة آخر يكون بالذات من الدّ اعدائنا كي نستعين به على ما نحتاجه من فضائح نلقم بها جماهير المستقبلين وقد عودناهم على اخبار الخصوصيات الى حد الادمان. ومن يعش بالفضيحة.. يمت بالفضيحة ايضاً.. هكذا انهى الساخر بكوالد حديثه متفلسفاً كما لا يخفى على فطنتك. ورغم غلاف السخرية, فالرجل لم يجانبه الصواب بالنسبة لما آلت اليه امور مسرح الاحداث الامريكي وعلى مدار السنوات القليلة الاخيرة تعود الناس الى حد الادمان حقاً, ان يطالعوا ويستهلكوا اسوأ الاخبار من حيث نوعيتها وتعاطيها مع الجوانب المظلمة في نفوس البشر, ومن حيث ابتذالها الى حد الامعان في السوقية والانحراف.. ومع ذلك كانت هذه الاخبار, الفضائح, الجرائم هي الخبز اليومي الذي اقتاتت به اجهزة الاعلام الامريكي ثم انساقت معه ومعها اجهزة الاعلام خارج الولايات المتحدة الى ان وصلت الى حضراتنا, نحن النائمين في العسل في اقطار العالم الثالث او الرابع سيان وبدلاً من ان نتابع مثلاً تطورات العلم او الاختراع او الفكر او التكنولوجيا, استهلكنا ساعات وساعات من ارخص الليالي كما يقول يوسف ادريس لمتابعة محاكمة اللاعب سمبسون ومصرع السيدة ديانا وترخّص الفتاة لوينسكي في الحمام الرئاسي الخاص في البيت الابيض وما لحق بالمسرحية الاخيرة من ذيول ليس اقلها مثلا مرافعات لبعض النواب الامريكيين خلال محاكمة رئيسهم وقد حفلت بعبارات وعكست اهتمامات.. دارت كما سمعها العالم, حول هذا الموضع او ذاك من جسد فتاة امريكية مفلوتة العيار وحاولت ان تجرد بمقياس علوم الاحصاء الدقيقة, عدد القبلات واللمسات والغمزات.. الخ فيما يدخل في باب الكوميديا السوداء التي قد تجذب الناس للوهلة الاولى ولكنها, مع شيء من التفكير, تجسد امام خاطرك معنى بسيطا وخطيرا تلخصه عبارة واحدة تقول: (هكذا تتدهور المدنيات وتسقط الحضارات...) . والمجتمع الامريكي, وقد عشنا فيه, وخبرناه سنوات عدة, في حال بحث دائم ودائب عما نسميه (الفزاعة) التي يمكن استخدامها من الناحية الايجابية لشحذ قدرات الناس واستنفار ما ينطوون عليه من طاقات والدق على وتر رغبتهم في التفوق في مضمار السباق مع الآخرين, هذا الجانب الايجابي يمكن ان تبلوره مقولة استاذ التاريخ ارنولد تويني بان الشعوب تظل دوما بحاجة الى تحد وان تقدم الحضارات وازدهارها انما يقوم على ذلك الثنائي الذي يجمع بين التحدي والاستجابة. هذا الجانب الايجابي عاشه المجتمع الامريكي في فترة الحرب الباردة حيث كان قادته يلوحون لشعبهم بانجازات الخصم السوفييتي وخاصة في مجالات التقدم الباهر مثل غزو الفضاء او تكنولوجيا الطيران او اساليب العلاج.. وكانوا بهذا يستنهضون الهمم في نفوس الامريكيين من اجل مجاراة الخصم والتفوق عليه, وربما غالى القوم احياناً في حكاية التلويح بالعدو السوفييتي والخطر الناجم عنه, وكان ذلك في مطلع الخمسينات التي شهدت حقبة المكارثية البغيضة التي ظلت تلوح بما اسمته (الخطر الاحمر) وتشن حملات ظالمة ومتحاملة وجهولة احياناً تمارس فيها الارهاب الفكري والابتزاز العقائدي وخاصة بحق المفكرين والمبدعين