بحثت الندوة الفكرية التي اقيمت امس في متحف الشارقة للفنون على هامش ايام الشارقة المسرحية اشكالية (المسرح والجمهور) وأوضح د. يوسف عايدابي مسؤول ادارة التخطيط في دائرة الثقافة والاعلام ان الندوة ضمن اعادة النظر في مستجدات الساحة وصار العمل الى توزيع استمارة استبيانية في الاطار ذاته . د. وطفاء حمادي (استاذة المسرح في الجامعة اليسوعية في لبنان) قدمت اولى الاوراق تحت عنوان (آلية البحث عن العلاقة مع الجمهور) وبدأت بالتعريف الاكاديمي عن المسرح وعناصره وتحدثت عن الظروف التاريخية لظهور الجمهور وانواع المسارح التي ارتبطت بفئة محددة, وبقيت في التاريخ لتحكي عن الخشبة ووظيفة المكان معتبرة ان اختلاف الآفاق التي يتنباها العرض جذريا عن لغة الجمهور وقيمته وعقائده يجعل التواصل منعدما, وقالت ان العلاقة بين الجمهور والمسرح كانت ترتبط بالمكان والنص والمؤدي وظل همّ هذه العلاقة موجودا مع تعدد التجارب المسرحية وتنوعها واشارت الى الصعوبات امام تحققها في العصر الحالي مع مزاحمة السينما والتلفزيون داعية رجال المسرح الى اعادة القراءة في الواقع المسرحي والبحث في اسباب افتراق الجمهور عن المسرح واقترحت لهذه القراءة عدة نقاط اولها تحديد الجمهور الذي اختلفت فيه التسميات وطرح التساؤل حول توفير المتعة وطرح قضايا الجمهور والانطلاق في آلية التلقي لدى المتفرج. والنقطة الثانية هي طبيعة المتفرج كمتلق والتي يمكن التعرف اليها عبر الاهتمام بالاطار المسرحي وحكت على ماهية الجمهور الذي هو اما متفاعل او سلبي يحطم الوظيفة الاتصالية التقليدية للمسرح, وصنفت المتلقي كقطب في بناء العرض المسرحي فهو يلعب دورا اساسيا, وقالت ان عدم تلقي ثقافة مسرحية مبكرة اثر على المتفرج العربي موضحة ان العديد من الدراسات السيمولوجية والنفسية في علم النفس الاجتماعي وضعت للتعرف اكثر على المتفرج لجهة التماثل والاسقاط والاختراق ولكي يكتمل العرض يجب ان يوجد المتفرج ويفكك ما يشاهده. اما الممثل فعليه اقامة حالة تفاعل مع الجمهور وتساءلت الى اي مدى يستعين الممثل والمخرج في بنية العرض بالابحاث والدراسات ويتم استطلاع حال الجمهور والعلاقة معه. وذهب د. حمادي الى الدور الاجتماعي للمسرح وعلاقته بالجمهور معتبرة انه ينبغي على هذا الاخير نمذجة وضعيته الاجتماعية ومقارنتها بنماذج خيالية تقترحها الخشبة وتكون اوسع في مجال الحياة اليومية. والجمهور جزء في التركيبة الاجتماعية تتغير مع العصور فإلي اي حد يحاول مسرح الستينات ان يتطور ويتجدد مع الثقافات الجديدة التي يمتلكها الجمهور. اشكالية المسرح اللبناني وفي باب واقع المسرح اللبناني وجدت ان له خصوصية مقارنة مع المسارح العربية من ناحية والجمهور لان به ثلاث مراحل هي ما قبل الحرب وحينها وما بعدها مما اضاف اشكالية جديدة, وأوضحت ان الحركة المسرحية في لبنان وليدة الافكار والمدنية الحديثة وكان جمهورها فاعلا في بداية الحرب نظرا لوحدة المعاناة والطموح غير ان السؤال الذي اصبح مطروحا الى اي