الذين طالما اتهمتهم بالشيوعية وكانت كثرتهم بريئة من التهمة وقصاراها ان من هؤلاء المفكرين او المبدعين من كان يتعاطف مع افكار العدل الاجتماعي او مع آلام الشعوب المضطهدة والمقهورة او يدعو في ابداعاته وطروحاته الى انصاف المظلومين وتخليص النظام الرأسمالي من شبهة الاحتكار وآفة الاستغلال.. وكم سيق الى السجون الامريكية افواج من هؤلاء المبدعين ومنهم من اوصلته حالة الاحباط وسطوة الابتزاز الى اعتزال العمل العام.. بل الى الانتحار في بعض الحالات لكن بزوال الخصم السوفييتي, اصبح المجتمع الامريكي بحاجة الى تحد من نوع جديد, بعد ان تلاشى العدو القديم وقد كان وجوده هو الدينامو المحرك لحيوية المجتمع.. اصبح الكيان الامريكي مزنوقاً في رحلة البحث عن عدو.. وصار يلتمسه في مظان شتى فهو احياناً فيديل كاسترو, وهو احياناً القوة الافرو ــ امريكية السوداء وهو احياناً الاسلام والمسلمون ومن قبلهم كانت الصين الشعبية. وربما استقرت الذهنية الامريكية الآن على عدو يلبي كل الشروط.. كامل الاوصاف كما قد نسميه.. واسمه الارهاب.. وسواء انطوى الامر في سنوات القرن المقبل على رحلة البحث عن عدو أو رحلة البحث عن فضيحة او عن اخبار السود فالحاصل ان الاعلام في زماننا اصبح كائناً خرافياً كالتنين يحتاج الى ان تلقي بين فكيه مع مطلع كل شمس ضحية جديدة يتغذى عليها, والا انقلب الوحش فتغذى, بعيد الشر, عليك كأن القوم عمدوا الى انشاء الفرن العالي الذي تعرفه مصانع ومصاهر الفولاذ وهذا الفرن الذي يحتاج الى تلقيمه بوقود الكربون بغير انقطاع والا خمدت نيرانه وساحت مصاهره واودى بأصحابه الى مهاوى الخسران. ولان الاعلام ما زال يتبع منطق التنميط فقد ظل يسوق الى الناس صورا ظريفة وطريفة ومسلية من الاشرار.. وذلك على حساب الانماط الطيبة التي قد يتابعها الناس ولكن قد لا يتعاطفون معها ولا يستظرفونها ايام السينما المصرية القديمة كان الناس يمصمصون شفاههم وهم يتابعون مواعظ شخصية الطيب التي يمثلها حسين صدقي فإن خرجوا من الفيلم كانوا يتذكرون شخصية الشرير محمود المليجي وقل الشيء نفسه عن الشاب الطيب كمال الشناوي ونظيره الشرير فريد شوقي. وكم تحفل صفحات الجرائد او شاشات التلفاز بأخبار الفكر والعلم والثقافة وربما الانجازات لكن القارىء العادي تجذبه صفحة الحوادث بما تطفح به من البلاوي والكوارث والانحرافات وكأن الذي (يحدث) هو دوما مصائب وجرائم وكأن العلم والفكر يدخلان في باب الذي (لا يحدث) وتلك ضريبة يدفعها الجادون من العلماء والمفكرين والطيبين ايضاً. مطلوب اذن اخراج الناس من ربقة هذا الادمان الذي استبد بهم لاستهلاك اخبار السوء بدلاً من اخبار الخير وتكريس ابطال الفضائح بدلاً من ابطال العمل او الخير الذي ينفع الناس. بغير ذلك سيظل الحال كما هو عليه كما يقول اهل النيابات.. وقد تجسد هذا الحال المايل حقا عندما ماتت الست ديانا في دوامة فضيحة فكادوا يحولونها الى قديسة وماتت في نفس الفترة الراهبة الام تريزا فكادوا يحولونها الى خبر عادي لا يستحق كثيرا من الاهتمام ولله في خلقه شؤون.