جمهور نتوجه ووصف د. حمادي تأثير الطائفية والمشاكل السياسية ووضع المسرح حيث غياب الفرقة المسرحية اللبنانية والاعتماد على صالتي عرض فقط وانعدام التمويل الرسمي. وهكذا يعيش المسرح اللبناني اليوم مأزق المدينة المنهكة وتعرضت لبعض آراء المسرحيين اللبنانيين والانواع المسرحية السائدة التي تكون اما فلكلورية او سياسية مسطحة او ممثلة لسياسة السلطة باستثناء زياد الرحباني وانتهت الى ان سؤال العلاقة بين الجمهور والمسرح يبقى مفتوحا. المخرج والمسرح من جهته ركز د. عوني كرومي (مخرج واستاذ اكاديمي عراقي) على موضوع المخرج والمسرح ودعا الى نسف المخرج ودوره كشرطي مرور تجاه الممثل ورأى فيه ممثل المشاهد في العرض يفكر ـ بعقله وصدقه ومعاناته وقسم الممثلين الى نوعين المشاهد والحي, فالحي هو الذي يشتغل على المسرح والمشاهد هو الذي يحمل معه الواقع والخبرة والتجربة اذ يقصد المسرح لانه سيقدم له تجربة انسانية, ولكي يستثير المسرح ذاكرة المشاهد يستدعي عدة عناصر في مقدمتها موضوعة العرض او فكرته. ورأى ان على المسرح ان يحدث صدمة لانه لن يستطيع الاضافة الى ما يقدم التلفاز يوميا من وقائع ومآس ولا يكفي ان يكون دوره معرفيا ومعلوماتيا وثمة اشعاع متبادل بين الممثل والمشاهد وعلى المخرج ان يكون خادما ومشاهدا, وهذا لا يعني تغييب التقنيات بل البدء في البيئة المعاشة كصدمة اساسية تتفاعل مع المقدسات وتقلق ولا تهادن وان البلدان التي لا ترغب بالتقدم ترفض المسرح الذي يدفع الانسان للوعي ويساعده على التغيير والاكتشاف. وقال اننا عراة ثقافة ولا نقدم مشاكلنا فكيف نطالب الجمهور بالحضور اذا لم يفهمنا ولم يفهم لغتنا, وشرط العمل المسرحي مساحة في الحرية و ان اهم الاعمال جاءت في فترات الصراع. وحول متابعة الجمهور تساءل عن كيفية ذلك اذا لم يعرف مفردات المسرح واستشهد ببريشت (قل كلما تريد لكن بلغة الشارع) ونحن في الدول العربية لدينا 70% نسبة الامية وما نحتاجه مسرحا يعلم الخبرة ويجسد الظواهر وحذر من الاغتراب ما لم نسقط الواقع على أعمالنا. وبين ان مسرح العلبة من افرازات المدن التي أخذت الكثير من السمات الأوروبية ولتخفيف هذه التأثيرات علينا تأصيل المجتمع بالفكرة. وعاد بالذاكرة إلى أيام الدراسة حيث كانت الأعمال تقدم كما في بلدانها علما اننا لا نقرأ النص إلا في حدود معرفتنا كفنانين ومشاهدين. وبذلك جعلنا العروض بعيدة عن الناس. ومن التجارب الناجحة في التأصيل مسرحية (يوليوس قيصر) التي قدمها جعفر السعدي بواقعية حملت أزمة المجتمع. واقترح د. كرومي عمل عروض في كل مكان ومنها البيوت ليستطيع المشاهد تنفس المكان. ودعا إلى الاستقاء بصدقنا واحترامنا لانفسنا وإلى تقديم أدواتنا جيدا ولنا أن نعرف مع من نعمل وضد من لان ثمة سلطة اجتماعية وأخرى ايديولوجية واحيانا تجتمع مع سلطة الوعي ضدنا. وخلص إلى اننا نحتاج إلى المخرج المربي والممثل الذي يبدأ بعملية الهدم ووجد ان خطر التمثيل عند العرب في اعجابهم بالممثل والشخصية في آن وقد يستحضرونها دوما مع تعدد أدوار ذلك الممثل. وللوصول إلى حالة ابداع عند المخرج والممثل والمشاهد طرح د. كرومي أهمية البحث عن وعي جمعي للإنسان واستثمار مكونات التراث كمخزون في الذاكرة موجود في الجينات. التجريبية الشعبية (الممثل والجمهور) محور ورقة أعدها المخرج العراقي قاسم محمد واستندت إلى تجربته العملية والابداعية. وعرض لعدة أشكال للعلاقة بين الممثل والجمهور التي قد تحكمها التنازلات أو الاستغلال أو التعالي. وهناك سلوك الصالة وسلوك خشبة المسرح اللذان يتصارعان ويخسر الهش بينهما. لكن العلاقة ليست سلبية وأحادية الجانب أو الفاعلية بل هي تركيبية. وأعطى للممثل دور معيد صياغة ذاكرة الجمهور الابداعية ومحور المشاهد إلى مشارك حتى انه يرتقي إلى مرتبة الساحر مبتعدا عن المألوف والمكرر. واستشهد بالكثير من تجاربه في السعي لدمج ذاكرة الممثل مع ذاكرة الجمهور. وتطرق للمكونات التي تساعد الممثل على شد الجمهور. وأطلق قاسم على تجربته مسمى (التجريبية الشعبية) وقال ان الهدف من تحويل عمل الممثل إلى وظيفة ابداعية ــ اجتماعية تطويري وتنويري. وتحدث عن سلوك الجسد والديكور والفضاء معتبرا ان ما ساقه دعوة تجديد واطلاق كوامن ابداعية في فنون البيئة وإنما جدل البحث لبناء علاقة مغايرة للروتيني بين الممثل والجمهور. مأزق الترويج في المسرح العربي أما د. عبدالرحمن زيدان من المغرب فاختتم جلسات الندوة التي ستنبثق عنها توصيات لاحقة وعنون مداخلته بـ (الترويج للمسرح ــ المأزق الدائم للمسرح العربي) حيث أكد ان المسرح سلطة معرفية تتخزن فيها صور التجارب والذهنيات والعادات واللغة... وهذا الفعل الثقافي يملك قوة دلالته من رواجه. ومسألة خطاب الرواج المسرحي كاشكالية ثقافية تجعلنا نرصد مكونات المسرح في خطابه وفعله الابداعي. وتطرق إلى الترويج كامكانيات صناعة الفرجة والاحتفال بالمسرح المثقف. وربط الترويج المسرحي بسياق المسرح. وقال ان رواج المسرح العربي وفق خصوصيات (قومية) محلية سيجعل الهوية العربية محافظة على نبض المسرح العربي لمواجهة عولمة تريد خنقه. وتحدث عن التخوم المحلية في السياق العالمي موضحا ان عليها التحصن بضوابط موضوعية تدرك ان السياق العالمي الذي فيه مسرحها تهيمن عليه العلاقات الانتاجية الرأسمالية وان هذا المسرح مطالب في رواجه بطرح أسئلة مصيرية تنطق بالحكمة والشعر والاسطورة والتصوف والايديولوجية والاقتصاد. كما عرض د. بن زيدان لرواج النظرية المسرحية كخلفية أدبية وفنية ترسم للكتابة في فضاء نص مثقف لمؤلف يوحد بين المختلفات في كتابته الدرامية توكيدا على الأصول في المعنى. وأوضح ان رواج النظرية المسرحية في النصوص المسرحية العربية تعني الحث على اعادة ابداعها بالسؤال النقدي. وانهى مداخلته بسؤال كيف يمكن للمسرح العربي أن ينفلت من المأزق الدائم الذي يسد عليه أبواب الرواج؟ وهل يوجد رواج مسرحي دون ايديولوجيا؟ وختم بأن الترويج المسرحي العربي يبحث عن موقع ثقافي ضمن الثقافات التي تسد أمامه أبواب الانتشار.
